المتنبي لقب عرف به الشاعر العربي أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي
( ابن خلكان : وفيات ، القاهرة 1310هـ ، جـ1، ص 36 ؛ وفي هذا الكتاب سلسلتا نسب للمتنبي لا تتفق إحداهما مع الأخرى ، ترفعانه إلى جده الأعلى ) .
ولد بالكوفة عام 303هـ ( 915م ) في كندة ومن ثم كانت نسبة الكندي التي يعرف بها أحياناً .
وقد زعمت أسرته في ظروف عصيبة أنها تنتمي إلى عشيرة "جعف" اليمانية . وكان شاعرنا يؤمن طوال حياته بتفوق عرب الجنوب على عرب الشمال .
( الواحدي : شرح ديوان المتنبي ، طبعة ديتريصي Deitrici ، ص 48 – 49، اليازجي : العرف الطيب ، ص 29)
وتلقى المتنبي دروسه الأولى في مسقط رأسه ، وسرعان ما امتاز بذكائه الوقاد وحافظته القوية ، كما ظهرت موهبته الشعرية مبكرة .
ووقع حينذاك تحت تأثير الشيعة ، وربما تحت تأثير الزيدية منهم ،
(عبد القادر البغدادي : خزانه، جـ1 ، ص 382 ، س 12) فأثر هذا في تطور فلسفته ( سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد )
كما ساعدت الظروف أيضاً على سرعة تطور عقيدته الدينية . وليس من شك في أن أبا الطيب المتنبي فر في أواخر عام 312هـ ( 924م ) من وجه القرامطة الذين استولوا على الكوفة وأعملوا فيها النهب ، وعاش مع أسرته مدة عامين ( السمعاني : الأنساب ، ص 506ب ، س 24؛ البديعي : الصبح المنبي ، جـ1، ص 6) في سماوة وهي الإقليم الواقع بين سواد الكوفة في الشرق وتدمر في الغرب.
ولقد هذب دعاة القرامطة من شأن بني كلب الذين كانوا يعيشون عيشة البدو في سهوب تلك الصحراء .
ومن المحتمل أن يكون هذا الشاعر الشاب قد اتصل في ذلك الوقت ببعض هؤلاء بالزنادقة ، إلا أنه من المرجح أيضاً أن هذا الاتصال لم يترك أثراً واضحاً في حياته لحداثة سنه .
ومن المحقق من جهة أخرى أن إقامة أبي الطيب بين هؤلاء البدو قد أكسبته معرفة واسعة باللغة العربية كثيراً ما فاخر بها فيما بعد .
واتصل المتنبي بكافور الأخشيدي وحياته في هذا الوقت تكشف لنا عن الضرورات التي كان يخضع لها شعراء القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ). فاضطر أبو الطيب ، وقد حرم من الاستقلال المعنوي والمادي ، أن يمدح ملكاً لم يكن يحمل له في قرارة نفسه إلا كل احتقار .
ومدائحه في هذا الرجل تظهرنا بجلاء على أسفه لفقدان رضا سيف الدولة ؛ وهي قصائد مفتعلة بعض الشيء ، فيها ما يمس كافوراً ( البديعي، جـ1، ص 125- 126).
وربما كان الشاعر قد رأى أن يعلى من قدر كافور ، لأن هذا قد وعده بولاية صيدا ( البديعي، جـ1، 115) فلما لم تتحقق وعوده حاول أن ينال الحظوة عند قائد إخشيدي آخر هو أبو شجاع فاتك ( البديعي، جـ1، ص131- 132) ولكنه توفي عام 350هـ (960 م ) ولما تزل العلاقات متوترة بين المتنبي وكافور ، ولذلك فقد صمم أبو الطيب مرة أخرى على الفرار ؛ وفي يوم عيد الأضحى من هذا العام بعد أن كتب هجاء في كافور ترك الفسطاط خفية وعبر بلاد العرب بعد أن قاسى المحن والأهوال .
