بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة الشيخ العلامة: حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله
مولد الشيخ ونسبه ونشأته:
هو شيخنا العلامة المجاهد أبو عبد الله حمود بن عبد الله بن عقلاء بن محمد بن علي بن عقلاء الشعيبي الخالدي من آل جناح من بني خالد، ولد رحمه الله تعالى في بلدة "الشقة" ([1]) من أعمال القصيم سنة 1346 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ونشأ رحمه الله في بيت دين وكرم، فلما كان عمره ست سنوات التحق بالكتّاب فتعلم القراءة والكتابة والحساب، وفي عام 1352هـ أصيب بمرض الجدري وبسبب ذلك فقد بصره رحمه الله، وقد حرص عليه والده منذ نعومة أظفاره، وكان والده عبد الله رحمه الله صاحب زراعة وفلاحة فتعلم منه الشيخ رحمه الله مع فقده لبصره الزراعة والسقي وغير ذلك كما سيأتي تبيينه إن شاء الله
بداية طلبه للعلم:
قرأ الشيخ رحمه الله القرآن وحفظه مع فقدانه بصره على يد الشيخ عبد الله بن مبارك العمري رحمه الله وعمره ثلاث عشرة سنة.
يقول الشيخ رحمه الله ([2]): (وقد حفظت القرآن وعمري ثلاثة عشر عاما وذلك عام 1359 هـ، ولكن ضبطت الحفظ والتجويد عندما بلغت الخامسة عشر من عمري وكان ذلك عام 1361هـ، وكان لوالدي جهدٌ كبير في تنشأتي وتعليمي فكان رحمه الله يحرص على أن أكون من طلبة العلم) اهـ.
انتقاله إلى الرياض:
ولما بلغ العشرين من عمره أشار عليه والده عبد الله رحمه الله تعالى أن يسافر إلى الرياض ليتلقى العلم، وكان ذلك في سنة 1367 هـ فانتقل إلى الرياض ولازم الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله قرابة السنة فقرأ وحفظ ودرس عليه صغار المتون في العقيدة والفرائض والنحو وغير ذلك.
يقول الشيخ رحمه الله: (فبدأت بتلقي العلوم على فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، وأكملت الآجرومية والأصول الثلاثة والرحبية في الفرائض والقواعد الأربعة حتى أكملتها - فهما وحفظا -) اهـ.
وكان الشيخ عبد اللطيف رحمه الله هو المرحلة الأولى لطلبة العلم، فحينما يتقن الطالب عند الشيخ عبد اللطيف يتم نقله إلى حلقة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فانتقل الشيخ حمود رحمه الله بعد سنة إلى حلقة الشيخ محمد بن إبراهيم فقرأ عليه وحفظ بعض طوال المتون، بل يكاد رحمه الله يحفظ شروحها، وقد عرف عنه قوة الحفظ في شبابه، وقد قرأت عليه رحمه الله بعض المتون مع شروحها فكان رحمه الله يكمل عنا غالبا شروحها، بل كان يخطِّئ النسخ التي بين أيدينا، وكان يعيد علينا أحيانا تعليق أحد شيوخه على بعض المسائل باللفظ والهيئة، وكان من ضمن ما حفظه ألفية ابن مالك في النحو وزاد المستقنع في الفقه الحنبلي، فكان يقول لنا: (كنت أجلس أحيانا بعد العشاء في عريش رباط الشيخ محمد بن إبراهيم فلا أقوم من مكاني حتى أنهي هذين المتنين).
ملازمته للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:
وقرأ أيضا على الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله مفتي الديار السعودية في العقيدة والحديث والفقه والتفسير وأصول الفقه والنحو فأتقن.
يقول الشيخ رحمه الله: (انتقلت للقراءة على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ سنة 1368هـ، فقرأت عليه وبدأت بقراءة زاد المستقنع ثم كتاب التوحيد وكشف الشبهات والواسطية لشيخ الإسلام والأربعين النووية وألفية ابن مالك وبلوغ المرام، وهذه تقرأ على الشيخ عادة ولابد منها، وأضفت أنا عليها كتبا أخرى كنت أقرأها لوحدي على سماحة الشيخ ـ رحمه الله ـ الطحاوية والدرة المضيئة للسفاريني والحموية لابن تيمية هذه قرأتها لوحدي واستمرت القراءة على سماحة الوالد الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ حتى فتح المعهد العلمي عام 1371هـ وهو أول معهد يفتح، وكل هذه الكتب كنت احفظها كما أحفظ الفاتحة) اهـ
وقال أيضا: (كان سماحة الوالد - يعني محمد بن إبراهيم - من أحرص المشايخ على طلابهم وكانت طريقته في التدريس هي كالتالي:
يجلس للطلاب في المسجد بعد الفجر ونقرأ عليه في الألفية والبلوغ والزاد وقطر الندى - وكنا نحفظها كاملة - ثم يطلب الشيخ أن نعرب الأبيات كاملة ثم يقرأ الشيخ محمد بن قاسم شرح ابن عقيل على الشيخ ـ وهو شرح للأبيات التي قرأناها قبل قليل، ثم بعد إشراق الشمس بنحو نصف ساعة يذهب الشيخ إلى بيته والطلاب يصحبونه إلى بيته ثم بعد مدة يأذن لهم فيدخلوا ويجلس لهم كذلك وتبدأ قراءة المختصرات: أولا كتاب التوحيد ثم كشف الشبهات ثم الواسطية ثم إن كان هناك دروس خاصة لأحد الطلاب قرأ من يريد القراءة ثم تبدأ قراءة المطولات مثل صحيح البخاري أو المغني أو منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام، وهي تسمي قراءة المطولات هذا يقرأ والشيخ يستمع فقط وإذا عرض لأحد الطلاب إشكال سأل الطلاب وإلا الشيخ لا يشرح.
وللشيخ جلسة ثالثة قبل العشاء يقرأ عليه فيها تفسير ابن كثير يقرأها الشيخ عبد العزيز بن شلهوب وأحيانا يعلق الشيخ على التفسير، وليس له إلا هذه الجلسات فقط) اهـ
وكان الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله إذا انتهى من الدرس قام الطلاب إلى الشيخ حمود - وكان منهم بعض العلماء الموجودين حاليا - وطلبوا منه أن يعيد لهم درس الشيخ بن إبراهيم فكان الشيخ حمود كما يحدثنا - يمازحهم – يرفض ذلك أول الأمر ثم يقوم إلى ركن المسجد فيعيد عليهم درس الشيخ كاملا.
