أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه يا جدتي الغالية .. ( قصة فراق )
المؤمن كالغيث
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أسأل الله لكم العون والسداد وأن ينفع بكم البلاد والعباد ..
جدتي الغالية هي خالة الوالدة ..
عمرها يزيد على السبعين ..
صالحة .. تقية ..
كانت من (عشاق) الصدقة ..
حتى أنها باعت ما معها من حلي بما يربوا على 100 ألف ريال ..
وجعلتها صدقة لله .. !!
تم جرد بعض صدقاتها من قبل من قبل شخص واحد ..
فربت على المليون ريال !! إضافة إلى بناء مسجد .. ولا تسل عن صدقات رمضان ..
كانت تحبني حبا جما وترى ( المؤمن كالغيث ) قرة عينها وفلذة كبدها ..
دعمتني في مسيرتي العلمية بدعواتها ومالها ..
فو الله .. لكن كان لها علي من الفضل ما لا يعلمه إلا الله ..
فكانت لي بمثابة الوالدة ..
لا تبرح إلا مصلية أو ذاكرة ربها ..
أصيب ( بحلطة دخلت على إثرها ) العناية المركزة ..
جاءنا الخبر .. وذهلنا .. فكيف بن كان أحب إلي من نفسي .. وروحي ..
ويقولون إنها أشرفت على الهلاك ..
والزيارة مقننة .. لها ..
انطلقت لها .. وكاد قلبي أن يطير لم أكن مستعدا لأن أراها ..
وهي أحب مخلوق .. على سرير أبيض .. وقد بلغ منها العناء مبلغه ..
تسارعت خطاي ومعي إحدى القريبات ..
دخلنا إلى المستشفى ..
قابلنا أحد المسئولين .. أين العناية المركزة ؟؟
فلما دخلنا . وجدنا كوكبة من الناس يسألون عن حالها ..
دخلت ووجدت بعض بناتها ولم أسلم على أحد فالقلب حينها هواء خوفا ووجلا على أغلى إنسانة ..
هنا غرفتها ..
دخلت .. ويا ليتني لم أدخل ..
جدتي .. وغاليتي .. ومن يعجز القلب عن وصف حبي لها ..
قد فتحت فمها .. مغمضة العينين .. ومستورة بغطاء وقد أشبعوا فمها من الأنابيب .. وقد امتلأ
فمها .. دما متخثرا .. جرح ذلك الفم الطاهر ..
من الأنابيب ..
شاحبة اللون .. مصفرة حية في ثياب الموت ..
دخلت عليها .. وهي في شبه غيبوبة ..
تخيل وأنت ترى أحب مخلوق لديك على هذا الحال الذي يتفطر لرؤيته الجماد فما بالك بحالنا
لا أراك الله فيمن تحب شرا ..
سلمت على يدها الشريفة العفيفة ..
وحاولت مخاطبتها ..
وتشهدت بجوارها .. لعلها تسمع تشهدي فتذكر الله وإذا بي أفاجأ وهي في هذه الحال ..
بأنها قد سبقتني تذكر الله جل جلاله ..
ولا أشك في انها فاقدة الوعي ..
أمسكت نفسي .. وتمالكت ..
لأفاجأ بقريبتي تنهار بالبكاء .. فأسرعت بالخروج ..
وقد ضاقت علي الرحيبة ..
اتصلوا علي في الغد وقالوا نبشرك أنها طابت وتحسنت حالتها ..
ذهبت لها مباشرة وكم كانت تسر إذا رأتني ..
دخلت عليها ..
وإذا بها تخاطبني لم تكلم غيري حينها رغم امتلاء الغرفة ..
كيف حالك يا جدة ؟؟
الحمد لله على السلامة ..
فتهز رأسها توحي بأنها طيبة ثم تتكلم معي بصعوبة ..
كيف حالك يا ( المؤمن كالغيث ) ؟
إنت طيب ؟؟
الحمد لله يا جدة أبشرك ما دام أنتي طيبة .. أنا طيب ..
الله لا يوريك بعد اليوم مكروه ..
ما شاء الله .. صحتك روعة يا جدة ..
