السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
منقول عن الشيخ حسن البنا يرحمه الله
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى" يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى" لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) (البقرة).
مشروعية القتال في الإسلام
في الآية الكريمة مشروعية القتال في الإسلام وأسباب هذا القتال والضمانات التي وضعها الشارع ليكون هذا القتال خيراً لا شر معه.
فأما مشروعية القتال في الإسلام، فإن الإسلام يفرض المسلم جندياً لأول إيمانه بصحة تعاليم الدين واعتناقه إياها، وما ذُكر الإيمان في موطن إلا وذُكر الجهاد معه في أغلب الأحايين، وإن القرآن الذي يقول: كتب عليكم الصيام(البقرة:183) هو القرآن الذي يقول: كتب عليكم القتال(البقرة:216)، وفي كل تشريعات الإسلام تحضير لطبع النفس المسلمة بطابع الجهاد في سبيل اللَّه، فليس في الدنيا نظام يطبع متَّبعيه على روح الجندية الصحيحة كما يطبع الإسلام نفوس أبنائه عليها، والقول في ذلك يطول، وإن أفضل القربات إلى اللَّه أن يخرج الإنسان للَّه وشريعته عن نفسه وماله، لا يختلف في ذلك اثنان من المسلمين، وإذا كان ولا بد من أن نستخدم الاصطلاح الفقهي، فالجهاد فرض كفاية لنشر الدعوة الإسلامية، وفرض عين لرد عدوان غير المسلمين على أرض الإسلام وبلاد الإسلام.
إذن فالجهاد فريضة، وإذن فالجهاد قُربة بل أفضل قُربة، ولهذا كانت الشهادة في سبيل اللَّه أقرب الطرق إلى الجنة، وكانت الجنة تحت ظلال السيوف، وكان للشهيد مميزاته في الدنيا والآخرة، وليس بين الموتين فارق إلا أن الشهيد ينجو من فتنة الموت إذْ فُتِنَ ببارقة السيوف وينجو من السكرات إذ رآها رأي العين، أما غيره فيذوق هذه السكرات وتعترضه الفتن، ولذا كان الجهاد أولاً وأخيراً يلي الإيمان في فرائض هذا الدين ويحتل منها ذروة السنام وكفى.
أَفَلَسْتَ بعد ذلك ترى أن المسلم جندي بطبعه، وترى الافتراض واضحاً صريحاً في قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله والأمر للوجوب.
قال قوم منهم أبو جعفر الرازي: إن الفريضة في هذه الآية قتال من قاتلنا، فهي فريضة دفاعية، وإن سورة براءة زادت على هذه الآية أن نقاتل للدعوة فأتت بالفريضة الهجومية أيضاً، واستدل لرأيه هذا بظاهر لفظ الآية: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم.
وقال غيره: كلا بل الأمر في الآية الكريمة عام يشتمل الدفاع والهجوم معاً وأن قوله تبارك وتعالى: الذين يقاتلونكم إغراء وتهييج وذِكْر لبعض أسباب القتال، وأن ما جاء في براءة وغيرها مؤَكِّدٌ لهذه الأسباب لا مجدد لحكم زائد.. ومهما يكن من شيء فقد اتفق الطرفان على أن القتال واجب في الدفاع وفي الهجوم متى توافرت أسبابه الشرعية.
إلى هنا نقول لمن يريدون طبع الأمم على التربية العسكرية: هذا حظكم الذي تنشدون، ولن تجدوا تشريعاً يساعدكم على تحقيق غايتكم كهذا التشريع الذي يجعلها فريضة لا فكاك منها، فضلاً عما يمتاز به من قداسة ونور وبرهان.