وقد تأثر الشيخ حمود رحمه الله في شيخه محمد بن إبراهيم، حتى قال عنه: (شيخي وأستاذي ووالدي رحمه الله، تأثرت به كثيرا).
ملازمته للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: (أذكى من قابلت من المشايخ الشيخ محمد بن إبراهيم، وأذكى من قابلت من التلاميذ حمود العقلاء) ([3]).
وقد لازم شيخنا الشيخَ محمد الأمين الشنقيطي حتى في بيته وكان الشيخ يشرح له لوحده، فقرأ الشيخ عليه في التفسير والعربية والحديث وأصول الفقه والمنطق.
يقول الشيخ رحمه الله وهو يتحدث عن دراسته على الشيخ محمد الأمين: (درست على الشيخ في الكليّة وأما في البيت فكانت لي دراسة يومية معه في الأصول والمنطق وكانت في المنطق سلّم الأخضري وشرحه وفي الأصول روضة الناظر، وأتممتها على الشيخ رحمه الله وكانت دراستي لها دراسة جيدة، وكانت الدراسة لوحدي بعد المغرب.. وكان علْم الشيخ الشنقيطي غزيرا جدا خاصة في الأصول والمنطق والتفسير والتأريخ واللغة والأدب وكان منقطع النظير في هذه ويجمع لها غيرها) اهـ
وكان للشيخ حمود رحمه الله مع شيخه محمد الأمين بعض المناقشات والمباحثات، منها ما حدثنا به رحمه الله فقال: (في درس التفسر لما مر الشيخ محمد الأمين رحمه الله على قوله تعالى {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى... الآية} ([4]))، قال الشيخ حمود: (فقلت: يا شيخ ألا يكون موسى هذا أحد نذر الجن ؟ فقال الشيخ محمد: لو سبقت إلى هذا لقلت بقولك) ([5]) اهـ
ومنها أيضا؛ يقول الشيخ رحمه الله في شرحه للتدمرية عند ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لقوله تعالى {والسماء بنيناها بأيد}، أي قوة.
قال الشيخ حمود رحمه الله: (والعلماء يعلمون أن في القرآن مجازاً ولكنهم ينفون ذلك لسد الذرائع، وكان شيخنا الشنقيطي رحمه الله يشدد في نفي المجاز وأنا كنت أرى المجاز، فقال الشيخ الأمين رحمه الله: إن الرجوع في البديع لا يوجد في القرآن أبدا..).
ثم استطرد الشيخ حمود قائلا: (والرجوع هو أن يثبت معناً من المعاني ثم ينفيه أو العكس، فقلت له: بل في القرآن ذلك، فاضطرب الشيخ وقال: أين ؟ فقلت: في قوله تعالى {قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندع من قبل شيئا}، وقوله تعالى {قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} استفهام.. لا يعلمون، ثم ردوا على أنفسهم بأنه الله، ولكن رحمه الله لم يقبل كلامي وقال: إنك لم تستدرك الأدلة التي استدللت بها) أهـ
وكان للشيخ رحمه الله عند الأمين الشنقيطي مكانة وقدر يبينها ما قاله الشيخ نفسه، حيث قال: (لما تخرجت من الكلية عينت قاضيا في وادي الدواسر فذهب الشيخ الشنقيطي للشيخ محمد بن إبراهيم وقال له: هذا لا يمكن أن يعين في القضاء بل في التدريس لما يظهر منه من أهلية لهذا وبروز في التدريس، والشيخ محمد بن إبراهيم إذا عين أحدا في القضاء لا يمكن أن يتراجع أبدا مهما حصل، ولكنه كان يجل الشيخ الشنقيطي ويحترمه جدا).
وكان من تأثر الشيخ حمود بشيخه الشنقيطي رحمهما الله ما عبر عنه بقوله: (الشيخ محمد هو شيخي وإمامي في كل شيئ، وكان من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا رحمه الله وغفر له وكان يعاملني مثل أولاده ويعتبرني ولدا له) إهـ
التحاقه بالمعهد وكلية الشريعة:
ولما افتتح المعهد العلمي التحق به رحمه الله تعالى وكان سنة 1371هـ.
يقول الشيخ رحمه الله: (كان المعهد مرحلة ثانوية ومتوسطة وتمهيدي، والتمهيدي تعادل الخامسة والسادسة الابتدائيتين، ثم الكلية أربع سنوات، وعلى حسب مستوى التحصيل يصنف الطالب إما في الأولى أو الثانية أو الثالثة حسب تقويم اللجنة وأنا صنفت في الثانية الثانوي، وبعد أن درست عشرة أيام تقريبا نقلت بأمر من مدير المعهد إلى الثالث، وذلك عام 1371هـ).
مشايخه:
وقرأ الشيخ رحمه الله في المعهد وكلية الشريعة وغيرهما على يدي أكابر العلماء غير من سبق، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله درسه في التوحيد والحديث، والشيخ عبد الرحمن الإفريقي رحمه الله في الحديث أيضا، والشيخ عبد العزيز الرشيد في الفقه، وفضيلة الشيخ سعود بن رشود قاض في محكمة الرياض، والشيخ إبراهيم بن سليمان، والشيخ عبد الله الخليفي، والأستاذ حمد الجاسر في الإنشاء والإملاء، ومن أهل مصر في النحو والبلاغة منهم الشيخ يوسف عمر حسنين والشيخ عبد اللطيف سرحان والشيخ يوسف الضبع وغيرهم رحمهم الله جميعا.
بعد تخرجه من كلية الشريعة:
ولما تخرج من كلية الشريعة عين قاضيا في وادي الدواسر ثم الغي ذلك التعيين بشفاعة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله كما سبق ذكره، فعين مدرسا في المعهد العلمي لمدة سنة واحدة وذلك عام 1376 هـ ثم انتقل إلى الكلية بعدها عام 1377هـ وبقي فيها أربعين عاما يدرس فيها حتى سنة 1407هـ وترقى خلالها حتى وصل إلى درجة أستاذ، وقد درّس فيها جميع المواد التي كانت تدرس في المعهد والكلية كالتوحيد والفقه والفرائض والحديث والأصول والبلاغة والنحو كلها درسها رحمه الله.