طابت نفسي بعد مخاطبتها .. كثيرا خشيت أن أودعها ولم تكلمني كلمة ..
وبعد ثلاثة أيام ..
وفي يومنا هذا السبت 21 / 7
اتصل علي قريب ..
السلام عليكم كيف حالك ؟
بخير .. الصوت لا يوحي بخير ..
خير عسى ما شر ..
قال عظم الله أجرك لقد ماتت جدتك صباح هذا اليوم وسنصلي عليها في المسجد الحرام في مكة
آه .. عجز القلم ..
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك ..
يا جدتي لمحزونون ..
بقيت في حالة ذهول .. لأجد نفسي مسافرا إلى مكة ..
يحاولون إضحاكي من سافر معي أو على الأقل أن يحظوا مني بقصة أو كلمة
ولكن هم في عالم وأنا في عالم ..
سأحرم من رؤيتها .. من تقبيلها .. من كلمة من الحنونة العطوفة ..
كم كانت تعتب علي ..
ليه ما تزورني قبل ما تسافر المدينة .. !!
أقول يا جدة ما ودي أكلف عليك ..
تقول لي الله يسعدك يا ( مؤمن ) تكفى ادعيلي أنا مريضة .. حينما أكون في المدينة ..
آه .. نزلت وصلت لمكة .. دخلت المسجد الحرام ..
طفت تحية للمسجد الحرام ..
أذن الظهر قامت الصلاة ..
وإذا بجنازة .. الشريفة العفيفة .. قد ملئت هيبة وجلالا وحولها الصغير والكبير وقد انهالت على خدودهم
سيولا من الدموع الحرى ..
كم من بيت فقير ؟ سيقطع عنه صدقتها والله هو الرزاق ..
كم من مشروع ؟ سيفتقد أموالها المباركة ..
آه .. كم من محب لها من صغير وكبير سيفتقد صوتها ..
وقفنا أمام الإمام بالجنازة وكان الشيخ الفاضل
عبد الله بن عواد الجهني .. حفظه الله
وقد اغرورقت عيناه بالدموع ولا أدري .. أشعر ما بخاطري .. أم له في الجنازات التي وضعت أمامه
من افتقده .. ؟؟ لا أدري
أخذنا الحبيبة .. نحو سيارة الإسعاف ..
وقد تجمهر الناس .. ليحملوها ..
فلما وضعناها في السيارة ..
ركبت معها ..
وحينها استوعب عقلي قليلا ..
بأن جدتي قد ماتت ..
ففاضت عيناي ليس جزعا وإنما حزنا ..
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك جدتي لمحزنون ..
أمسكني أخي .. وقال اصبر ..
كنت أصبر من حولي فإذا وجدت منهم غفلة عني أخرجت ما أثقل قلبي من دموعها ..
ثم عدت أمام الناس وكأن شيئا لم يكن وصلنا المقبرة نحن الآن على فم القبر ..
الذي ملئ وحشة وضيقا ...
سنضع فيه أحب مخلوق في أوحش مكان وأبشع موضوع إنه القبر ..
نظر الناس بعد أن نزلوا اثنين وإذا بابنها الكبير ..
يشير علي بأن أنزل ..
نزلت ..
استقبلت جنازة الجدة .. ساهمت .. في وضعها ..
أمسكت بكتفها .. وضغطت عليها ضغطة .. ونحن في أثناء التعديل .. للجنازة كما ينبغي كشف عن وجهها ..
فظفرت بنظرة إلى وجهها المشرق وقد ملئ نورا وبهاء ..
صعد الإثنين وبقيت أنا وجدتي
وكلي أمل أن تسمع
حبيبتي كما لم تنسني في الدنيا لن ننساك وأنت في الآخرة ..
لن ننساك من دعوة صادقة
ولا من صدقة جارية ..
وقبل أن أخرج قلت بصوت مسموع :
أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه
يا جدتي ..
( المؤمن كالغيث... آآآه كم أتعبتني حــروفــك
اوصي نفسي و أوصيكم بصــلة أرحامــكم ، قبل أن تفقدوهــم )
نقلته من الساحات بعد ان فاضت عينــاي...