ولماذا يقاتل المسلم ؟
أيقاتل المسلم طلباً للعسل واللبن كما قاتلت الجنود الصليبية في القرون الوسطى؟
أم يقاتل طلباً للبترول والفحم والأسواق والخبز والمأوى كما تقاتل جنود الغرب الآن ؟
أم يقاتل تجبراً وطغياناً وخُيَلاءَ كما حارب نابليون بجنوده قيصر الروس ؟
كلا.. المسلم لا يقاتل لهذه الأغراض أبداً، ولكن المسلم حين يقاتل يقاتل للَّه، سُئل رسول اللَّه { عن الرجل يقاتل شجاعةً ويقاتل حَمِّيةً ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل اللَّه ؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه".
يقاتل المسلم لغايات نبيلة وأغراض سامية أشارت الآية إلى بعضها.. يقاتل المسلم دفاعاً عن كرامته وذياداً عن وطنه وحفظاً لدمه، والقتل أنفى للقتل، وموضع ذلك في الآية الكريمة قوله تعالى: الذين يقاتلونكم وقوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.. ويقاتل دفعاً للفتنة ودرءاً للشر وانتصاراً للضعفاء الذين يريد الأقوياء أن يفتنوهم عن عقائدهم بما لهم من قوة وجبروت، ولأَنْ تبقى الفضيلة على الأرض خيرٌ من أن تعيش الأجسام على أنقاضها، فإذا دار الأمر بين الفضيلة بثمن من الدماء والأرواح وبين الجسوم والدماء بغير فضيلة ولا حرية ولا كرامة فأجدى على العالم أن تهرق الدماء وتقتل النفوس من أن تنهار مبادئ الحق وتَنْدَكَّ معالم الفضائل، وموضع هذا المعنى من الآية الكريمة قوله تعالى: والفتنة أشد من القتل.
ويقاتل المسلم نشراً للعدل وتعميماً لمبادئ السمو والنور، وتبليغاً لرسالة اللَّه التي كلَّفه إبلاغها، فإن رسول اللَّه { بُعث إلى الأمم كافة فبلَّغ من عاصره، والمسلمون من بعده نُوَّابه في إبلاغ دعوته، أمناء عليها إلى يوم القيامة مأمورون بتبليغها حتى لا يبقى في الأرض كافر واحد، وموضع ذلك في الآية الكريمة قول اللَّه تبارك وتعالى: حتى" لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
فإذا قبل الناس هذه المبادئ واعتقدوها فقد انتهى الخلاف بينهم وبين المسلمين، وقد سوى الإسلام بين الجميع وأظلهم تحت راية عَلَم خافق من العدل والإنصاف والحرية والمساواة: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه" ذلك إلى مغفرة من اللَّه ورضوان وثواب وإحسان، وموضع هذا المعنى من الآية الكريمة: فإن \نتهوا فإن الله غفور رحيم 192. هذا وحشي قاتلُ حمزة سيد الشهداء يُسلم فإذا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وهذه هند بنت عتبة آكلة الكبد تُسلم فيسامحها رسول اللَّه { وينسى لها سالف عدائها، والإٍسلام يَجُبُّ ما قبله.
ما أسمى الغاية التي يقاتل لها المسلم، وما أجلَّها، وما أحوج الإنسانية في عصرها هذا إلى سيف من سيوف اللَّه يحمي فيها مبادئ العدالة العامة، ويقيم ميزان الإنصاف الذي أمالته الأغراض والأهواء وقضت عليه مظاهر الرياء.
وإذا قاتل المسلم فكيف يقاتل ؟
أينتهك الحرمات، ويخرق المعاهدات، ويعبث بالقوانين، ويوغل في الفتك والتدمير، ويستخدم كل سلاح حتى الغازات الخانقة والسامة والمشوِّهة كما يفعل ذلك متمدينو القرن العشرين؟
كلا.. إن المسلم الجندي بطبعه الذي يقاتل لأسمى غاية لا يلجأ إلى مثل هذه الوسائل أبداً، إنه نبيل في خصومته بقدر ما هو شريف في غايته، وهل ترى أنبل في الخصومة من هذا القانون الذي يمليه رسول اللَّه { على قادة جيوشه: "اخرجوا باسم اللَّه، قاتلوا في سبيل اللَّه من كفر باللَّه، لا تعتدوا ولا تَغُلُّوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع". (رواه أحمد ومثله لأبى داود).