وقال في هذه القصيده:
عيــدٌ بِأيَّـةِ حـالٍ عُـدتَ يـا عِيـدُ = بِمــا مَضَـى أَم لأَمْـرٍ فِيـكَ تجـدِيدُ
أَمــا الأَحِبــةُ فــالبَيَداءُ دُونَهُــمُ = فَلَيــتَ دُونَــكَ بَيْــدًا دونَهـا بِيـدُ
لَـولا العُـلَى لـم تجِبْ بِي ما أَجُوبُ بِها = وَجنــاءُ حَـرْفٌ وَلا جَـرْداءُ قَيـدُودُ
وَكــانَ أطْيَـبَ مِـنْ سـيفِي مَعانَقَـةً = أَشْــباهُ رَونَقــه الغِيــدُ الأَمــالِيدُ
لـم يَـتْرُكِ الدَهْـرُ مِـنْ قَلبي وَلا كَبِدي = شَـــيْئاً تُتَيِّمــهُ عَيْــنٌ وَلا جِــيدُ
يــا ســاقِييَّ أَخَـمرٌ فـي كُؤوسِـكما = أم فــي كُؤُوسِــكُما هَــمٌّ وتَسْـهِيدُ
أَصَخْــرَةُ أَنـا مـا لـي لا تُحِـرِّكُني = هــذي المُــدامُ وَلا هـذي الأَغـارَيدُ
إذا أَرَدْتُ كُــمَيْتَ اللَّــوْنِ صافِيَــةً = وَجَدْتُهـــا وحَــبِيبُ النَفْسِ مَفقُــودُ
مــاذا لَقِيْــتُ مِـنَ الدُنْيـا وأَعْجَبُـهُ = أَنِّــي بِمـا أَنـا شـاكٍ مِنْـهُ مَحسُـودُ
أَمْسَــيْتُ أَرْوَحَ مُــثرٍ خازِنًـا ويَـدًا = أَنــا الغَنِــيُّ وأَمــوالِي المَواعِيـدُ
إِنّــي نَــزَلتُ بِكَــذابِينَ ضَيفُهُــمُ = عَـنِ القِـرَى وعَـنِ التَرحـالِ مِحـدُودُ
جُـودُ الرّجـالِ مـنَ الأَيْـدِي وَجُـودُهُمُ = مــنَ اللِسـانِ فَـلا كَـانُوا وَلا الجـوُدُ
مـا يَقبِـضُ المَـوتُ نَفسًـا مِن نفوسِهِمِ = إِلا وفــي يــدِهِ مِــن نَتَنِهـا عُـودُ
أكُلمــا اغْتَـالَ عَبـدُ السُـوءِ سـيدَهُ = أَو خانَــه فَلَــهُ فـي مصـرَ تَمهيـدُ
صــار الخَـصِي إِمـام الآبِقيـن بِهـا = فــالحُر مســتعبَد والعَبــدُ مَعبُـودُ
نـامَت نواطِـيرُ مِصـرٍ عَـن ثَعالِبِهـا = فقــد بَشِــمْنَ ومـا تَفْنـى العنـاقيدُ
العَبــد ليسَ لِحُــرٍّ صــالحٍ بــأخٍ = لَــو أنـهُ فـي ثيـابِ الحـرِّ مولـودُ
لا تشــتَرِ العَبــد إلا والعَصَـا معـهُ = إِن العَبِيـــدَ لأنجـــاسٌ مَنـــاكيدُ
مـا كُـنتُ أَحسَـبُني أَحيـا إلـى زَمَنٍ = يُسـيء بـي فيـهِ عَبـد وَهْـوَ مَحمودُ
وَلا تَــوهمتُ أَن النــاس قَـدْ فُقِـدُوا = وأًن مِثْــلَ أَبــي البيضـاءِ مَوجـودُ
وأَنَّ ذَا الأَسْــوَدَ المَثْقــوبَ مشْــفَرُهُ = تطِيعُــهُ ذي العَضــارِيطُ الرعـادِيدُ
جَوعـانُ يـأكلُ مِـن زادي ويُمِسـكُني = لِكَــي يُقـالَ عَظِيـمُ القـدرِ مَقصُـودُ
وَيلُمِّهـــا خُطَّــةً وَيلُــم قابلِهــا = لِمِثْلِهــا خُــلِقَ المهريَّــةُ القُــودُ
وعِندَهــا لَـذَّ طَعْـم المـوتِ شـارِبُهُ = إِن المَنِيَّـــةَ عِنْــدَ الــذُلّ قِنديــدُ
مَـن علَّـم الأسـودَ المَخْـصِيَّ مكرُمـة = أَقَومُــهُ البِيــضُ أَمْ آبــاؤهُ الصِيـدُ
أم أُذْنُــه فــي يـدِ النّخَّـاسِ دامِيـةً = أَم قَــدْرهُ وَهــوَ بِالفِلسَـيْنِ مَـردُودُ
أولَــى اللِئــام كُوَيفــيرٌ بِمَعــذِرَة = فـي كُـلِّ لُـؤْم وبَعـض العُـذْرِ تَفنِيـدُ
وَذاك أن الفحــولَ البِيــضَ عـاجِزَة = عـنِ الجَـميلِ فكَـيفَ الخِصْيَـةُ السُودُ
تحياتي
ابن زابن