ميوله لتدريس اللغة العربية:
وكان رحمه الله يهوى أن يدرس في كلية اللغة العربية فقد قرأ كثيرا من أبوابها على الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ محمد بن إبراهيم وحمد الجاسر وغيرهم، فقرأ في الأدب النحو والصرف والاشتقاق والبلاغة والبديع والإنشاء والإملاء وغيرها..
فكان رحمه الله يقول: (لما كنت طالبا كنت مهتما في اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة، وكنت عازما على أن أدرس اللغة وكنت أظن أنني لو درّست غيرها فشلت وأن فني الخاص هو اللغة العربية ولكن لما تخرجت قالوا إن اللغة يدرسها من تخرج من كلية اللغة وأنت ما عندك تخصص فرفضوا أن أدرس اللغة، وكان لي اهتمام بالشعر الجاهلي على وجه الخصوص وكنت أحفظ كثيرا من الشعر الجاهلي، وكنت مولعا به، من ذلك معلقة امرئ القيس وعمرو بن كلثوم، ولامية العرب للشنفرى ولامية العجم للطغرائي وحوليتين من حوليات زهير القافية التي مدح فيها الهرم بن سنان والكافية) إهـ
وقد حدثني الشيخ عبد الله بن حسين أبالخيل حفظه الله فقال: (كنا في رباط الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ولما جاءنا الشيخ حمود من "الشقة" تعجبنا من إتقانه اللغة العربية).
وكان عمر الشيخ آن ذاك عشرين سنة كما ذكرنا.
ولما سئل رحمه الله عن كتابته للشعر قال: (كتبت القليل من الفصيح والنبطي).
اهتمامه بطلابه:
كان الشيخ رحمه الله يتفقد طلابه ويسأل عنهم وعن أحوالهم ويواسيهم، فإذا تغيب أحدهم بحث عن هاتفه حتى يجده ثم يتصل به ويسأله عن حاله وسبب تغيبه، فإن كان مريضا عاده وزاره ودعا له، وإن كان لسبب من الأسباب حثه على المبادرة والاجتهاد.
وكان الشيخ رحمه الله يحرص أن يتخرج الطالب على يديه متقنا ضابطا.
طلب منه أحد الطلبة منه أن يقرأ عليه إحدى المواد فوافق، ولما جاء الطالب في الموعد المحدد وقرأ البسملة والحمدلة قال له الشيخ: (قف)، ثم قال: (الطلاب لا ينقطع حضورهم عندي، فإما الاستمرار وإما من الآن)، فقال الطالب: الاستمرار يا شيخ، فكان هذا الأخ يحدث قائلا: منذ تلك المقولة من الشيخ وأنا لم أنقطع عن الدروس والعلم، فرحمه الله.
وكان من حرصه عليهم أنه كان يدرس لبعضهم بعض مواد الدراسة النظامية إذا كان عندهم امتحانات فيها، بل يسألهم حتى عن أسئلة الامتحانات ونتائجها.
وكان رحمه الله يطلب بطريقة لطيفة من بعض تلامذته أن يبحثوا بعض المسائل لكي يتدربوا على طريقة البحث، وكان يناقشهم على تلك البحوث رحمه الله فإما أن يصحح لهم أو يوافقهم.
وكان رحمه الله في حلقة الدرس يسأل عن مسائل الدرس السابق ويطلب من الطلبة في النحو إعراب الآيات القرآنية والأبيات الشعرية والشواهد العربية، بل ويطالبهم أحيانا أن يحفظوا بعض أشعار العرب.
وكان رحمه الله يدرس تلامذته أحيانا في اليوم الشديد الحر حتى ترى في وجهه رحمه الله تصبب العرق ومع ذلك يصبر ويتحمل، بل كان يحتاج إلى النوم و ترى التعب باديا على وجهه رحمه الله ولم يكن ليعتذر عن الدرس، فكان بعض طلبته يقولون له: لعلنا نرجئ درسنا لليوم التالي يا شيخ، فيقول: (اقرأ فقد جئتَ من بعيد).
وهذه قصة سردها أحد طلبة الشيخ، يقول فيها ([6]): (كان أحد الاخوة قد دعا الشيخ لوليمة في مزرعته بعد صلاة العشاء وكان في الوليمة مجموعة من المشايخ وطلبه العلم وانشغل صاحب الوليمة فلم يستطيع إحضار الشيخ للمزرعة فكلمنا لنحضر الشيخ.. فذهبت إلى مزرعة الشيخ وكما هو معروف أن مزرعة الشيخ خارج مدينة بريدة وتبعد حوالي ثلاثين كيلو أو تزيد.. وقدر الله قبل هذه الوليمة بأيام أن يطمس بعض الأطفال حروف لوحة سيارتي فلما ذهبت للشيخ كان هناك نقطة تفتيش فانتبه العسكري للوحة المطموسة فحرر لي مخالفة و قام باحتجاز السيارة ونقلها إلى حجز السيارات الذي يبعد عن مزرعة الشيخ أربعين كيلو تقريبا.. حاولت أن أفهمهم أني مرتبط مع أحد المشايخ و أني سوف أقوم بتعديل اللوحات وان المسالة لا تستدعي حجز السيارة..ولكن لقد أسمعت لو ناديت حياً.. فلما وصلنا للحجز وضعوا السيارة في مكان حجز السيارات ثم قالوا: انصرف.. دبر حالك!!.. تخيلوا أيها الأحباب رجال الأمن يحجزون سيارة مواطن في إحدى الطرق البعيدة عن المدينة وفي مكان مقطوع ويقولون: دبر حالك!! الشاهد.. تأخر علي الوقت والشيخ ينتظر و تأخرت على صاحب العزيمة.. ويسر الله لي سائق أجرة فركبت معه وذهبنا مباشرة لمزرعة الشيخ فلما وصلت طرقت الباب فخرج لي الشيخ رحمه الله فقال لي: لماذا تأخرت ؟ فأخبرت الشيخ بما حدث.. فما كان من الشيخ رحمه الله إلا أن أدخل يده في جيبه واخرج من جيبه النقود وقال: خذ أعطى الحساب لسائق الأجرة.. قلت: يا شيخ لا.. عفا الله عنك.. فأقسم الشيخ فما كان إلا أن قبلت بعد أن أقسم الشيخ.. ثم طلب الشيخ من سائقه أن يجهز السيارة وقال لي: اركب معنا.. وفي الطريق تمتعت بحديث الشيخ وعلمه وكلامه الذي يقطر كالعسل.. فلما اقتربنا من بريدة قال لسائقه: اذهب إلى إدارة مرور بريدة!!! قلت: يا شيخ عفا الله عنك لماذا ؟ قال: حتى نخرج سيارتك.. فقلت له: لكن الاخوة ينتظروننا والمشايخ موجودين.. فقال: أنت تعبت وأتيت من أجلي فلذلك سأذهب ولن نخرج من عندهم إلا ومعك سيارتك.. أصابني إحراج شديد...و تلعثم لساني.. حينها أخذت انظر للشيخ واستغرب.. ثم فكرت وتذكرت الاخوة والمشايخ الذين ينتظرون الشيخ رحمه الله.. وبعد جهد جهيد.. أقنعت الشيخ أنني سوف أراجعهم وإذا أشكل علي شيء سوف ارجع له.. فوافق الشيخ بهذا الشرط..).
