حدّث أبو حسان الزيادي قال: ألمت بي ضائقةٌ بلغت الغاية، حتى ألحّ عليّ القصّاب والبقّال والخبّاز وسائر المعاملين ولم تبق لي حيلة لسداد الدين. فإني ليوما على هذا الحال، وأنا مفكر في الحيلة، إذ دخل عليّ الغلام فقال: رجل خراساني بالباب يستأذن. فقلت له: ائذن له. فدخل الخراساني فسلّم، ثم قال: ألست أبا حسان؟ قلت: نعم، فما حاجتُك؟ قال: أنا رجل غريب وأريد الحج، ومعي عشرة آلاف درهم، وأريد أن أودعها عندك إلى أن أقضي حجي وأرجع. فقلت: هاتها. فأحضرها وخرج بعد أن وزنها وخَتَمها. فلما خرج فككت الخاتم، ثم أحضرت المعاملين فقضيتُ كل ما كان له عليّ دين، واتسعتُ وأنفقتُ، وقلت: أضمن هذا المال للخراساني، وإلى أن يجيء يكون الله قد أتى بفرج من عنده. فلما أصبحتُ من غد ذلك اليوم، دخل إليّ الغلام فقال : الخراساني بالباب يستأذن. فقلت ائذن له. فدخل فقال: كنتُ عازما على ما أعلمتُك، ثم وَرَدَ عليّ الخبر بوفاة والدي، وقد عزمت على الرجوع إلى بلدي. فتأمر لي بالمال الذي أعطيتُك أمس! فَوَرَدَ عليّ أمرٌ لم يرد عليّ مثله قط، وتحيّرتُ فلم أدر بما أجيبه، وفكّرت: ماذا أقول للرجل؟ ثم قلت له: نعم، عافاك الله، ولكن منزلي هذا ليس بالحريز، ولما أخذتُ مالك أودعته في مكان آخر. فعُدْ إليّ في غدٍ لتأخذه. فانصرف، وبقيت متحيرا لا أدري ما أعمل. إن جَحَدْتُه وأنكرت أخذ المال كانت الفضيحة في الدنيا والآخرة. وأدركني الليل فلم يأخذني النوم ولا قدرت على الغمض لتفكيري في بكور الخرساني إليّ. فقمت إلى الغلام فقلت: أسرج البغلة. فقال: يامولاي، هذه العتمةُ بعد، وما مضى من الليل شيء ، فإلى أين تمضي؟ فرجعت إلى فراشي فإذا النوم ممتنع. فلم أزل أقوم إلى الغلام وهو يردّني إلى الفراش حتى فعلت ذلك ثلاث مرات وأنا لا يأخذني القرار. وطلع الفجر، وأسرج البغلة وركبت، وأنا لا أدري أين أتوجه. وطرحتُ عنان البغلة وأقبلتُ أفكر وهي تسير، حتى بلغتُ الجسر، فإذا البغلة تعدل إليه فتعبُرُه. قلت في نفسي إلى أين أعبر؟ وإلى أين أمضي؟ ولكن إن رجعتُ وجدتُ الخراساني على بابي. فلأدعها تمضي حيث شاءت! ومضت البغلة، فلما عَبَرَتْ الجسر أخَذَتْ بي يُمْنَةً ناحية دار المأمون، فلما قاربتْ دار المأمون والدنيا بعد مظلمة، إذا فارسٌ يقابلني، ثم إذا هو ينظر في وجهي، ثم يسير ويتركني، ثم يرجع إليّ ويقول: ألست بأبي حسان الزيادي؟ قلت: بلى. قال: الأمير الحسن بن سهل يطلبك. قلت في نفسي: وما يريد الحسن بن سهل مني ؟ فسرت معه حتى صرنا إلى بابه، واستأذن لي عليه فدخلت فقال لي: أبا حسان! ما خبرك؟ ولم انقطعت عنا؟ ومضيتُ أعتذر فقال: دع هذا فإني أراك في لوثة أو في أمر عسير، فما هو؟ فشرحت له قصتي من أولها إلى أن لقيني الفارس وأدخلني عليه. فقال: لا يغُمُّك الله يا أبا حسان. قد فرّج الله عنك. هذه بدرة للخراساني في مكان بدرته، وبدرة أخرى لك تتسع بها، وإذا نَفَذَتْ أعْلِمْنا!
من كتاب "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي.