وَفَدَ الحجاج بن يوسف الثّقفي على عبد الملك بن مروان، ومعه إبراهيم بن طلحة. وكان الحجاج لما وَلِي الحرمين بعد قتل عبد الله بن الزبير، استحضر إبراهيم بن طلحة فقرّ به وأعظم منزلتَه رغم صلته بابن الزبير، فلم تزل تلك حالة عنده حتى خرج به إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، فخرج معه مُعادِلا له، لا يقصّر له في برّ ولا إكرام. فلما حضرا باب عبد الملك، دخل الحجاج، فما ألقى السلام حتى قال: قدمتُ عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز وأسده، لم أر له بالحجاز نظيرا في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم، ووجوب الحق، وما بلوتُ منه من الطاعة والنصيحة، وهو إبراهيم بن طلحة، وقد أحضرتُه ببابك ليَسْهُلَ عليه إذنُك. قال عبد الملك: أَذْكَرْتَنا رحما قريبةً وحقا واجبا. يا غلام! ائذن له. فلما دخل إبراهيم أدناه الخليفةُ حتى أجلسه على فراشه، ثم قال له: يا ابن طلحة، إن أبا محمد (الحجاج) أذكرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب وحسن المؤازرة. فلا تدعنّ حاجة في خاصتك وعامتك إلا ذكرتَها. فقال ابن طلحة: يا أمير المؤمنين، إن أولى الحوائج ما كان لك ولجماعة المسلمين فيه نصيحة. وعندي نصيحة لا أجد بُدّا من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا ونحن بمفردنا. فقال عبد الملك: دون أبي محمد؟! قال: دون أبي محمد. فقال عبد الملك للحجاج: قُم يا أبا محمد. فلما خرج الحجاج، قال الخليفة: قل نصيحتك يا ابن طلحة. فقال: يا أمير المؤمنين، عمدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبُعْده عن الحق وقُربه من الباطل. فولّيته الحرمين، وهما ما هما، وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي البررة الأخيار، يطأهم بالعسف، ويسومهم بالظلم والخسف، ويحكم فيهم بغير السُّنّة، بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حُرمهم. فاعزِله يا أمير المؤمنين حتى لا تكون بينك وبين نبيك يوم القيامة خصومة. فبُهِت عبدُ الملك لكلامه، ثم قال: كذبت! وقد ظنّ الحجاجُ بك الخير وأطنب في مدحك والثناء عليك وقد يُظَنُّ الخير بغير أهله. قم عني فإنك أنت الكاذب المائن الخائن! فقام ابن طلحة لا يعرف لنفسه طريقا. فما خرج من الباب حتى لحقه رجلٌ صاح بالحرس: احبسوا هذا! وقيل للحجاج: أمير المؤمنين يطلبك. ومكث ابن طلحة مليّا من النهار لا يشك أن الخليفة والحجاج في أمره. ثم خرج الآذن فقال له: ادخل يا ابن طلحة. فلما أراد الدخول على عبد الملك، إذا بالحجاج يلقاه عند الباب وهو خارج من عنده. فما رآه الحجاج حتى عانقه وقبّل ما بين عينيه، وقال له: قد جزى الله المتواخين بفضل تواصلهم، فجزاك الله عني أفضل الجزاء، ولن أنسى لك هذا الجميل ما حييت. ثم مضى وطلحة يقول في نفسه: يهزأ بي وربّ الكعبة. فلما دخل على عبد الملك، بدأه الخليفة بقوله: قد عزلتُ الحجاج عن الحرمين وولّيتُه العراق وفارس معا. ولم أشأ أن أفْسِدَ مودّتَه لك وأخيب ظنَّه فيك، فأخبرته أنك أنت الذي دعوتني إلى توليته عليهما لفضله وحزمه وحكمته. فاخرج معه إن شئت وأخلِصْ له الودّ والنصيحة فإنك غيرُ ذامٍّ لصحبته.
من كتاب "بدائع السلك في طبائع الملك" لابن الأزرق.