اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > المنتديات الـعامــه > :: مـنتدى السـوالـف الـعامــة ::

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18-08-2008, 12:50 PM
AgMi.cOm AgMi.cOm غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: Among The Ribs
المشاركات: 1,303
رحلتي في الصحراء الجنوبية ودرس في الخشونة

كانت خيمتنا منصوبة في العراء..وكانت بصراحة أول تجربه لي اخرج في رحلة من هذا النوع..أحمل زمزميه على ظهري وأنام على سرير سفري وامشي في وهج الظهيرة في الرمل وفي التراب..أتناول غذائي من التمر والخبز الجاف مع علب الجبن و التونة..بدون الماء المثلج وزجاجات الصودا..وبدون فنجال في المرديان..وبدون الاسترخاء السعيد بعد الحمام الساخن في البيت أمام التلفزيون 30 بوصة..

كان الاسترخاء هذه المرة على ارض مغطاة بالشوك مرصعة بالحصى معطرة بالتراب..والماء الوحيد الممكن الحصول عليه هو ماء مالح من بئر إردوازية

الثوب الوحيد إلي البسه من القماش الأبيض الذي تستطيع أن تشاهد خريطة أي دولة مرسومة عليه..الله يجازي الشيطـــــــان

والشيطان هنا هو صاحبي الذي زين لي هذه الحماقة وظل يغريني بها حتى اقتنعت..اقتنعت بأني رجل رخو أمارس حياة بليدة مرهفة لا تختلف عن حياة النساء المترفات..عيشة نواعمي..تنقصها الخشونة والرجولة..

وكنت انظر إلى صاحبي هذا وهو جالس على باب الخيمة يأكل تين..وأرقبه وهو يلتقط التين ويأكله بترابه وطينه فأشعر بالاشمئزاز من هذه القذارة التي يسميها خشونة..وأحاول ان ألفت نظره الى الميكروبات التي يبتلعها بالملايين مع كل قضمة من هذا التين او الطين .. فيرد علي وهو ويبتسم (:

وشفيه الطين ؟؟ !! النبات عايش على الطين..الورد يفطر ويتغذى ويتعشى طين..الحصان الرشيق يفطر حشيش بالطين..ونت بكبرك مخلوق من طين..

واستمر في حديثه مع الابتسامة قائلا :

تدري الحيوانات هذي وش تسوي في الميكروبات إلي تبلعها مع اكلها ..

فقلت بغباء : لاا

قال : في معدتها أحماض تذوب كل الميكروبات وتتغذى عليها..الحياة لها ألف حيلة..المعقمين المحنطين اللي زيك..إلي يأكلون مطهرات وبرافازات يعطلون حافز الحياة في أجسامهم والنتيجة انهم يمرضون وتفقد أجسامهم عنصر الكفاح..

اسمع نصيحتي ..كل طين..أنا جايبك اليوم عشان تاكل طين !!

الله يجازي الــشيطان وسميت وأكلت التين أو الطين .

ورأيته ينزع الخيمة ويجمع المعدات ويحمل المؤونة على ظهره ويذهب الى السيارة الجيب..فاستبشرت خيراً بأننا عائدان الى المدينة في النهاية بعد هذا اليوم القاسي ..ولكني رأيته يدير عجلة القيادة الى اتجاه آخر ويدوس على البنزين لينطلق بالجيب في طريق طويل ومتعرج..وبعد ساعة كنا ندخل في طريق صحراوي ونترك الوادي بألوانه الخضراء وراء ظهرنا..


سألته : أنت وين مودينا ؟
قال : أبغى أطلعك على الواحات

واحات مين الله يهديك..فيه احد يروح الواحات في ذا الحر..

وتشبثت بيده أحاول ان اثنيه ولكنه كان يزداد عنادا كلما حاولت مقاومته..واستسلمت في بؤس وأنا اعزي نفسي بأني اكتسب خشونة وأنبه حافز الحياة الخ الخ الخ

ولكني كنت غير مقتنع بقصة حافز الحياة ذي..لأني قلت بعد لحضات :

- نفرض مثلا ان السيارة غرزت في ذا الرمل الناعم ..وش بنسوي ؟

قال : المفروض انها تغرز..وش الفرق بيننا والتلاميذ الي طالعين في رحلة مدرسية..اذا السيارة ماغرزت..منين نكسب وتتربى فينا روح المغامرة..اذا كنا بنطلع رحلة ونرجع زي مارحنا كأنك رايح نادي كل يوم وش الفايدة وش اكتسبنا..

كانت الشمس عمودية..والرمال من حولنا تمج اللهب..والطريق أمامنا وخلفنا يبدو خالياً تماماً من أي مخلوق..والصحراء المترامية على الجانبين ليس فيها شجرة او حيوان او خيمة او أي اثر للحياة..بيداء جرداء تشويها الشمس..وكان صاحبي مازال يتحدث عن حافز الحياة..وأنا لا أرى أمامي ذرة حياة..وحلقي جاف ولا أجد القوة لأرد عليه..