تلامذته:
قرأ على الشيخ رحمه الله أفواج من الطلاب، فقد كان يدرس في الجامعة وغيرها أربعين سنة وتخرج على يديه جملة من العلماء والمصلحين منهم فضيلة الشيخ علي بن خضير الخضير وقد لازمه لسنوات عدة وكان الشيخ رحمه الله يثني عليه كثيرا ويجله ويقدره ويحثنا على التتلمذ عليه والاستفادة من علمه، والشيخ عبد الله الغنيمان، والشيخ سلمان بن فهد العودة قرأ عليه في النحو، والشيخ عبد العزيز بن صالح الجوعي، ومن هيئة كبار العلماء المفتي العام عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ صالح الفوزان، وقد درس عليه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله والشيخ اللحيدان دروسا إضافية في كلية الشريعة في الرياض.
وتتلمذ عليه أيضا بعض الوزراء في الدولة كوزير العدل عبد الله بن محمد بن إبراهيم، ووزير الشؤون الإسلامية سابقا عبد الله بن تركي، ومن القضاة: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله العجلان رئيس محاكم منطقة القصيم سابقا، وقاضي تمييز عبد الرحمن بن صالح الجبر، وقاضي تمييز عبد الرحمن بن سليمان الجارالله، و قاضي تمييز عبد الرحمن بن عبد العزيز الكِليِّة، وقاضي تمييز عبد الرحمن بن غيث، ورئيس محاكم الرياض سليمان بن مهنا، ووكيل وزارة العدل حمد بن فريان، ووكيل وزارة الداخلية إبراهيم بن داود، ورئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد، ورئيس هيئة التحقيق والادعاء العام محمد بن مهوس.
وممن أشرف على رسائلهم العلمية سواء في الدكتوراه أو الماجستير: رئيس محكمة البكيرية الدكتور عبد الله الدخيل، و الدكتور محمد بن عبد الله السكاكر، والدكتور عبد الله بن صالح المشيقح، والدكتور عبد الله بن سليمان الجاسر، والدكتور صالح بن عبد الرحمن المحيميد، والدكتور محمد بن لاحم، والدكتور عبد العزيز بن صالح الجوعي، والدكتور ناصر السعوي، والدكتور خليفة الخليفة، والدكتور إبراهيم بن محمد الدوسري، والدكتور يوسف القاضي، وغيرهم كثير.
وكان الشيخ رحمه الله تعرض عليه بعض الرسائل والمؤلفات لبعض المدرسين من قبل الجامعة لقبول ترقيهم في سلك التدريس فكان يقبل بعضها ويرد البعض الآخر فمما عرض عليه:
الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن طريق جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عرضت عليه بعض رسائله في العقيدة، و منهم أيضا الشيخ عبد القادر شيبة الحمد وأبو بكر الجزائري ومحمد أمان الجامي الصومالي وربيع بن هادي مدخلي وغيرهم.
مؤلفاته:
للشيخ رحمه الله بحوث ومؤلفات ورسائل وردود وفتاوى عدة، منها ما فقده الشيخ ومنها ما احتفظ به ثم نشره، فمن ذلك:
- كتاب الإمامة العظمى وهو بحث كتبه لنيل درجة أستاذ كرسي في جامعة الإمام محمد بن سعود ونشر في مجلة الجامعة في عددها الصادر سنة 1400 هـ.
- وكتاب القول المختار في حكم الاستعانة بالكفار.
- والبراهين المتظاهرة في حتمية الإيمان بالله والدار الآخرة.
- وكتاب مختصر العقيدة.
- وشرح جزءا من بلوغ المرام وهو مما افتقده أيضا.
- وشارك في تأليف كتاب تسهيل الوصول إلى علم الأصول - المقرر في الجامعة الإسلامية –
- ورد على الشيخ هراس في شرحه الأول على الواسطية، وقد كتبه على حلقات في صحيفة تعرف آن ذاك بصحيفة القصيم.
- وله شرح على كتاب التوحيد.
- وشرح على التدمرية.
- وشرح على الحموية.
- وشرح على الواسطية.
- وشرح على متن الطحاوية.
- وتعليق على ألفية بن مالك.
- وشرح للآجرومية وعلق على شرحها للعشماوي.
- وتعليق على كتاب السنة لعبد الله بن الإمام احمد.
- وتعليق على حائية ابن أبي داود وشرحها للسفاريني.
- وتعليق على اقتضاء الصراط المستقيم.
- وعلى جزء كبير من الصارم المسلول لابن تيمية.
- وتعليق على سبل السلام.
- وشرح سلم الأخضري في المنطق ([7]).
- وجزء من شرح السنة للبربهاري وغير ذلك.
وله رسائل وبحوث وردود وفتاوى من ضمنها:
- رسالة عن حكم الخلاف في أصول الإيمان ([8]).
- ورسالة في التصوير ورسالة في الأعياد البدعية.
- ورسالة في الحكم بغير ما أنزل الله.
- ورسالة في تعريف الإرهاب وحقيقته.
- وفتوى في حكم استئذان الوالدين في الجهاد.
- وفتوى لأحداث أمريكا.
- وفتوى عن شرعية حكومة طالبان والجهاد معها ضد تحالف الشمال.
- وبيان لضلالات حسن فرحان المالكي.
ورد على خالد العنبري.
ورد على وزير الشؤون الإسلامية صالح آل الشيخ في منعه القنوت.