وفي الحديث الآخر: "إياكم والمُثْلة ولو بالكلب العقور". وفي وصية أبي بكر } لجيشه: لا تَغدروا ولا تغلُّوا ولا تُمثلوا ولا تَتبعوا مُدبراً ولا تُجهزوا على جريح ولا تقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تعقروا بعيراً إلا للأكل، وستمرون على قوم ترهَّبوا في الصوامع فدعوهم وما فَرَّغوا أنفسهم له.
أي تعاليم هذه ؟! وأي قانون دولي جمعها هذا الجمع ولخَّصها هذا التلخيص ؟! وأيةُ أمة التزمتها كما التزمها جنود الإسلام الفضلاء حتى إذا تم للمسلم الغلب وواتاه النصر، فهو في نصره نبيل كريم كما هو في غايته وحربه، يستعمر للتعليم والإرشاد والتحرير والإسعاد، ويقول حذيفة } ضرب لنا رسول اللَّه { مثلاً فقال: "إن قوماً كانوا أهل ضَعف ومسكنة قاتَلَهُم أهل تَجَبُّر وعَدَد، فأظهرَ اللَّهُ أهلَ الضَّعف عليهم فَعَمَدوا إلى عَدُوِّهم فاستعمَلُوهُم وسَلَّطُوهُم فأَسْخَطُوا اللَّه عَلَيهم إلى يوم يَلْقَوْنَه".
هذا مثل يجمع فيه رسول اللَّه { بين إحياء الأمل وإرشاد الأمم، أمة ضعيفة غزتها أمةٌ قوية فنصر اللَّه الضعيفة على عدوتها، فلما انتصرت ظلمت القوية التي ضعفت، فغضب اللَّه عليها بذلك حتى ولو أن هذه المظلومة كانت معتدية، فانظر كيف يحيى رسول اللَّه { آمال الضعفاء ويلزمهم العدالة إذا صاروا أقوياء.
فالمسلم حين يحارب لا يخرق قانون الفضيلة، الفضيلة الناصعة البيضاء التي تمليها الأرواح الصافية والإنسانية الكاملة، لا الفضيلة الصناعية التي يمليها الرياء السياسي في صحف المعاهدات حتى إذا فتشت عنها لم تجدها شيئاً. والمسلم إلى جانب هذا يحترم المقدسات ولا يمسها إلا إن أصابه منها العدوان، واستخدمت في غير ما وضعت له. وموضع ذلك كله من الآية الكريمة قوله تعالى: إن الله لا يحب المعتدين 190 وقوله تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى" يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين 191.
ما أحوج العالم في ظرفه هذا الدقيق إلى كتيبة إسلامية تؤمن بهذه المبادئ الربانية السامية علماً وعملاً، فتتخلص من قيود هذه البيئة الفاسدة، وتدعم السلام في العالم بالقوة الفاضلة، وتقضي على هذا الاضطراب بسيف من سيوف اللَّه(1).
ويقول الله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن \عتدى" عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما \عتدى" عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين 194 وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين 195 (البقرة).
قال عكرمة عن ابن عباس والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم: لما سار رسول اللَّه { معتمراً في سنة ست من الهجرة، حبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابِل، فدخلها في السنة التالية وأَقَصَّهُ اللَّه منهم، ونزلت الآية الكريمة.
وقال الإمام أحمد } بسنده عن جابر قال: لم يكن رسول اللَّه { يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ . ولقد حاصر الرسول { المشركين من هوازن فأتى عليه ذو القعدة وهو محاصرهم بالمنجنيق فلم ينصرف عنهم إلا بعد مضي أيام من شهر ذي القعدة ثم اعتمر وانصرف إلى المدينة.
