الحمدُ لله القويِّ المتين، القاهرِ الظاهرِ الملكِ الحقِّ المبين،
لا يخفى على سمعِه خفيُّ الأنينِ، ولا يعزُب عن بصرِه حركاتُ الجنِين،
ذلَّ لكبريائِه جبابرةُ السلاطين، وَقَضى القضاءَ بحكمتِه وهو أحْكَمُ الحاكمين،
أحمده حمْدَ الشاكِرين، وأسْألُه مَعُونَةَ الصابِرين،
وأشهد أنْ لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريكَ له إِلهُ الأوَّلين والآخرين،
وأشَهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه المصطَفَى على جميع المرسلين،
المنصورُ ببَدرٍ بالملائِكةِ المنزَلين،
صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابه والتابِعين لهم بإحْسانٍ إلى يومِ الدين، وسلم تسليماً.
إخواني: في هذا الشهرِ المُباركِ نصرَ الله المسلمينَ في غزوة بدرٍ الْكُبْرى
على أعْدَائِهم المُشرِكينَ وسَمَّى ذلك اليومَ يومَ الفُرْقانِ؛
لأنَّه سبحانه فرَّقَ فيه بَيْنَ الحقِّ والبَاطِلِ بنَصْر رسولِهِ والمؤمنين
وخَذْلِ الكفارِ المشركِين.
كان ذلك في شهر رمضانَ من السَّنَةِ الثانية من الهِجْرةِ،
وكان سببُ هذه الغزوة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم بَلَغَهُ
أنَّ أبا سفيانَ قد توجَّه من الشامِ إلى مكةَ بعيْرِ قريشٍ،
فَدَعَا أصحابَه إلى الخروج إليه لأخْذِ العِيْرِ،
لأنَّ قُريشاً حَربٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابِه ليس بَيْنَه وبينَهم عهْدٌ،
وقد أخْرَجوهم من ديارِهم وأموالِهم وقامُوا ضِدَّ دعوتِهم دعوةِ الحقِّ،
فكانُوا مُسْتَحقِّين لما أرادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابُه بِعِيْرِهم.
فخرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابُه في ثَلاثِمائةٍ وبضعةَ عَشَرَ رجُلاً
على فَرسَين وسَبْعِين بَعِيراً يتعقبونها منهم سَبْعون رجُلاً من المُهَاجرين،
والباقُون مِن الأنصارِ، يَقْصُدونَ الْعِيْرَ لا يريدونَ الْحَرْبَ،
ولَكنَّ الله جمَعَ بينهم وبينَ عَدُوِّهم على غيرِ ميْعاد
لِيَقْضيَ الله أمراً كان مفعولاً ويتمَّ ما أرَاد.
فإن أبا سفيانَ عَلمَ بهم فبعثَ صارخاً إلى قُريشٍ يَستنجدُهم لِيحْمُوا عِيْرَهُمْ،
وتَركَ الطريقَ المعتادةَ وسلكَ ساحلَ البحرِ فَنَجا.
أما قريشٌ فإنَّه لما جاءهم الصارخُ خَرجُوا بأشْرافِهِم عن بَكْرَةِ أبِيهم
في نحو ألفِ رجلٍ معهم مئةُ فرسٍ وسبعُمائة بَعِيرٍ
{بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }
[الأنفال: 74]
ومَعهَم الْقِيَانُ يُغَنِّينَ بهجاءِ المسلمينَ،
فلما عَلِمَ أبو سفيانَ بخروجِهم بعثَ إليهم يُخْبرهُم بِنَجَاتِه،
ويُشير عليهِم بالرجوعِ وعدم الْحَربِ، فأبَوْا ذلك
وقال أبُو جهلٍ: والله لا نرجعُ حتى نبلُغَ بدراً ونُقِيمُ فيه ثَلاثاً،
نَنْحَرُ الجُزُورَ، ونُطْعِمُ الطعامَ، ونسقِي الْخَمْرَ،
وتسمعُ بنا العَرَبُ فلا يَزالون يهابونَنَا أبداً.
أمَّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم فإنه لما عَلِمَ بخروجِ قريشٍ
جمعَ من معه من الصحابةِ فاستشارَهم وقال:
إن الله قدْ وَعَدَني إحْدى الطائفتين إمَّا العيرَ أو الجيشَ،
فقام المقْدَادُ بنُ الأسْودِ وكَان من المُهاجِرينَ وقالَ:
يا رسول الله امْض لما أمرَكَ الله عَزِّ وجلِّ
فوَالله لا نقُولُ كما قالتْ بنو إسْرائيلَ لمُوسى:
{فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـاهُنَا قَـاعِدُونَ } [المائدة: 24]
ولكِنْ نقاتلُ عن يمينِك وعن شمالِك ومن بَيْنَ يَدَيْكَ ومن خَلْفِك،
وقام سعدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصاريُّ سيِّدُ الأوْس فقال:
يا رسول الله لعلَّكَ تَخْشَى أنْ تكونَ الأنصارُ تَرَى حقْاً عليها
أن لا تَنصُركَ إلاَّ في ديارِهم وإني أقُولُ عن الأنْصارِ وأجيبُ عنهم
فاظْعَنْ حيثُ شئتَ، وصِل حبل مَنْ شئتَ، واقطعْ حبْلَ مَنْ شئتَ،
وخذْ من أموالِنا ما شئتَ، وأعطِنا منها ما شئتَ،
ومَا أخَذْتَ منَّا كان أحَبَّ إلينا مما تركتَ،
وما أمْرت فيه من أمْرٍ فأمْرُنا فيه تَبَعٌ لأمْرك،
فوالله لَئِن سِرْتَ بنا حتى تبلُغَ الْبركَ من غَمْدانَ لنَسيرنَّ معك،
ولئن اسْتعرضتَ بنا هذا البَحْرَ فخضْتَه لنخُوضَنَّه معك،
وما نَكرَهُ أنْ تكونَ تَلَقَى العدوَّ بنا غداً، إنَّنا لصبرٌ عند الْحَربِ،
صِدْقٌ عند اللِّقاءِ، ولعلَّ الله يُريكَ منا ما تَقَرُّ به عَيْنُك.
فسُرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم لما سَمِعَ من كلامِ
المهاجرينَ والأنصارِ رضي الله عنهم وقال:
«سَيْرُوا وأبْشِرُوا فَوالله لَكَأنِّي أنْظُرَ إلى مَصارِعِ القومِ»،
فَسَارَ النبي صلى الله عليه وسلّم بجنودِ الرحمنِ حتى نَزَلُوا أدنَى ماءٍ من مِيَاهِ بَدْرٍ،
فنزلَ بالعْدُوَةِ الدُّنيا مما يلِي المدينةَ وقريشٌ بالْعُدْوةِ القُصْوى مما يلي مكةَ،
وأنْزلَ الله تلك الليلة مطراً كان على المشركين وَابلاً شديداً
وَوحَلاً زَلَقاً يمنعهم من التقدم،
وكان على المسلمين طلاًّ طهرَهم ووطَّألهم الأرض وشَدَّ الرَّمْلَ
ومَهَّدَ المَنْزِلَ وثَبَّتَ الأقدام.
وبنى المسلمون لِرسول الله صلى الله عليه وسلّم عَريْشاً
على تل مُشْرِفٍ على مَيْدَانِ الحرب ثم نَزَلَ صلى الله عليه وسلّم
من الْعَريشِ فَسَوَّى صفوف أصْحابِه، ومشى في موضِع المَعْرَكةِ،
وجعَل يُشيرُ بيدهِ إلى مصارعِ المشركينَ،
ومحلاَّتِ قَتْلِهم يقولُ: هذا مصرعُ فلانٍ إنْ شاء الله،
هذا مصرعُ فلانٍ، فما جاوزَ أحَدٌ مِنْهُمْ موضعَ إشارتِه،
ثم نَظَرَ صلى الله عليه وسلّم إلى أصحابه وإلى قُرَيْشٍ فقال:
اللَّهُمَّ هذه قريشٌ جاءت بفَخْرِها وخُيَلائِها وخَيْلِها تُحادُّك وتكذّبُ رسولَك،
اللَّهُمَّ نَصْركَ الَّذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ انْجِزْ لي ما وعدتنِي،
اللَّهُمَّ إني أنْشُدُك عَهْدَك ووَعْدَك، اللَّهُمَّ إنْ شئتَ لم تُعْبَدْ،
اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هذه العِصَابَةُ اليومَ لا تُعْبَد،
واستَنْصَرَ المسلمون رَبَّهُمُ واستغاثوه فاستجابَ لهم:
{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ
وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ *
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ } [الأنفال: 12 -14].
ثُمَّ تقابَلَ الجَمَعانِ، وحَمِي الْوطِيسُ واستدارتْ رَحَى الحربِ،
ورسولُ الله صلى الله عليه وسلّم في العَرِيشِ،
ومعه أبو بكرٍ وسَعْدُ بنُ مُعاذٍ يحرسانه،
فما زالَ صلى الله عليه وسلّم يُنَاشِدُ ربَّه ويسْتَنْصِرُهُ ويَسْتَغِيْثُه،
فأغْفَى إغْفَاةً ثم خرج يقول:
«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ»
وحَرَّضَ أصحابَه على القتال
وقال: والَّذِي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ لا يقاتلُهُمُ اليومَ رَجُلٌ فَيَقْتَلُ
صابراً مُحْتَسِباً مُقْبلاً غَيْرَ مُدْبر إلاَّ أدخله الله الجنّةَ.
فقام عُمَيرُ بنُ الحِمَام الأنصاريُّ وبِيَدِه تَمَرات يأكُلُهُنَّ فقال:
يا رسولَ الله جنة عَرْضُها السمواتُ والأرْضُ
قال النبي صلى الله عليه وسلّم: نَعَمْ.
قال: بَخٍ بَخٍ يا رسولَ الله ما بَيْنِي وبَيْنَ أنْ أدخُل الجنةَ إلاّ أنْ يقتُلَني هؤلاءِ،
لَئِنْ حِييتُ حتى آكُلَ تمراتِي هذهِ إنها لحَيَاةٌ طويلةٌ،
ثم ألْقَى التمراتِ وقاتلِ حتى قُتِلَ رضي الله عنه.