
أحمد الجارالله
أنقذوا القمة من براثن نظام دمشق
سؤال موضوعي موجه إلى الملوك والرؤساء العرب:
لماذا تعقدون قمتكم في دمشق وتسلمون رئاستها على مدى عام كامل إلى النظام السوري?
انتم تعملون لوحدة الصف العربي كما تعلنون, ونحن نريد ان نصدق ذلك, وانتم تسعون الى تفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك, ونحن لا نشك باخلاصكم, وانتم تؤكدون ان الانزواء داخل الحدود القطرية لا يجلب الأمان بمثل ما أن برامج التوسع والعدوان وطمس الوطنيات لا تحقق الهوية الحضارية... ونحن معكم في هذه الخلاصات التي نتمنى ان تتعمق في كل الأرجاء العربية.
فاذا كنتم على هذه القناعات, وهي تحتل مركزاً عالياً من الصحة والحقيقة, فكيف, إذن, تضعون أحوال الأمة سنة كاملة, في قبضة نظام تنطبق عليه مواصفات المنافق بامتياز, وأنتم تعلمونها وتتداولونها وتتندرون بها, لأنكم في معظمكم على الأقل, لمستم أن هذا النظام كثيراً ما حدث وكذب, ووعد وأخلف, واؤتمن فخان, وتمت تجربته غير مرة, وجاءت النتيجة واحدة بأن تكرار التجارب معه بات مفسدة للعقول ومضيعة للوقت والجهد, فهل يمكن لمن يحمل هذه الخطايا بكل أوزارها وتبعاتها غير المشرفة أن يتبوأ منصب رئاسة القمة العربية... وبموافقة عربية ايضاً?
إن أقل الشروط المطلوبة في مَنْ يتسلم مثل هذه الامانة ان يكون على توافق مع عدد واسع من الدول العربية, غير أن النظام السوري عكس المقولة, فوقف في جبهة العداء مع معظم العرب, إذ أنه مارس كل أنواع العداوات والغدر مع المملكة العربية السعودية, واستخدم كل أشكال الشعوذة السياسية والدجل مع مصر العربية, وتناقض مع اليمن, ومعظم دول الخليج, ومع ليبيا والمغرب والسودان, ووصل حد القطيعة مع الأردن والعداوة مع العراق, أما عن موقفه تجاه لبنان فحدث ولا حرج كون أيديه ملوثة بدماء الشهداء هناك وممارساته تستبيح كل الأعراف والدساتير وتضرب مفاهيم العمل العربي المشترك, ومنطق الأخوة على امتداد أرض الوطن اللبناني, وفي فلسطين فإن غزة وعملية سلخها عن السلطة الوليدة بإجرام واضح, وبنقض صارخ للأمانة والقسم تشكل خير دليل على مدى استعداد نظام دمشق للولوغ في دماء العرب حتى النهاية ارضاء لمصلحته الضيقة الفئوية ولأجندات الأوصياء عليه في ايران.
وإذا جئنا إلى ساحة العمل العربي المشترك فإن من بلغ الفطام السياسي يدرك كيف أن هذا النظام غادر حالة التضامن العربي, وطلقها ثلاثاً, وارتمى في الأحضان الإيرانية مستمتعاً بدعم الملالي وراضياً بتحويل سورية من مركز الثقل العربي في منطقة المشرق إلى ورقة حاضرة لتسديد الفواتير, وتخريب التضامن العربي, وضرب الوحدات الوطنية وكل ذلك لحساب الستراتيجية الإيرانية ومنطقها في تصدير الثورة.
فهل يريد القادة العرب دليلاً أكثر من تخلي النظام السوري عن المبادرة العربية للسلام وذهابه وحيداً نحو تل أبيب بكثير من الاستذلال والتنازل مكتفياً بمباركة طهران وتنسيقها من »تحت الطاولة« مع اسرائيل لابقاء الوضع العربي على »الستاتيكو« الموجود عليه حالياً والحؤول دون تقدمه او انتعاشه?
هل يريد القادة برهاناً أكثر من تنكر نظام دمشق لكل المواثيق العربية سواء أكانت مبادرات - كما هي الحال مع لبنان وفلسطين - أو مواقف وتوجهات تضامنية كما هي الأمور مع البرلمان العربي الموحد, أو محكمة العدل العربية, او السوق العربية المشتركة?
ان كل القادة العرب يعرفون, ولديهم معلومات أكيدة, عن ان النظام السوري يؤوي كل اصناف الإرهابيين ويوفر لهم الدعم والحماية, ويمرر إليهم السلاح, ويستخدمهم ضد لبنان والسعودية ومصر وأي دولة عربية تقف بحزم ضد محاولات شق الصفوف وتخريب الأمن العربي, فهل يصلح, في ظل هذه المعلومات, تسليم مقاليد الحالة العربية لهذا النظام ولهؤلاء الإرهابيين لمدة عام كامل?
إن الشعوب العربية حكمت على هذه القمة بالفشل قبل ان تنعقد, لكل الاسباب التي مر ذكرها. وهي لن تجد اي أمل فيها مهما حضرها من قادة ومسؤولين وانما مجرد اجتماع روتيني يخيم عليه وقت ضائع وجهد غير ذي جدوى تخصص في القيام به أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى الذي يضع رجلا في البور ورجلا في الفلاحة وينتظر من سترجح كفته في النهاية لكي يقف الى جانبه, وكان الأجدر به ان يكون أمينا وحازما ومترجما بحق لهذه المؤسسة العربية بكل ما تعنيه من مقومات تضامن وعمل مشترك.
ومن هنا جاء سؤالنا, بل نداؤنا للملوك والرؤساء العرب, عن جدوى عقد القمة في دمشق, إذ يكفي هذه العاصمة العربية معاناة ان رقبتها بيد نظام لا يفهم معنى الحوار واحترام الرأي الآخر, فهل نزيد عليها بأن نضع في قبضته احوال الأمة ثم نبدأ بعد القمة بالمناداة طلبا للنجدة من سوء الأمانة والائتمان, ومهما طال النداء, فلقد أسمعت لو ناديت حيا, لكن لا حياة لمن تنادي.
23/3/2008 السياسة