عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 27-11-2004, 10:52 PM
السياسي السياسي غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: May 2004
المشاركات: 2,570



وحري بالعاملين وبالشباب المؤمن الذين أعطوا الإسلام حبات قلوبهم وزهرات شبابهم، وعهد الوفاء في مستقبلهم، وأن يجعلوا مناهجهم في الأخلاق والعمل هو منهاج الكتاب والسنة، ينشدون به وحده، وفي حدوده الدقيقة الصارمة، ما يرجون من مرضاة الله ومن إقرار الدعائم الثابتة لمستقبل كريم جديد: لا يجمح بهم عن ذلك تطير العاطفة المتفلتة من موازين السماء، ولا يفتنهم عن مستواه الرفيع كل ما يبلغ مسامعهم من القيل والقال وشائعات السوء حول أخوة لهم في الله، بالغة مهما بلغت مادة الإرجاف وذرائع المرجفين، ومهما وصفها المرجفون والسذج الناقلون بكبائر السوء وأرغوا وأزبدوا بالغيرة الكاذبة على الحرمات، وحسبهم في ذلك أن يذكروا أن (إشاعة الفاحشة) أقبح جرماً وأوخم جريرة ـ في موازين الإسلام ـ من اقترافها، والله سبحانه يقول: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم تعلمون).

لقد شاءت حكمة الله أن يحدث حادث الإفك في عصره النبوة، وأن تكتمل فيه العبرة البالغة من طرفيها، فالذين وقعوا في حباله وارجفوا به نفر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم صاحب الفضل والسابقة الذي لا يجرأ أحد على اتهامه في صدقه ودينه. والمتهم فيه ـ بالباطل ـ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين وبنت أبي بكر! ـ ولغ المرجفون في العرض العزيز محتجين بالغيرة الكاذبة على المحرمات وعلى بيت النبوة، وبلغ زيف الإرجاف حداً أحرج صدر النبي حرجاً لم يعان مثله، وأدمى جفون عائشة التي لم يبق لها ـ من دون الناس ـ إلا أن تنزل تبرئة الله لها من فوق سبع سماوات… وقد نزلت، ونزل معها البيان الإلهي الخالد الذي دفع المرجفين وقرر الآداب والحدود التي تحمي الفرد والجماعة من كل إرجاف من بعد، وفي كل عصر، بعد انقطاع الوحي وتبرئات السماء! وهكذا أحبط شر الإفك وبقي لنا خيره فيما حفظ القرآن من هذا البيان:

(إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين. لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك، هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين. ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم. إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم. يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء، والله سميع عليم).

إن التأمل في هذه الآيات يكشف عن آفاق وضيئة في فلسفة الاجتماع ليس هنا مجال الترسل في استشرافها وتحليل دقائقها، وإنما يكفينا ـ لما نحن بصدده من شأن أخوة الإسلام ووحدة الصفوف ـ أن نقبس من ظاهرها الصريح هذه القبسات:

ـ مسؤولية الإرجاف تستوعب كل من أسهموا فيه وأعانوا عليه، فهم في ميزان الجريمة والعقاب (عصبة) يحيط بها جميعها حساب الله، وليس يشفع لبعضهم أنهم قد غرر بهم، ولا يدفع قسطهم من المأثمة أن رأس الإرجاف هو الآثم الكبير: (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم).

ـ الشأن في الجماعة المؤمنة أن تحكمها الثقة المتبادلة، وأن تعتصم ـ بعد الله ـ بهذه الثقة في وجه كل إرجاف، وأن يغلب عليها ظن الخير وتجبه به المرجفين: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وقالوا: هذا إفك مبين).

ـ المتهم بريء حتى تقوم عليه البينة، وهي هنا أربعة شهداء، وعلى الذين يتهمونه أن يأتوا بها كاملة، فإن لم يفعلوا، أو أتوا بها ناقصة، فهم في شريعة الله مفترون كاذبون: (لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون)(18).

ـ تناقل شائعات السوء والاستهانة بخطر ذلك ضعف بشري قديم، ولكن الجماعة المؤمنة مسؤولة أن تبرأ منه، وأن تعف ألسنتها عن الخوض في أحاديث السوء، بل أن تجهر بإنكارها بادي الرأي: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك، هذا بهتان عظيم!).‍‍‍‍

ـ إشاعة الفحشاء والمنكر من إلقاء الشيطان، وطريقهما هو طريقه الذي يستدرج إليه ضحاياه، ومجاهدته إنما تكون بالحذر من الخطوة الأولى.. : (لا تتبعوا خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر).

ـ الذين يسارعون إلى اتهام غيرهم بالسوء يغفلون عن استعدادهم هم للوقوع فيه، وعن حاجتهم إلى المشغلة بأنفسهم قبل سواهم، ويجاوزون حدود الله الذي لولا فضله ورحمته لما كان لأحد إلى الخير سبيل: (... ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن اله يزكي من يشاء، والله سميع عليم).

ـ انحدار المجتمع المسلم، في أي عصر، إلى الاستهانة بالحرمات ونهش الأعراض، وهو آية الانحراف عن أمر الله وانتكاس حقيقة الإيمان: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين).

**************

وبعد، فإن (أخوة الإسلام) لم تزل من أكرم خصائص هذا الدين وأعز حصونه خلال تاريخ المسلمين الطويل، وهي الغصة التي شرقت بها حلوق كثير من الأعداء المتآمرين، ولا تزال طاقاتها وافرة زاخرة رغم كل ما نرزح تحته من جهالات وانحرافات في السلوك، ورواد الحركة الإسلامية مسؤولون أن يباشروا هذه الطاقات فيبعثوا راكدها ويقوموا شاردها ويجددوا فيها نبض (الحب في الله) و(نسب العقيدة) من فوق كل الحدود، ولن يبلغوا ذلك حتى يرى المسلمون فيهم مثلاً مشهوداً في أصالة الحب ووحدة الصف والتمثيل بخلق الإسلام العظيم. فليجاهدوا أنفسهم، وليستكملوا منهاجهم في التربية والتوجيه، وليحزموا أمرهم على الضرب على كل عابث بينهم بيد من حديد... ثم لا عليهم بعد ذلك من إرجافات الأغيار الشامتين والحاسدين والمتربصين، فشأن هؤلاء دائماً هو شأن من قال فيهم الشاعر القديم:

إن سمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا شراً أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا



سعيد رمضان


السياسي

__________________

قيمة الإنسان بأهدافه . . . ومنزلته بأقرانه
وذوقه باختياره . . . وثروته بما يملك من قلوب
وقوته بما يحط من هواه . . . وانتصاره بما يهزم من رذيلة
وكثرته بما يثبت معه عند الشدائد

رد مع اقتباس