ورسالة للدكتور محسن العواجي عن ضلالات موقعه في الإنترنت المسمى بالوسطية.
وفتوى في تكفير تركي الحمد.
وفتوى في تكفير المغني عبد الله رويشد.
- وأجوبة عن رسائل وصلته من بعض البلدان، وغيرها كثير يصل عدد الفتاوى المدعمة بالبحث العلمي قريبا من الأربعين فتوى، أما ما تخص أحوال المسلمين فكتب رحمه الله عشرات الفتاوى بعضها منشور في موقعه في الإنترنت ([9]).
وقد كلفه مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله للفتوى والواعظ والإرشاد في الحرم أيام الحج لثلاث أو أربع سنوات.
وقد انتهج الشيخ رحمه الله تعالى في كتبه وردوده وغالب فتاواه منهج البحث والتفصيل، فتجده رحمه الله لا يكتفي في فتواه أو رده على القول مجردا عن الأدلة والبراهين بل تجد الفتوى تصل إلى عشر ورقات بل إلى خمس عشرة ورقة أو تزيد، وتجدها مدعّمة بالكتاب والسنة مع عرض أقوال أهل العلم وخلافهم مع ترجيحه ما يراه صوابا، ومثل هذا المنهج للشيخ في عرض الفتوى شبيه بطريقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فتاويه، ومع جرأة شيخنا رحمه الله ومع سلوكه هذا المنهج ومع توفيق الله قبل ذلك رأينا كيف راجت فتاويه في جميع أنحاء العالم الغربي فضلا عن الإسلامي.
قوته في الحق ورباطة جأشه:
ليس سرا أن نقول إن الشيخ رحمه الله سجن سنة 1417 هـ لأكثر من أربعين يوما ومنع من الإفتاء عدة مرات ومع ذلك لم يقف عن قول ما يعتقده حقا يدين الله به، بل كان كثيرا ما يردد عند منعه من الإفتاء قول الله تعالى {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)، وكان كثيرا ما يحث المشايخ وأهل العلم بأن يقولوا ما يعتقدوه دينا يدينون الله به ولو أصابهم شيء من الأذى حتى لا يلعنوا كما لعن الذين من قبلهم.
وقد عرف عن الشيخ رحمه الله منذ صغره بقوته وصلابة قلبه ورباطة جأشه فلم يكن للخوف مكان في صدره إلا من الله سبحانه.
حكى لنا الشيخ مرة أنه حدث له قديما في إحدى الليالي أن أزعجته بعض الكلاب في نباحها فلم يستطع النوم فأخذ البندقية - الشوزن - ذات الطلقة الواحدة وخرج على الكلاب فوجه البندقية صوبها فأطلق النار عليها حتى قتل بعضها والشيخ لا يبصر.
وحكى لنا ابنه عزيز حفظه الله؛ أن الشيخ رحمه الله لما كان صغيرا كان يدخل يده في جحر الضب مع فقده بصره، فكان يتلمس العقرب بيده فيدفع إبرتها بأصبعه مرة ومرتين ومع ذلك لا يخافها.
ومن رباطة جأشه رحمه الله ما حدثنا به ابن الشيخ المثنى حيث قال: (كنت خلف والدي في المزرعة فرأيت ثعبان تتجه نحو الشيخ رحمه الله فصحت به: الثعبان، فقال لي: لا تتحرك، وثبت في مكانه ومرت من بين رجليه ولم تصبه بأذى).
وكانت له في صغره بعض المواقف والطرائف لا يسع المجال لذكرها، فكان رحمه الله من الأفذاذ قليلي المثل في هذه الأزمان، وكان مثلَ ذلك التاريخ جدير بعد الله بأن يخرج لنا أحد الأبطال الذين لن ينساهم التاريخ، وقد كانت له صولات وجولات يعرفها القريب والبعيد.
اتصل رحمه الله ببعض من يتحدث في إحدى الإذاعات فقال له بعد السلام: (اعلم يا أخي أن من يستمع إليك تعدادهم يصل إلى الملايين، وأنت من خلال حديثك إليهم تضع عقلك، ولا يخفاك أن من يستمع إليك من جميع الطبقات والفئات، فهناك العالم والمثقف والطبيب والرجال والنساء حتى الأطفال، ولا يخفاك أيضا أن كثيرا من هؤلاء يفهمون العبارة وما بين السطور مهما غيرت الحقائق أو أخفيت، فالناس الآن ليسوا كما يعتقد البعض أنهم من السذاجة ما يجعل البعض يخفي عليهم أو يبدل في بعض الأمور، فأنت حينما تعرض عليهم ما عندك مخير بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تقول الحق وتترك اللف والدوران، أو أن تعتذر عن الإجابة.. هذه نصيحة من أخ ناصح) أهـ
وله فتاوى تدل على ذلك منتشرة معروفة وما فتواه عن أحداث أمريكا وشرعية القتال مع حكومة طالبان إلا صورة مقربة مما نقول، وكان الناس على مثل تلك الفتاوى عيالا عليه رحمه الله.
تقول "مي" ابنته في رسالتها عن حياة والدها رحمه الله: (. وجاءت الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام ابتداءاً بأفغانستان فتشرف الشيخ بأن كان أول من خط سوداء في بيضاء) إهـ
ومن المواقف التي حدثت له رحمه الله وحدثنا بها أن كان في بداية طلبه للعلم يخطب الجمعة في الرياض فمنع من الخطابة لمخالفته السائد في أسلوب الخطبة.
ومع ذلك كان رحمه الله تعالى مؤثرا في أسلوبه قويا في حجته لا تكاد تكتمل أحرف مناقشه تخرج من فمه إلا وتجد الحجة والدليل في مواجهته، وتجده يتتبع الحق أينما كان ولا يرده عن قبوله كونه جاء من مخالفه فضلا عن موافقه، وكان مجلسه العامر تدور فيه النقاشات والحوارات وكان الحاضر يستمتع بالمجلس لوجود الجرأة النادرة، فكان يتعجب من ذهاب الخوف والرهبة من قلب الشيخ رحمه الله، ولم يكن يثنيه عن الرد على المخطئ كونه له صداقة معه أو قرابة، فلم تكن جرأته لخطأ دون خطأ، أو لمنهج ضال دون منهج، أو لشخصية منهزمة دون أخرى.
