بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين
وبعد:-
للإخلاص أهميته الكبرى في حياة الفرد المسلم , و هو شرط من شروط قبول العمل , و مع ذلك أصبحت أعمال البعض إلا من رحم ربي تخلوا منه , و يشوبها الرياء و توابعه , فمن هذا المنطلق أحببت أن أجمع لكم هذة الوريقات البسيطة , لتذكركم بحسنة الإخلاص و فضله , فأسأل المولى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه , و أن ينفعكم به .
[ :: الورقة الأولى :: ]
:: تعريف الإخلاص ::
الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد ؛ و هو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون شيء آخر , من تصنع لمخلوق , أو اكتساب صفة حميدة عند الناس , أو محبة مدح من الخلق , أو معنى من المعاني , سوى التقرب به إلى الله تعالى .
و يصح أن يقال : هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين .
* و قيل : الإخلاص : نسيانُ رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق . و من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله .
* قال الإمام ابن القيم رحمة الله في معنى إخلاص العمل لله : أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس : إما طلب التزين في قلوب الخلق , و إما طلب مدحهم , و الهرب من ذمهم , أو طلب تعظيمهم , أو طلب أموالهم , أو خدمتهم و محبتهم , و قضائهم حوائجه , أو غير ذلك من العلل و الشوائب التي عَقدُ متفرقاتها : هو إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان .
[ :: الورقة الثانية :: ]
:: الإخلاص في القرآن ::
(1) قال تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [ البينة : آية (5) ]
(2) قال تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ {2} أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } [ الزمر : آية (3,2) ]
(3) قال تعالى : { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي {14} فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ } [ الزمر : آية (15,14) ]
(4) قال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ } [ الأنعام : آية ( 163,162) ]
(5) قال تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } [ النساء : آية (125) ]
(6) قال تعالى : { وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{39} إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ{40} } [ الصافات : آية (40,39)
[ :: الورقة الثالثة :: ]
:: الإخلاص في السنة ::
(1) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( إنما الأعمال بالنيات , و إنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله . و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحُها فهجرته إلى ما هاجر إليه )) [ متفق عليه ] .
(2) و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ثلاث لا يغِل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله , و مناصحة ولي الأمر , و لزوم جماعة المسلمين )) [ أخرجه أحمد و صححه الألباني ] .
(3) و عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حديثه الطويل أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له : (( و لست تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله , إلا أُجرت عليها , حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك )) . قال : قلت : يا رسول الله ! أُخلّف بعد أصحابي ؟ قال : (( إنك إن تخلُف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددتَ به درجه و رفعه )) [ متفق عليه ] .
[ :: الورقة الرابعة :: ]
:: قالوا عن الإخلاص ::
قال الفضيل بن عياض : (( ترك العمل من أجل الناس رياء , و العمل لأجل الناس شرك , و الإخلاص أن يعافيك الله منهما ))
قيل لسهل بن عبد الله : أي شيء أشدّ على النفس ؟ قال : الإخلاص ؛ لأنه ليس لها فيه نصيب .
قال ذو النون المصري : ثلاث من علامات الإخلاص : استواء المدح و الذم من العامة , و نسيان رؤية الأعمال , و نسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة .
قال أبو يعقوب السوسي : متى شهدوا الإخلاص في إخلاصهم احتاج إخلاصهم إلى إخلاص .
قال يوسف بن الحسين : أعز شيء في الدنيا الإخلاص , و كم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لونٍ آخر .
[ :: الورقة الأخيرة :: ]
:: صور من إخلاص السلف - رضوان الله عليهم - ::
1- كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي في بيته فإذا شعر بأحد قطع صلاة النافلة ونام على فراشه – كأنه نائم – فيدخل عليه الداخل ويقول : هذا لا يفتر من النوم ، غالب وقته على فراشه نائم ، وما علموا أنه يصلي ويخفي ذلك عليهم .
2- كان علي بن الحسين زين العابدين يحمل الصدقات والطعام ليلاً على ظهره ، ويوصل ذلك إلى بيوت الأرامل والفقراء في المدينة ، ولا يعلمون من وضعها ، وكان لا يستعين بخادم ولا عبد أو غيره .. لئلا يطلع عليه أحد .. وبقي كذلك سنوات طويلة ، وما كان الفقراء والأرامل يعلمون كيف جاءهم هذا الطعام .. فلما مات وجدوا على ظهره آثاراً من السواد ، فعلموا أن ذلك بسبب ما كان يحمله على ظهره ، فما انقطعت صدقة السر في المدينة حتى مات زين العابدين .
3- كان أيوب السخيتاني رحمه الله يقوم الليل كله ، فيُخفي ذلك ، فإذا كان الصبح رفع صوته كأنما قام تلك الساعة .
4- وهذا داوود بن أبي هند ذُكر في ترجمته أنه صام أربعين سنة لا يعلم به أهله ، كان يخرج في مهنته ، ويأخذ معه غداءه ، فيتوهمون أنه مُفطِر ، فيتصدق به في الطريق ، فيرجع آخر النهار إلى أهله فيأكل معهم .
5- روي عن النعمان بن قيس أنه قال: ما رأيت عبيدة رحمه الله متطوعا في مسجد الحي .
منــــــــــــــــــ للفائده قــــــــول