هذا الذي رويناه لك يؤيد ما تقدم من احترام المسلم المجاهد للمقدسات فلا يعتدي عليها حتى يبدأه أهلها بالعدوان، وهو حين يقف هذا الموقف يلتزم فيه حدود رد العدوان فقط ولا يكون معتدياً، هذا الروح العادل واضح جليُّ في قول اللَّه تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى" عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى" عليكم وبدهي أن مقابلة العدوان بمثله ليست عدواناً، ولكن الآية الكريمة عبرت عنها بكلمة: فاعتدوا عليه تأكيداً للمماثلة والمشابهة حتى في الألفاظ، وبياناً لأن رد العدوان مطلوب حتى ولو استدعى ذلك أن نقابل عمل العدو بعمل آخر يدفعه وإن لم يكن شبيهاً له في الصورة، ثم أكدت الآية الكريمة هذا الروح النبيل العادل ببيان أن المجاهد إذا التزم هذا الحد واتقي العدوان وبعد عنه كان اللَّه معه يحوطه ويؤيده بنصره.
ومن الجهاد جهادٌ بغير النفس وهو الجهاد بالمال، وقد نَدَبَ الإسلام إليه في كثير من آياته ومن أحاديث الرسول {. وحسبنا قول اللَّه تبارك وتعالى: وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على" عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى" (الحديد: 10)، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر، ومنها الآية الكريمة التي نحن بصددها، ولهذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم من أسخى الناس بأموالهم في سبيل اللَّه.
كانت أموال أبي بكر } أربعين ألفاً، أنفق منها خمسة وثلاثين ألفاً على الدعوة، وجاء ذات مرة بكل ماله، فقال له الرسول {: "وما أبقيت لعيالك يا أبا بكر؟" فقال: أبقيت لهم اللَّه ورسوله. وجاء عمر بنصف ماله، وجهَّز عثمان جيش العُسْرة واشترى بئر رومة وجعلها صدقة للمسلمين، ودفع عبدالرحمن بن عوف نصف ماله، ودفع معه الأراشِيُّ صاعاً من تمر هو نصف أجره ذلك اليوم، فتقوَّل المنافقون ولمزوهما بالرياء، فأنزل اللَّه قوله تعالى: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات (التوبة:79) يعنى عبد الرحمن بن عوف وأمثاله: والذين لا يجدون إلا جهدهم يعنى الأرَاشِى وأمثاله: فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم 79 (التوبة)، والآثار في ذلك كثيرة، وهم رضي الله عنهم فوارس هذا الميدان امتثالاً لأمر اللَّه وبذلاً في سبيله، وإيثاراً لما عنده، فذلك أثر قوله تعالى: وأنفقوا في سبيل الله.
ولقد أراد قوم بعد أن فتح اللَّه على المسلمين ونَشَر دعوتهم أن يركنوا إلى السكينة ويدَعُوا الجهاد ويبخلوا بالنفقة ويقيموا في الأموال والزروع اكتفاءً بما فتح اللَّه عليهم، فأنزل اللَّه الآية الكريمة وفيها: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إلى الهلاك بالإخلاد إلى الراحة وترك الجهاد.
قال الحسن: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو: البخل، وقال آخرون: بل الإلقاء باليد إلى التهلكة أن يذنب الرجل فلا يتوب من ذنبه. وعن النعمان بن بشير } في قوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. قال: يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر له فأنزلها اللَّه. (رواه ابن مردويه)، وقال غيرهم: بل نزلت في القوم يخرجون إلى الجهاد بغير نفقة فيجوعون أي يكونون عالة فأوصاهم اللَّه بالتزود للخروج.