فمن جرأته رحمه الله لما ناقشه أحد الحضور عما حدث لأمريكا ومخالفته لذلك الفعل أجابه الشيخ ورد على تلك الشبه بإجابة مختصرة فأحاله على فتواه المشهورة في ذلك ولما أكثر في الجدال، وكان رحمه الله أثناء نقاشه يأكل تمرات رمى ما بيده من نوى، وقال له اسمع يا أخي: (نحن لا نريد أن يبقى في أمريكا ولا طوبة).. وكان مجلسه ذلك رحمه الله عامرا بالحضور.
عبادته:
كان الشيخ رحمه الله تعالى صاحب عبادة وصلاة، فكان رحمه الله يقوم من الليل ما يسره الله له.
تقول مي ابنته في رسالتها عن حياته رحمه الله: (كان رحمه الله يستيقظ من نومه عند الساعة الثالثة صباحا ويبدأ بقراءة القران إلى أن يؤذن لصلاة الفجر) أهـ
وهذا ما جعل الشيخ رحمه الله يقول لنا لما سألناه عن ضبطه للقران: (أحفظه مثل الفاتحة).
وقد كان ينهي مراجعته للقران خلال أسبوع واحد، ولم يمنعه عن ورده اليومي منه كثرة مشاغله وتدريسه لطلابه ومتابعته لقضايا المسلمين، وكان يقرأ ورده منه قبل صلاة الفجر فإذا غلبه النوم عن ذلك قرأه بعد الصلاة كما حدثنا بذلك، بل قال لنا رحمه الله: (لما كنت في السجن ختمت القران أربعين مرة)، وكان رحمه الله سجن قريبا من أربعين يوما.
وكان الشيخ رحمه الله كريما شهما وقد عرف ذلك أضيافه، وكان رحمه الله صاحب صدقة وإحسان، يتعاقبه الفقراء يوما بعد يوم رأيتهم عند بابه نساءا ورجالا صغارا وكبارا، يسر بها كما عرفته حتى لا يعلم بها أقرب الناس إليه.
و بعث معي مرة إلى أحد الفقراء بعض المال وقال: إياك أن يعلم به أحد، ومرة قال لي: (اشهد أنني سامحت فلانا عن دينه الذي لي عنده وإياك أن تخبر أحدا)، لكنه رحمه الله لم يشترط علي الإسرار بذلك بعد موته، وبعث معي مرة بعض المال إلى امرأة تعول أطفالا، وعلمت صدفة أنه كان يواسي بعض طلبة العلم المتفرغين للعلم ببعض الأموال، فجزاه الله خيرا كثيرا وأخلفه في ذلك جنات عدن.
الشيخ رحمه الله وقضايا المسلمين وأخبارهم:
كان الشيخ رحمه الله يعيش أمس المسلمين و حاضرهم ومستقبلهم، فكان يتتبع الأخبار ويجلس الأوقات الطويلة لذلك، ومن حرصه أنه كان يستخدم الراديو بنفسه فيعرف أماكن القنوات وأرقامها فكان يأخذ الراديو من يد الجالس إذا عجز عن إخراج مكان الخبر فيدله عليه، بل كان رحمه الله يتعرف على أهمية الخبر من خلال معرفته بالمذيع.
فكان رحمه الله لاهتمامه بذلك تجد كل أحوال المسلمين عنده وكل جديد الأحداث وصله، فما على الحاضر إلا أن يسأل الشيخ عن جديد الأحداث فيخبره بذلك مع تحليلها وسبر أبعادها ومضامينها.
وكان الشيخ رحمه الله مع ذلك خبيرا بتواريخ الوقائع والحروب والسياسات وكبار الساسة - الحي منهم والهالك - تواريخهم ومواقفهم، فكان يربط الحدث بتاريخ صاحبه وسوابقه، ولهذا فمع العلم الراسخ وفهم الواقع وأحداثه وجد المسلمون بغيتهم عند الشيخ رحمه الله.
وكان اهتمامه بمصالح المسلمين وأحوالهم حتى قبل وفاته رحمه الله بدقائق، فقد كان يتحدث رحمه الله حينها عن أحداث أفغانستان وحكومة طالبان وأخبار المجاهدين وجديد أخبارهم، وقد ختم له إن شاء الله تعالى بخير.
ولما كان بعض المشايخ وطلبة العلم في السجن كان لا يفتر رحمه الله عن السؤال عنهم وعن جديد أخبارهم، فكان كثيرا ما يدعوا لهم بالثبات على الحق والصبر جزاه الله عنا وعنهم كل خير.
وكانت أخبار الإنترنت تعرض عليه يوميا فكان يجلس الساعة والساعتين بل أكثر من ذلك، يستمع لقارئها فلا يمل ولا يكل، حتى صار أخبر بتلك الشبكة من المتابعين لها، بل كان رحمه الله يعرف بعض من يكتب في منتديات الإنترنت وأفكارهم ومناهجهم من خلال الاستماع لمقالاتهم.
مواقف المخالفين مع الشيخ:
ومع ذلك لم يسلم الشيخ رحمه الله من لمز بعض المنهزمين والمنتكسين، في حياته وبعد مماته ممن كانوا من أقرب الناس إليه ممن تتلمذوا عليه واستفادوا من علمه وجرأته بل ومواقفه معهم رحمه الله، فلما خالفوا الحق وجد سلاطة اللسان وزوال السابقة، بلْه الألفاظ الرديئة، فمرة الشيخ تكفيري، وأخرى لا علم عنده، وثالثة يغرر به، ولو أراد أحدهم حضور مجلس الشيخ لسُمِعَ لفرائصهم قرقعة وفرقعة من خلف الباب خشية ورهبة منه، وهؤلاء - سبحان الله – مع قلتهم وكون بعضهم ينتسب إلى منهج السلف إلا أنك تجدهم من أعق الناس مع السلفيين وأرحم الناس مع مخالفيهم، ولم يكن لهم مع ذلك مناقشة علمية مع الشيخ رحمه الله سوى رميه بتلك الألفاظ، وتلك حجة العاجز.
