قال بعضُ الرواة : كنا مع أبي نصر رَاوية الاصمعي في رِياض من المذاكرة نَجتَني ثمارَها ونَجتَلي أنوارها ، إلى أن أفضنا في ذكر أبي سعيد عبدالملك بن قُرَيب الاصمعي.
فقال : رحم اللهُ الاصمعي إنه لَمَعدنُ حِكَم وبَحرُ عِلم ، غير أنه لم نر قط مِثل أعرابي وقف بنا فسلَّم فقال: أيكم الاصمعي ؟ فقال : أنا ذاك فقال : أتأذنون لي بالجلوس ؟ فأذِنَّا له وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الاعراب.
قال: يا أصمعي أنت الذي يزعمُ هؤلاء النَّفر أنك أثقبُهم معرِفةً بالشعر والعربية وحكايات الاعراب ؟ قال الاصمعي : فيهم من هو أعلم مني ومن هو دوني
قال : تنشدونني من بعض شعر أهل القُرى حتى أقيسَهُ على شعر أصحابنا ؟ فأنشده شعراً لرجل امتدح مسلمه بن عبد الملك:
أمَسْلَمَ أنتَ البحرُ إن جاءَ واردٌ= وَليثٌ إذا ما الحربُ طَارَ عُقابُها
وأنت كَسَيفِ الهِنْدُوِانيِّ إن غَدَت=حَوادثُ من حَربِ يَعبُّ عُبابُها(1)
وَما خُلِقت أُكرومَةٌ في امريءٍ لهُ= وَلا غايةٌ إلاَّ إليكَ مَآبُها(2)
كَأَنَّكَ دَيَّانٌ عليها مُوَكَّلٌ=بها وعلى كَفَّيكَ يَجري حِسابُها(3)
إليك رَحَلنا العِيسَ إذ لم نَجِد لَها= أخاً ثِقَةٍ يُرجى لديهِ ثَوابُها
(1) العُباب:كثرة الماء والسيل وارتفاع الموج واصطخابه.
(2) الاكرومة: الفعلة الكريمة. والمآب: المرجع
(3) الديَّان: القاضي او الحاكم او الحاسب او المجازي بالخير والشر. والديان في الاصل : اسم من اسماء الله تعالى.
قال : فتبسَّم الاعرابي وهزَّ رأسه فظنَنَّا أنّ ذلك لإِستِحسانه الشعر ثم قال : يا اصمعي هذا شعر مُهَلْهلٌ خَلَقُ النَّسج ، خَطَؤُهُ اكثرُ من صوابه ، يغطي عيوبَه حسنُ الرَّوِي ورواية المنشد ، يُشَبِّهون الملك إذا امتُدح بالاسد ، والاسد أبخَر شَتيمُ المَنظَر(4) وربما طرده شِرذِمَةٌ من إمائنا وتَلاعَب به صِبيانُنا.
(4) البخر : الرائحة الكريهة من الفم . وشتيم المنظر : كَريهُهُ
ويشبهونه بالبحر والبحرُ صَعبٌ على من رَكبه ، مُرٌّ على من شربه ، وبالسيف وربما خان في الحقيقه ، ونَبَا عند الضَّريبة ! ألا أنشدتني كما قا ل صبيٌّ من حيّنا! قال الاصمعي : وماذا قال صاحبكم ؟ فأنشده :
إذا سَألت الوَرَى عن كُلّ مَكرُمَةٍ=لم يُعزَ إكرامُها إلا على الهَولِ
فَتىً جَوادٌ اذابَ المالَ نائِلُهُ=فَالنَّيلُ يُشكَرُ منه كَثرَةَ النَّيلِ
الموتُ يَكرَهُ أن يلقى مَنِيَّتَهُ=في كَرِّهِ عِندَ لَفِّ الخَيلِ بالخَيلِ
وَزاحمَ الشمسَ ابقى الشمسَ كاسِفةً=او زاحم الصُّمَّ أَلجاها الى المَيْلِ
أَمضَى من النجمِ إن نابَته نائبةٌ=وَعِندَ أعدائهِ أجرى من السَّيلِ
لا يَستَريحُ الى الدنيا وَزينتِها=ولا تراهُ إليها سَاحِبَ الذَّيلِ
يُقَصِّرُ المجدُ عنهُ في مَكارمهِ= كما يُقَصِّرُ عن أفعالهِ قَولي
قال أبو نصر فأبهتَنا والله ما سمعنا من قوله قال : فتأنى الاعرابي ثم قال للاصمعي : ألا تنشدني شعراً ترتاحُ إليه النفس ويسكن إليه القلب ؟ فأنشده الاصمعي ابياتٍ لابن الرِّقاع العاملي:
وَناعمةٍ تَجلُو بِعودٍ أراكةٍ= مُؤشَّرةٍ يَسبي المُعانِقَ طيبُها
كأنَّ بها خَمراً بماءِ غَمامةٍ= إذا ارتُشِفَت بعد الرّقادِ غُروبُها
أَراكَ الى نَجدٍ تَحِنُّ وإنما=مُنى كلِّ نفسٍ حيثُ كان حَبيبُها
فتبسَّم الاعرابي وقال : يا الاصمعي ما هذا بدون الاول ولا فوقه الا أنشدتني كما قلت ؟ قال الاصمعي : وما قلت ؟ جُعِلتُ فِداكَ ! فأنشده:
تَعلَّقتُها بِكراً وَعُلّقتُ حُبَّها= فقلبي عن كُلِّ الورى فارغٌ بِكرُ(5)
إذا احتجبت لم يَكفِكَ البَدرُ ضَوءَها=وتكفيك ضوء البدر إن حُجِبَ البَدرُ
وما الصبرُ عنها لإن صَبُرتَ وَجدتهُ=جميلاً وهل في مثلها يَحسُن الصَّبرُ؟
وَحَسبُكَ من خمرٍ يَفوتُك ريقُها= ووالله ما مِن ريقها حَسبُكَ الخمرُ
ولو أنَّ جِلدَ الذَّر لامَسَ جِلدَها = لكانَ لِمَسِّ الذَّر في جِلدِها أثرُ(6)
ولو لم يكن للبدر ضِدًّا جَمالُها=وَتَفضُلهُ في حُسنِها لَصَفا البَدرُ
(5) تعلقتها : احببتها . والبكر : العذراء
(6) الذَّرُّ: النَّملُ
قال ابو نصر : قال لنا الاصمعي : أكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المُدَى(7) في رقِاق الاكباد!
(7) المُدَى: جمع مُدية وهي السكين.
قال: واقام عندنا شهراً فجمع له الاصمعي خمسمائة دينار وكان يتعاهدنا في الحين بعد الحين حتى مات الاصمعي وتفرَّق أصحابنا.
أخوكم ابو حمد الشامري