وأياً ما كان سبب نزول هذه الآية أو محملها فليس المقصود بالإلقاء باليد إلى التهلكة الاستبسال في لقاء العدو ولا طلب الموت في سبيل اللَّه ولا المسارعة إلى الشهادة ولا أن يلقى الرجل الجيش فلا يرهبه، بل إن ذلك مما يرضي الله تبارك وتعالى ويدل على قوة الإيمان وثبات اليقين والفناء في الغاية وتقدير ثواب الجهاد في سبيل اللَّه، وهذا ما فهمه السلف رضي الله عنهم من الآية الكريمة وإليك المثل من ذلك:
1. عن أسلم بن عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا: صَحِبْنا رسول اللَّه { وشَهِدْنا معه المشاهد ونُصرنا، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار تحبباً، فقلنا: قد أكرمنا اللَّه بصحبة نبيه { ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وقد آثرناه على الأهلين والأموال، وقد وضعت الحرب أوزارها، فلنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه) . ولفظ أبي داود فيه: فخرج من المدينة صف عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان اللَّه، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز اللَّه دينه وكثُر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها فأنزل اللَّه هذه الآية.
2. وقال أبو بكر بن عياش عن أبي اسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملتُ على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة ؟ قال: لا، قال اللَّه لرسوله: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك(النساء:84) إنما هذه (أي: التهلكة) في النفقة، وفي رواية: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ولا يتوب.
3. وعن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ليس ذلك في القتال، إنما هو النفقة أن تمسك يَدَكَ عن النفقة في سبيل اللَّه.
وهكذا نرى الإسلام الصحيح يقتضي المسلم نفسه وماله. وهل أعز من النفس والمال؟ وها أنت ترى أن الآية الكريمة لا تصلح حجة للمتقاعدين المثبِّطين الذين يجبنون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى المجاهدة في سبيل اللَّه، فإذا اعترضهم معترض احتجوا بالآية الكريمة ولاذوا بها، وهي عليهم لا لهم، ثم خُتمت الآية الكريمة بقول اللَّه تعالى: وأحسنوا إن الله يحب المحسنين 195 فمن امتثل فقد أحسن، ومن أحسن أحبه اللَّه، ومن أحبه اللَّه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، فاللهم أسعدنا بمحبتك، واجعلنا فداءً لشريعتك(2).
أين هؤلاء
الذين عاهدوا اللَّه؟
التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين 112(التوبة).
قد علمت نبأ العهد الوثيق بين الحق تبارك وتعالى وبين عباده المؤمنين: أن يبيعوه أنفسهم وأموالهم جهاداً في سبيله وعملاً لنصرة شريعته وأن يجزيهم بذلك الجنة ، وعلمت أنه تبارك وتعالى قد بشَّر الأوفياء بهذا البيع الرابح فقال تبارك وتعالى: فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم 111 التوبة.
إن أردت أن تعرف سمات هؤلاء الأوفياء من المؤمنين فتأملْ الصورة الرائعة من صور الكمال البشرى فاسمع:
التائبون وإنما التوبة رجوع إلى الحق يمليه الحس الدقيق ويدفع إليه الشعور الحي اليقظ ، ودقة الحس ورقة الشعور أظهر مزايا الإنسانية في الإنسان. وهل هناك صفة أنبل في النفس الإنسانية من صفة العدالة والإنصاف فيكون منها لها حارساً أميناً ومرشداً حكيماً يزَعُها عن النقائص ويكشف لها عن مساويها فتندم وتهبُّ مسرعةً نحو الكمال؟ إذن ليس المقصود بالتوبة هذه الكلمات التي تلوكها الألسنة ، وليس المراد بالتائبين من يكثرون قول هذه الكلمات ، بل المراد أولئك الذين كملت في نفوسهم معاني الإنسانية السامية فاتصفوا بالعدالة والإنصاف وكان أول مظاهرها عندهم أن يحاسبوا أنفسهم.
العابدون فإذا رقي هذا الشعور النبيل في النفس كشف لها عن كثير من حقائق الكون ، فعَرفت الكون من حولها وعرفت نفسها وعرفت خالقها، فقدرت عظمته واتصلت به فأكثرت من خشيته واتصفت بالعبودية الصحيحة له ، والعبودية يا فتى أرقى منازل الوصول إلى اللَّه وأقدس مراتب القرب.