أحواله الخاصة في بيته ومزرعته:
الشيخ رحمه الله مثله مثل غيره من الناس له أحوال وأمور في حياته اليومية، وحاجيات يحتاج فيها لمن يقضيها، فكان رحمه الله مع فقده لبصره لا ينتظر أن يأت من يقوم بها حتى لما كان في رباط الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله كان يخرج في الليل شديد البرودة، فكان رحمه الله يحدثنا فيقول: كنت أخرج في الليلة الشاتية من الرباط لأحضر الحطب وأبحث عما يشعلها فأجمعه وأحضره إلى البيت وأضع الحطب والقدر عليه حتى أطبخ لنفسي، وأخرج لآتي بالماء بنفسي، وكان رحمه الله تعالى يقود سيارته أحيانا في بعض طرق مزرعته كما حدثني بذلك، بل إذا أصاب السيارة بعض الأعطال يقوم هو بنفسه لإصلاحها.
يقول لي ابنه المثنى حفظه الله: (أخذت والدي الشيخ رحمه الله إلى بعض حاجته ليلا ولما كنا في الطريق أشار إلينا بعض المارة أن في السيارة - أسفلها – شرارة نار، فوقفت ونزل الشيخ معي، يقول: فقلت هذا "سلك" متدل، فاقترب الشيخ أسفل السيارة ثم أخذ بالسلك وتتبعه ثم قال: هذا مؤشر السرعة منقطع، يقول ابن الشيخ: وفعلا بعد الكشف عليها وجد أن كلام الشيخ رحمه الله في محله).
فكيف عرف الشيخ ذلك؟
وكان أيضا رحمه الله في بيته بين أهله وأبناءه يقضي حاجاتهم في الغالب وطلباتهم بنفسه مع السائق، حتى أبناءه الصغار الذين يسكنون معه في البيت معن وإياد وأخواتهما حفظهم الله كان يخرج بنفسه مع السائق ليوصلهم إلى ما يريدون.
طرقت عليه رحمه الله الباب يوما من الأيام ففتح لي فإذا في يديه شيئ من الأسمنت فقال لي (تعال معي)، فذهبت معه إلى داخل البيت فوجدته رحمه الله يبني حوضا لمكان الوضوء، وكأنك ترى معي "خلطة" الأسمنت حوضا من الماء وعليها شيئ من التراب كأنها فعلة أحد المبصرين، فجلست أنظر إليه وهو يبني، فقلت له رحمه الله: أنت من يبني يا شيخ ؟ فقال مازحا: (وهل تظن أنني لا أبصر ؟).
ومرة قال لي: (تعال معي أريد أن أبني عتبة صغيرة على باب المسجد فقد آذانا التراب في نزوحه إلى الفراش)، فذهبت معه وكان قد جهز الأسمنت والتراب والماء والبلوك، فقام بالخلطة على أحسن ما يقام بها حتى بنى رحمه الله العتبة.
وجئته رحمه الله مرة فأدخلني مطبخ البيت فوجدت أدوات السباكة على مغسلة المطبخ فظننت أن عاملا في بيته يصلح شيئا ما، فقال لي: (امسك هذا)، وأعطاني "أبو جلمبو"، وقال: (أدر هذا، فقد أنهكني)، فكان "خلاط" الماء تصدأ وأراد تغييره وقد خلعه من مكانه، فكان يحاول رحمه الله أن يركب الجديد، فلما أردت تركيبه، قال: (انتبه أن تكسره)، فلما بدأت بالإدارة قال – مازحا -: (هات عنك أخشى أن تخرب علينا "سِنة" الخلاط)، فأخذه وداره بنفسه رحمه الله حتى ركبه في مكانه.
وجئته يوما من الأيام في يوم شاتٍ ولما طرقت الباب وفتح لي قال: الحقني فتبعته كأنني خلف مبصر حتى أوقفني على "سخانة" دورة المياه وكان رحمه الله يريد أن يزن حرارة الماء ولم أكن أعلم حينها أن للسخانة ميزاناً للحرارة، قلت له: إيش تعمل يا شيخ ؟ قال: (أريد أن أزيد من حرارة التسخين)، قلت له: وهل لها ميزان ؟ قال: (نعم أنظر هنا)، وأشار إلى أسفل السخانة عند المفتاح، وقال: (هذه الجهة تزيد وهذه الجهة تُنقص)، ثم أكمل ما يريده حتى انتهى.
وكان رحمه الله له جلسته في خيمته كل مغرب يشرب القهوة وتقرأ له الأخبار كما ذكر سابقا، وكان بعض أبنائه الكبار يقومون بطهي القهوة فإذا لم يوجد أحدهم قام بها أخوه محمد حفظهم الله فإذا غاب طبخها الشيخ بنفسه، فتراه يقوم بها على الطريقة القديمة على طريقة المحماس والمحراك بعد أن يوقد بالحطب بنفسه.
وكان رحمه الله منضبطا في توقيت طعامه وشرابه، فلا يدخل طعاما على طعام، ولا يأكل كل ما اشتهاه، وكان بعض الضيوف يأتونه في أوقات لم يكن وقتها وقت طعام فكان يقدم لهم بعض الشيء فلا يتقدم معهم.
أما مزرعته:
فكان الشيخ رحمه الله يقول: (لقد كنت أعمل مع أبي في الحقل بما أقدر عليه وكنت ألقح النخل وأصلح الزرع)، فكان الشيخ رحمه الله مزارعا متقنا، وكان يعرف أماكن النخيل بأنواعها في مزرعته، فتجده يشير عند حديثه عنها إلى النخلة التي يريد أن يتكلم عنها فيقول مثلا: نخلة "السكري" هذه - ويشير إليها بيده - أو "نبتة عقلاء" هذه - يشير إليها - وكنت لما آتي إليه ويريد أن يذهب إلى المزرعة يسير أمامي دون قائد بين النخيل والأشجار ذات الأشواك التي يدفعها بيديه، وكانت الأشواك تصيبه فلا يكترث لها، وترى مسير قدميه ظاهرا قد أكلت قدميه بعض أعشاب الأرض من كثرة مروره في ذلك الطريق.
زرته في بيته فقيل هو في المزرعة، وكانت بيت الشيخ في مزرعته، فذهبت أبحث عنه فيها فجعلت أنادي الشيخ.. فلما أجاب فإذا هو في أعلى إحدى النخلات يقوم بتلقيحها، وكانت النخلة على ارتفاع ما يقارب الأربعة أمتار وقد صعد إليها دون ما يسميه الفلاحون عندنا بـ "الْكَرْ" وهو الحبل الذي يُصعد عليه للنخل، والشيخ في ذلك الوقت تجاوز السبعين رحمه الله.
