السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقف اليوم مع شاعر: شاعر لم يغن مع الحمائم في الروض الأغنّ، ولم يَهِم مع السواقي في الوادي الضائع ، ولم يدلج مع النجم في الأسحار الندية بعطر الفجر ، ولم يتبع الشمس في العشايا السكرى بخمر الغروب ، ولم يرقب طيف الحبيب في الليالي التي تكتم أسرار الهوى شاعرية هذا الشاعر لم تنبثق إلا على سرير الموت ، وشفا المردى، على عتبة الدنيا خارجاً منها، وعتبة الآخرة داخلاً إليها. ولم تنبثق إلا بقصيدة واحدة، ولكنها كانت نفحة من عالم الخلود فخلد فيها. قصيدة وهبها للموت، إن تغنى له فيها، فوهب له الموت بها الحياة . كان شاعرنا يوما الى الجهاد في جيش سعيد بن عفان وبنما الجيش يحط رحاله في واد من الوديان في خراسان إذ بحية تتخفى في خف مالك بن الريب وتلسعه بسمها عندما إسيقظ فجرا للوضوء لصلاة الفجر فلما دنى أجله وأحس أنه هالك سطر شعرا يرثي نفسه فأبدع وكان أعظم من رثى نفسه
. ألم ترني بعت الضلالة بالهدى وأصبحت = فـي جيـش ابــن عـفـان غـازيـا
لعمري لئـن غالـت خراسـان هامتـي = لقد كنـت عـن بابـي خراسـان نائيـا
فلله درّي يــوم أتـــرك طـائـعـاً = بـنـيّ بأعـلـى الرقمتـيـن ومالـيـا
ودرّ الظـبـاء السانـحـات عـشـيـة = يخبِّـرن أنـي هالـك مــن ورائـيـا
ودرّ كبـيـريّ الـلـذيـن كـلاهـمـا = علـيّ شفيـق نـاصـح لــو نهانـيـا
تذكـرت مـن يبكـي علـيّ فلـم أجـد = سوى السيـف والرمـح الردينـيّ باكيـا
ولمـا تـراءت عنـد مــرو منيّـتـي = وخـلَّ بهـا جسمـي وحانـت وفاتـيـا
أقـول لأصحابـي: ارفعونـي فإنـنـي = يقـرّ لعينـي أن سُهـيـلٌ بــدا لـيـا
فيا صاحبي رحلي دنـا المـوتُ فانـزلا = برابـيـة ؛ إنــي مـقـيـم ليـالـيـا
أقيمـا علـي اليـوم أو بعـض ليـلـة = ولا تعجلانـي ؛ وقـد تبيّـن مـا بـيـا
وقومـا إذا مـا استُـلّ روحـي وهيئـا = لـي السَّـدر والاكفـان ثـم ابكيـا ليـا
وخطّـا بأطـراف الأسنّـة مَضْجَـعـي = ورُدّا علـى عينـي فـضْـلَ ردائـيـا
ولا تحسدانـي بـارك الله فيكمـا مــن = الأرض ذات العـرض أن توسعـا لـيـا
خذانـي فجـرانـي بـبُـردي إليكـمـا = فقـد كنـت قبـل اليـوم صعبـاً قياديـا
غـداة غـد يالَهْـف نفسـي علـى غـد = إذا أدلجـوا عـنـي وخُلّـفـت ثـاويـا
وأصبـح مالـي مـن طريـف وتـالـد = لغيـري وكـان المـال بالأمـس ماليـا
بأنـكـمـا خَلّفتُـمـانـي بِـقَـفْــرَةٍ = تهيـل علـيّ الريـحُ فيهـا السوافـيـا
ولا تنـسـيـا عـهــدي خـلـيـلـيّ = إنني تَقَطّـعُ أوصالـي وتبلـى عظاميـا
فلـن يعـدم الوالـون بيـتـاً يُجنُّـنـي = ولـن يعـدم الميـراث منـي الموالـيـا
إذا مـت فاعتـادي القـبـور فسلـمـي = علـى الرّيـم أسقيـتِ الغمـام الغواديـا
أقلِّـب طرْفـي فـوق رحلـي فـلا أرى = بـه مـن عيـون المؤنسـات مراعيـا
وبالـرمـل مـنـا نـسـوة شَهِدنـنـي = بكَيـن يفَـديـنَ الطبـيـب المـداويـا
فمنهـن أمــي وابنتـاهـا وخالـتـي = وباكـيـة أخــرى تهـيـج البواكـيـا
وما كـان عهـد الرّمـل منـي وأهلـه = ذميمـا ولا بالرمـل ودّعــتُ قالـيـا