لا تَدْعُنِي إلا بِيَا عَبْدَه
وبقدر اتصافك بأوصاف عبوديتك يتفضل عليك ربك بفيض من كرم ربوبيته: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان (البقرة: 186)، أو لست ترى أيها العاقل أن التوبة ، وهي مظهر الإنصاف أنتجت حكماً عادلاً هو تحقق العبد بعبوديته ؟
الحامدون ووصول العبد إلى هذه المنزلة يُشعره بعظيم فضل اللَّه عليه وكبير نعمائه لديه ، فيلهج بالحمد ويكثر من الثناء ، ومن أولى بهذين من ولي النعمة ؟
السائحون فإذا حملت هذا الوصف على الصيام فهو تجرد عن المادة لعذوبة متعة الروح ، وإذا حملته على السياحة فهو تفكر في مظاهر الكون أنتجه الشعور بجمال المكوِّن وعظيم نعمته ، وكلاهما كما ترى حمدٌ عميقٌ وشكرٌ فائقٌ ، ونعمةُ اللَّه بعد ذلك أجزل ، وهل هذان إلا من نعمه ؟
الراكعون الساجدون والركوع مظهر التعظيم والسجود أقرب القرب فإذا رقَّت الروح بالصوم أو رقَّت بالفكر فقد أعظمت ما وصلت إليه فعبرت عن علمها هذا الجديد وشعورها الفائض بالصلاة ، ولأمر مّا كانت الصلاةُ قُرّةَ عَين سيد الشاكرين {.
الآمرون بالمعروف وإذا وصلت النفس إلى هذا الشعور الجميل وأنست بذلك المقام السامي ، أرادت أن تُشْرك غيرَها في هذا الخير وأن تفيض على سواها من مظاهر الإمداد الروحى ، فأمرت بالمعروف وقادت الناس أن هَلُمُّوا إلى ذلك الجناب.
والناهون عن المنكر وهي ترى أنه لا يمنع الناس أن يتوبوا ويستغفروا إلا شهوات زائفة ، ومعاص حقيرة ، فهي تنهاهم أبداً عن المنكر، وتبين لهم ضرر الخطيئة لو كانوا يعقلون .
والحافظون لحدود الله وهي في ذلك كله: في توبتها وعبادتها وحمدها وسياحتها وركوعها وسجودها وأمرها ونهيها وصلتها بربها وبخلقه تحفظ حدود اللَّه ، ولا تَخرج عما شرع لعباده ، وتتخذ من تعاليمه سياجاً منيعاً ومرشداً حكيماً تحفظه ولا تتخطاه وتسير عليه ولا تتعداه.
بربك يا أخي: أليس هؤلاء لهم البشرى..؟ أو ليس هؤلاء خلاصة المؤمنين.. ؟ أوليس هؤلاء نماذج الكمال التي يَنْشُدُها الفلاسفةُ فلا يجدونها إلا في بطون الكتب.. ؟ إنهم كذلك ، فأين هم الآن.. ؟(3).
غض البصر
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى" لهم إن الله خبير بما يصنعون 30(النور).
في الآية الكريمة الأمر بغض البصر وهو: خفضه وكفه عن محارم الله تبارك وتعالى ، وفيها الأمر بحفظ الفرج وهو: صيانته عن غير من تحل له من زوجة أو ملك يمين: إلا على" أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى" وراء ذلك فأولئك هم العادون (7)(المؤمنون)، وفي الآية بيان الحكمة في ذلك وهي أن هذا هو الأزكى والأطهر والأسلم والأخلق لشهامة الرجولة وعفة الإيمان ، وفيها التحذير من غضب الله ومقته وعظيم رقابته لخلقه، إن الله خبير بما يصنعون.
أيها الأخ المسلم: هذه العين الباصرة من نعم الله عليك، وتصور أنك فقدتها أمتعك الله بسمعك وبصرك وقوتك فماذا يكون حالك.. ؟ وما مبلغ الخسارة العظيمة التي تشعر بها حينذاك.. ؟ هذه النعمة أعطاكها الله لتصرفها في فائدتك ولتشكره عليها باستخدامها في طاعته ولو شاء لسلب نعمته، ولئن سلب نعمته ليكونن الشقاء في الدنيا والآخرة.
