الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..
مما لا شك فيه أن المتأمل في واقعنا المرير اليوم يقف مضطرب الذهن تجاه ما يراه من أحداث وزعزعة وانقلاب للمفاهيم وجعل الصواب خطأ والعكس كذلك وأن يكون المنكر معروفا والمعروف منكرا وأن تبهرج الأقوال وتقصى الحقائق ويحل محله الباطل وسقط القول وأن يوسد الأمر إلى غير أهله كما أشار إلى ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ما نراه اليوم من تعظيم طاغوت العصر ( *الديمقراطية"democracy" وهي حكم الشعب نفسه بنفسه ) . ولقد ولد من رحم الديمقراطية النتنة أمور كثيرة لا يتفطن لها كثير من خواص المسلمين فضلا عن عامتهم ودهمائهم وغوغائهم وأتباع كل ناعق !! فمن هذه المولدات الأحزاب بأنواعها وما يندرج تحتها من نقابات وجمعيات نفع عامة وما تقوم به من إضرابات واعتصامات ومظاهرات ... والتي فيها من المفاسد الشيء الكثير ولقد جاءت الشريعة الغراء بدفع المفاسد وتحقيق المصالح ، ولا شك أن من المصالح عدم تعطيل أو إلحاق الضرر بمؤسسات الدولة ووزاراتها وكيانها من قبل النقابات العمالية المحكمة من قبل بعض رموز الحركيين الساعون وراء تحقيق مصالح شخصية يدغدغون بها عواطف الدهماء من الناس طلبا للالتفاف حولهم وللتقوي بهم ...
ولقد كثرت الأسئلة عن حكم الإضرابات في الشريعة الإسلامية وذلك بسبب الإضراب عن العمل في عموم المؤسسات العمالية في الدولة من قبل بعض الرموز الحركيين وذلك سعيا وراء تحقيق مصالحهم الشخصية بدعوى تحقيق مطالب العمال والنصرة لهم وأيضا طلبا لحب الزعامات والشهرة والتصدر ... فنسأل الله لنا ولهم المعافاة من تلكم الأدواء .
ولقد سئل الناقد البصير الشيخ عبد العزيز البرعي حفظه الله :
س ـ ما حكم الإضرابات ؟
ج ـ الإضرابات بدعة مستوردة من قبل أعداء الإسلام وتقبلها من المسلمين أتباع المعتزلة محققين لأصل من أصولهم وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعنون به الخروج على الحاكم المسلم إذا كان ظالما .
وقد أمرنا الله في تعالى في كتابه الكريم والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته بمخالفة المشركين فقال تعالى "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء" وقال:صلى الله عليه وعلى آله وسلم: خالفوا المشركين " متفق عليه من حديث ابن عمر . وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم :" لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموا " متفق عليه من حديث أبي هريرة .
وهذا خرج مخرج الذم والتحذير لا أنه خرج مخرج الإذن والرضا ، ثم إن هذا تأريخ الأمة الإسلامية فهل يوجد فيها أمثال هذه الإضرابات مع أنه قد وجد فيها الظلم من قبل بعض الولاة ، و اتِّباع ديننا و اتباع أسلافنا أولى من اتباع أعداء الإسلام و المسلمين القدامى والمعاصرين.
اعتراضان والجواب عنهما:
الاعتراض الأول:
قالوا إن الحاكم هو الذي ارتضى هذا القانون ـ يعنون قانون الإضرابات ـ وبناءا على ذلك فليس هذا خروجا عليه لأنه قد رضي .
والجواب أن المرجع في التحليل و التحريم هو الكتاب والسنة قال تعلى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ومن أذن للناس بقتل نفسه لم يجز لهم أن يقتلوه وعلى هذا فإن إذن الحاكم بهذا القانون لم يغير من الحكم الشرعي شيئاً والقول بإباحة الإضرابات بناءا على إذن الحاكم إقرار بالتحريم ، وهذه الفتوى المبيحة لمحرم بغير دليل شرعي إلا مجرد إذن المجني عليه دليل على جهل قائلها بقواعد الشريعة.
الاعتراض الثاني:
قالوا : إذا كانت الإضرابات محرمة فكيف نستطيع استخراج حقوقنا .
والجواب : أنه إذا كانت الجهة التي تم الإضراب من عمالها شركة أو مؤسسة تابعة لمواطن فإما أن تترك العمل وتنصرف وهذا في حالة ما إذا لم يكن لك لديهم أي حقوق سوى المطالبة برفع الراتب مثلا وأما إذا كانت لك حقوق لديهم فعليك أن ترفع ضدهم دعوى إلى الحاكم:
وإن كان الإضراب ضد الدولة كإضراب المدرسين أو غيرهم من العاملين في وظائف تابعة للدولة فأنت مخير بين أمرين إما أن تترك العمل وييسر الله رزقك بأن تعمل في جهة أخرى وإما أن تصبر فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رصي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية "
وروى مسلم في صحيحة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وعلى أثرة عليك .
وإن كثيرا من الناس خرج كلامهم مخرج العاطفة لا أنهم ينظرون للأمر بميزان الشرع ثم إنهم إذا جاءت المعاصي والمخالفات الواضحة كحلق اللحى في المعسكرات وغيرها ارتكبوا ذلك وغيره ويحتجون بأدلة السمع والطاعة لولي الأمر فعكسوا الأمر رأسا على عقب والمطلوب أننا نطيع ولي الأمر في طاعة الله فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة وأما في أمور الدنيا فما هو إلا السمع والطاعة والصبر عليهم حتى يفرج الله من عنده ولا ننزع يدا من طاعة .
وفي الأخير أقول : ما كان من كلام في شأن الإضرابات فيقال مثله في المظاهرات . اه
وكتبه / أبو عبد الرحمن عبد الله آل صالح المعيضي
* المقام لا يسمح بذكر عوار ومثالب الديمقراطية ومن أراد التوسع ومزيد المعرفة فليرجع إلى كتاب العلامة الأستاذ الدكتور محمد بن علي بن أمان الجامي رحمه الله – أستاذ الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية , وكذلك ما ذكره الشيخ العلامة محمد بن عبد الله الإمام في كتابه تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات وغيرها كثير .