الفرق بين المداراة والمداهنة
روى الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني وأحمد شاكر عن قيس عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : يا أيها الناس إنكم تضعون هذه الآية في غير موضعها ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب )
قال الطبري ( 1 ) : (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) أي إذا أمرتهم بالمعروف ونهيتم عن المنكر . قال سفيان الثوري( 2) : إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رجل سوء . قيل : كيف ؟ قال يراهم يعملون بالمعاصي فلا يعتب عليهم ويلقاهم بوجه طليق .
قال ابن مسعود( 2) : يذهب الصالحون أسلافاً ويبقى أصحاب الرّيب ، قالوا : يا أبا عبد الرحمن من أصحاب الريب ؟ قال : قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر . فهؤلاء يعمهم العذاب بسبب سكوتهم ومداهنتهم لأن المداهنة على حساب الدين وهي سمة المنافقين ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) . وهناك فرق بين المداهنة والمداراة التي هي لأجل مصلحة الدين وهي سياسة الصالحين ( قولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) ( 3) .قال ابن القيم ( 4) : المداراة التلطّف بالإنسان لتستخرج منه الحق أو ترده عن الباطل والمداهنة : التلطّف به لتقره على باطله وتتركه على هواه ومثال ذلك : رجل به قرحة فجاءه الطبيب الرفيق فتعرّف على حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت بطها برفق وسهولة فأخرج ما فيه ثم وضع عليها من الدواء ما يمنع الفساد ويقطع المادة ثم يتابع عليها المراهم المنبتة للحم ثم ذر عليها ما ينشف الرطوبة ثم شد عليها الرباط ولم يزل حتى صلحت وهذا المداوي . وأما المداهن فقال لصاحبها : لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيون بخرقة ثم إله عنها وهذا لما رأى من جزعه من بطّها فلم تزل مادتها تقوى وتستحكم حتى زادت مواردها وعظم فسادها ) .
فالمداهن مفسد بنص القرآن ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) ( 1) .
قال ابن عباس( 2) : أي نداري الفريقين المسلمين والكافرين ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).
قال صلى الله عليه وسلم( 3) : ( إن الله عز وجل ليسأل العبد يوم القيامة حتى إنه ليقول : ( ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره ؟ )
( 1 ) البقرة آية 11 .
( 2 ) تفسير أبن كثير 1 / 48 .
( 3 ) رواه ابن ماجه وأحمد وابن حبان والحميدي والخطابي وأبو يعلى .