مقال آخر من مقالاتي القديمه بالمنتدى
......
عيسى عبدالله أفندي رجُل عادي..أنفق نصف عمره في التعليم والنصف الآخر في نسيان هذا التعليم على مكتب الوظيفة..
لا يثيره إلا شئ واحد في الدنيا.. وهو ان تقول له :
إن زرار ثوبك مفكوك..وشكلك غير محترم
ليس له سوى مثل أعلى واحد هـــو الاحترام ..
طول عمره وهو يجري خلف هدف واحد..هو الاحترام..
دخل كلية التجارة ليقال انه جامعي محترم..ولتحق بوظيفة ثابتة ليقال انه موظف محترم..وتزوج في سن مبكرة ليقال انه زوج محترم..واختار أصدقاءه من كبار الموظفين ليقال انه إنسان محترم..ولبس الشماغ والعقال في الحر ليقال انه رجل محترم..
وهو قبل أن يتحدث يفكر قليلاً..لا فيما يريد أن يقوله..وإنما فيما يقوله الناس المحترمون عادة في هذه المناسبة أو تلك..ثم يردده في سعادة وهو يفرك يديه وينظر حوله في عيون المستمعين ليجمع منها نظرات الاحترام كما يجمع الفلاح لوزات القطن من حقله..
لا يحب زوجته..ولا تطيقه زوجته..ولكنه يحتفظ بشكل العلاقة بينهما حتى يظل مُحترماً..
لا تستطيع أن تعرف بالضبط..ما هو..لأنه في الغالب ليست له..هو..التي يملكها الرجل الــحُر..
انه حسب ما ترغب أنت..لا حسب ما يرغب هو..لقد باع شخصيته ليشتري احترام الناس ورضاهم..ولم يفكر لحضه واحدة في مدلول هذا الاحترام..ولم يناقشه ولم يشك فيه..فهو قيمة عليا تتضاءل أمامها كل حقيقة حتى حقيقته..
وقد لقيني اليوم عيسى أفندي وكان يبدو عليه الاشمئزاز..وسألته ما الخبر ؟ ..فقال في تقزز :
جيل ملعون..تصور خادمتنا الجديدة صغيرة لم تتجاوز الثامنة عشر..اكتشفت اليوم أنها حـــامل..وتقول لي أنها حامل من ابني..الكذابة بنت ال....أهذا معقول..ابني يفعل هذا..ابني المتربي الذي نشأ في عائلة محترمة..
فقلت له بهدوء :
هذا لا يحدث عادة إلا في العائلات المحترمة
إنها عائلات مصابة بالإمساك المزمن..ومن المألوف أن تصاب بانفجار في المصران في احد الأيام..
- ما هذا الهراء الذي تقوله ..
أنا أقول الحقيقة..وماذا فعلت في الخادمة ؟
- طردتها طبعاً..وهل يعقل أن أعيش مع هذا الوباء..
وكان يبدوا انه لا يريد أن يستمع إلى المزيد من تعليقاتي..كنت في نظره نوعاً آخر من الوباء لا يُستحب السير معه..
ومضى في طريقة..ومضيت في طريقي..ولكنني ظللت أفكر فيه :
إنه ذاهب لينام مع امرأة لا يحبها ولا تحبه..يفعل هذا في مقابل احترامي..
وزوجته تفعل هذا في مقابل ثلاث وجبات ومصروف يد..وفي مقابل احترامي أيضا..
والابن الذي ظل يأكل الاحترام ويشرب الاحترام عشرين عاما..تقيأ هذا الاحترام دفعة واحدة في مقابل لحضه مع الخادمة..
وربما كانت هذه الخادمة هي ضحية الكل..فقدت عملها وعذريتها وربما حياتها في حمل مجهول المصير..وكل هذا بلا مقابل..حتى الاحترام فقدته إلى الأبد..حتى الذكرى أصبح لها اسم بغيض..
وهي في نظري أتعس الكُل لأنها الضريبة المدفوعة عن كل خطايانا..
إنها الزنا الصغير الذي يستر الزنا الكبير الذي يجرى في البيوت باسم الزواج..والنفاق الأكبر الذي يجري في المجتمعات باسم الاحترام..
ان عيسى أفندي منافق كبير مهما لبس من أقنعة الاحترام..وابنه يحمل من الإثم أكثر مما تحمل الخادمة البائسة التي وقع عليها وزر الجميع.
...................
عيسى أفندي اسم وهمي لشخصية حقيقية في حياتي 
مع تحياتي