حدثني رحمه الله قائلا: (لما كنت صغيرا كان الصغار من أصدقائي يطلبون مني أن أبين ما أصابه اللون مما لم يصبه من ثمار النخل وكنت حينها قد كف بصري، فكنت أدخل يدي بين الأعذاق وأخرج المتلون منها).
أبناؤه رحمه الله:
للشيخ رحمه الله ثلاث وعشرون ولدا وبنتا، أحد عشر ابنا واثنتي عشرة ابنة، فكان رحمه الله يهتم بهم اهتماما بالغا، في ملبسهم ومأكلهم وفي أحوالهم الخاصة، حتى كان رحمه الله يختار لهم أجمل الأسماء وأحسنها، فتجد أسماء أبنائه عبد الله وأديب و عبد الحكيم وعزيز والمثنى وطارق وإبراهيم ووليد ولؤي وإياد ومعن، وحتى بناته رحمه الله كان يتخير لهن أحسن الأسماء وأجملها بل أكثرهن بأسماء الصحابيات، وله أيضا خمسة أبناء غير هؤلاء وقد توفوا - جعلهم الله لأهلهم من الشفعاء - وهم مسلمة وإياس ويزيد وخالد وأحمد.
وكان رحمه الله يتابع الصغار منهم ممن يسكن معه في بيته في الصلاة والصيام وغير ذلك، فكان إذا انتهى من صلاته قال أحاضر فلان و فلان يعني أبناءه الصغار ؟ وكان يدرسهم بنفسه، وكان مع كبر سنه وفقده بصره يذهب بهم بنفسه إلى المصحات عند الحاجة، ويتابع معهم العلاج، فرحمه الله وجزاه عنهم خير الجزاء.
وفاته رحمه الله:
توفي فضيلة الشيخ العالم المجاهد حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله وقد لازمته لعدة سنوات، فكان الشيخ المعلم، والأب الحاني، والأخ البار، والصديق الناصح.
كان الشيخ رحمه الله يعاني من ضعف في عضلة القلب وكان يزداد تعبه منها عندما يسمع بازدياد مساوئ المسلمين، في يوم الجمعة في 4 / 11 / 1422 هـ سقط رحمه الله في بيته بين أبنائه وأحبابه قبل آذان المغرب بدقائق فقد كان عنده الشيخ إبراهيم الجارالله وأخو الشيخ محمد وابنه عزيز وإبراهيم فأخذَ إلى المستشفى التخصصي ببريدة، وقد اتضح أن الشيخ قد أصيب بجلطة في قلبه، فاجتمع حوله قريبا من عشرة أطباء فحاولوا تنشيط قلبه بصعقات الكهرباء، ولما كانوا يجرون عليه ذلك كنت انظر إلى رجليه ويديه رحمه الله ترتفعان عن مستوى السرير قريبا من نصف متر من شدة الصعق، وكانوا يعيدون ذلك عليه عدة مرات، وكان وهو في تلك الحالة وهو فاقد لوعيه يرفع سبابته بين الفينة والأخرى، وكان يتحسن قليلا ثم يرجع إلى حالته وهو فاقد لوعيه، كل هذا من بعد المغرب حتى قريب الساعة العاشرة والنصف ليلا، ولما تحسن قليلا أدخل رحمه الله العناية المركزة، فجلس ساعة ونصف ساعة تقريبا ثم توفي رحمه الله، ثم دخلنا مع فضيلة الشيخ علي الخضير إلى غرفة العناية المركزة لرؤية الشيخ بعد وفاته وقد وجدناه رحمه الله نظر الوجه مبتسما.
وفي ظهيرة يوم السبت جاءت الجموع لتغسيل الشيخ وتكفينه،فدخل فضيلة الشيخ علي الخضير وأخو الشيخ محمد وابن الشيخ إبراهيم وآخر غيرهم وقاموا بتغسيله، فلما انتهوا من تغسيله دخلنا لتقبيله رحمه الله، فلما أردنا وضعه على النعش وقد ظننا أنه جامد الأعضاء رأينا كيف انحنى جسمه رحمه الله كأنه مات تلك اللحظة، فحمل إلى جامع الخليج وصلي عليه العصر وتبع جنازته من الناس عشرات الآلاف بل قيل إنهم قريب من عشرين ألفاً أو يزيدون، في مشهد عظيم لم يعرف له مثل في بلاد القصيم، كما حكا لنا بعض الأشياخ الكبار الذين شهدوا جنازته رحمه الله.
ورأى الناس كثرة الجالية المسلمة الذين حضروا الجنازة خاصة من الباكستانيين والهنود والخليجيين فتذكرت مقولة الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين قال لبعض أهل البدع: (موعدنا يوم الجنائز)، وقد حضر للصلاة عليه جموع من العلماء والدعاة والمخلصين من جميع أنحاء الجزيرة ومن الخليج، حتى أبناءه لم يستطيعوا أن يقتربوا من جنازة والدهم ليشاركوا الأمة في دفنه من شدة التزاحم عليها، ثم وضعت جنازته ليصلي عليها قبل دفنها من لم يصلي عليها في المسجد، فجاءت الجموع تلو الجموع بالعشرات بل بالمئات.
ولما أرادوا دفنه رحمه الله رأى الجميع دم الشيخ ينزف كأنه الساعة توفي وكان قد فتح له الوريد بالأمس في المستشفى للقسطرة، ثم دفن رحمه الله، وقد تتابع المسلمون بعد دفنه للصلاة عليه ممن لم يصل عليه منهم قريبا من الشهر بل أكثر.
وفقدت الأمة بموته عالما مجاهدا صادعا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، وما أصدق ما قاله الشاعر فيه:
مات الإمام وما ماتت مواقفه والفكر يبقى إذا ما غابت الصور
وقد كتب بعض مرضى القلوب من السفهاء وغيرهم في الشيخ رحمه الله بعد وفاته – وقد خافوه في حياته - في بعض الصحف المنبوذة بعض الأكاذيب والاختلاقات وتصدى لهم مجموعة من المشايخ وطلبة العلم بالرد والتكذيب، ففندوا ما قالوه في الشيخ وبينوا زيف مقالهم.
نسأل الله بمنه وقدرته أن يغفر لوالدنا و شيخنا العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي وأن يجزل له المثوبة وأن يسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يأجرنا في مصابنا بفقده وأن يخلف على الأمة بإمام صادع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
منقووووووووووووول