ثم ماذا تستفيد أيها الأخ من إدامة النظر إلى المحارم ومن الولوغ في المعاصي والمآثم؟، لا شيء إلا تعب القلب وغماء الضمير وخسارة المال وفقدان الشرف وانهدام الصحة والابتلاء بالأمراض. ويرحم الله القائل:
وإنك إن أرسلت طرفك رائدا
رأيت الذي لا كله أنت قادر
ورب نظرة زرعت شهوة ، وشهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ، وترك الخطيئة خير من علاج الداء ، وإنك لتديم الالتفات وتختلس النظرات، والله رقيب عليك وناظر إليك ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ثم هو محاسبك بعد ذلك على كل ما جنت عيناك واقترفت جوارحك إن لم يتغمدك برحمته ويتولاك بعنايته.
وعن أبي أمامة } عن رسول الله { أنه قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه". (رواه أحمد والطبراني) . وفي رواية الطبراني: "ينظر إلى امرأة أول رمقة" وهو المقصود في الحديث. وعنه } عن النبي { قال: "لَتَغُضّنَّ أبصاركم ولَتَحفظنَّ فروجكم أو ليكسفَنَّ الله وجوهكم".
فغض يا أخي بصرك.. واحفظ فرجك.. وغالب نفسك .. وفي الحلال مندوحة ، وفي العصر فساد.. ولتكن داعية الإيمان في نفسك أقوى من فساد الزمن.
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على" جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على" عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون 31(النور).
غض البصر: خفضه وكفه. أزكى: أطهر. الخُمُر: جمع خمار وهو ما تستر به المرأة رأسها وصدرها (الطرحة). الجيب: الشق في الثوب فوق الصدر.
في الآية الكريمة لطائف دقيقة يجب أن ينتبه لها المؤمن الحريص على دينه ، من ذلك أمر المؤمنات بغض البصر وهو كفه عن المحارم ، وحفظ الفرج إلا عن زوج ، ثم نهاهن بعد ذلك عن أسباب الاختلاط والإغراء جميعاً، ومن ذلك إبداء الزينة ، وإذا كان النهي منصبا على إبداء الزينة فالمراد مواضعها وإنما جاء اللفظ هكذا مبالغة في وجوب التحرز والاحتفاظ.
وبعد ذلك بيان منْ يجوز للمرأة أن تظهرهم على مواضع زينتها وهم الاثنا عشر صنفاً المذكورون في الآية ، ومنهم التابع الصغير أو الذي لا حظ له في النساء ، وليس من هذه الأصناف كما ترى السَّقاء ولا الخباز ولا الخادم الكبير ولا البائع الجوال ولا أقارب الزوج من أبناء الأعمام والأخوال بل حتى إخوة الزوج أنفسهم ، كل هؤلاء ليسوا من هذه الأصناف التي يحل للمرأة أن تظهر أمامهم مواضع الزينة من جسمها ، إنما إذا اقتضت الضرورة أن تظهر المرأة أمام هؤلاء فلتظهر مستترة متحجبة لا يبدو منها إلا الوجه والكفان على الأكثر إذا لم تخف الفتنة ، ومن ذلك تحذير النساء أن يحاولن إظهار ما استتر من زينتهن بضرب الأرجل ونحوه حتى يلفتن نظر من لم يلتفت.
أين هذه الآداب العالية مما نرى فيه نساءنا المسلمات من التبذل والتكشف والاختلاط الشائن؟! بل تمادين إلى ما هو أكثر من ذلك: إلى حضور الحفلات والمآدب والمراقصة والمخاصرة والمبالغة في التزين للأجانب وإظهار ما يمكن إظهاره من صنوف هذه التزين لهم ، وبعد ذلك يزعم كثير من الناس أنهم مسلمون!! اللهم لطفاً.