وأكمل :

الحياة مش في الراحة والأمان..يا ما بتشبع راحة إذا مت..ساعتها بترتاح على جنبك مايتحرك فيك شعره بدال السنة ألف..الحياة مش راحة الحياة تعب وأخطار ومغامرة ومجازفة ..

كلام معقول..لكن الحر أقوى من أي معقول..والصداع الذي يدق رأسي..والعرق والوهج الذي يعمي العين..وأجفاني التي بدأت تثقل..كل هذا كان يجعلني لا افهم شيئاً..وألعن اليوم الذي سلمت فيه قيادى لهذا المجنون..مغامرة ايش واخطاء مين..أنا وش لي في الشقاء ..وش بستفيد من الخشونة ذي..

وكنت أشعر بالندم لهذه الفطنة التي جاءت بعد أوانها..فلم يعد هناك حل..المسافة بيننا وبين المدينة طالت وأصبحت مايقارب ستمائة كيلو..وأصبح طريق العودة يكلفنا جهد أكبر..لا يوجد حل..أمري لله..

مضت عشرون ساعة على مغادرتنا المدينة..خلفنا في أسفار متواصلة..وكنت استعرض في ذهني كل قصص الرحالة الذين تاهو في الصحراء وماتوا من العطش وأكلتهم الذئاب..وأتخيل لــنفسي هذه النهاية التعيسة..

من يدري بأن صاحبي يسير في الطريق الصحيح وأنه لم يضل..والطريق المتعرج الذي لا ينتهي يؤكد لي هذه الظنون..لا أثر لكشك مرور على الأفق..أو إشارة..أو علامة..أو سهم يشير إلى أي مكان على الأرض..

لا يمكن أن يكون هذا الطريق المهجور مؤديا إلى شئ ...!!

.......
يتبع

__________________
PARADOX
I have to run like a fugitive
Just to0o safe the life I live

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18-08-2008, 01:29 PM
انتحار انتحار غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 5,013

وكانك برحلتك الى البريه تذكرني باحدهم عندما تملكته لحضه "غباوه" اثناء مشاهدته لفيلم
300 محارب ورغبته برمي فلذة كبده ..ليعسكر نفسه
للبقاء حيا ظناً منه ..انها الوسيله بامكانها ان تكون انطلاقه لمستقبله ليكتسب جلاده وصلابه
نسي ان صحرائنها الصفراء ليست سوا
محميات بشر عن بشر ..وكسارات من صنع اعداء لابد من صداقتهم بد
وشي اخر
نسي ان الجلاده والصلابه
لاتدفع قسط العربيه ..وفاتورة الموبايل
قلت لك
لحضة غباوه
..
بانتظار البقيه

__________________

يوزر متقاعد

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-08-2008, 01:37 PM
كنتـ هايم ـرول كنتـ هايم ـرول غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
الدولة: في راس مزموم رقيته لحالي
المشاركات: 2,170

اشكرك ياعجمي كووم ..وبانتظار البقيه ..

__________________




في عالم لايمكنكـ ادرااكهـ .. لاحل سوى متاابعة الركض





صديقكـ الحقيقي يعطيك اسم امـــه .: ويليام شكسبيرـر

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-08-2008, 08:44 PM
الصورة الرمزية عبـق أجدادي
عبـق أجدادي عبـق أجدادي غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة: على تُرُب الثقافة ..!
المشاركات: 4,484

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



العجمـي دوت كـوم


حيـاك اللـه وبياكـ يالخشــن


...


أسلـوب سرد مشوق بمفرداتـه .. غائر بمعانيـه .. نحتاج لمعاويل من الإدراك لاستخلاص مايريد

صاحبـ المقال .. وإن كان يرمز لزهـده في بحبـوحة المـدن .. حاجا ً وملبيا ً بجوارحـه إلى شظـف

العيش في الجزء اللاشمـالي من صحرائنا القاحلـة


.
.

قضى اللـه على عباده حياة ً دنيويـه وحيـدة .. لـذا أشتهي تقطيع عمري بين جنبات أسوار المدنيـة

عوضـا ًعن أرض ٍ أحيا بها وحيــدا ً وأموت كذلكــ


...


نكشـة إلكـترونية

مـاذكر أعلاه يعبـر فقـط عن وجهة نظـر" قلبـ " الكاتبـ لا " عقلــه "


بانتظــار محطتكـ القادمــة

__________________

.





قال لزوجته : اسكتي ..!
وقال لإبنه : ( انكتم )
صوتُكمَا يَجعلُني مُشوّش ( التّفكير ) ..!


لا تَنبسَا بـ ( كَلمَه )
أريدُ أن أكتُب عنْ ( حرّية التّعبيرْ ) ..!




.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18-08-2008, 08:46 PM
سالم بن فراس سالم بن فراس غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2006
الدولة: في ارض الله الواسعه ,,,!
المشاركات: 4,542

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,



الله يعطيك العافيه على الرحله الجميله


وبنتظار المزيد


ولا هنت

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 19-08-2008, 12:26 AM
ذيـ يام ـب ذيـ يام ـب غير متواجد حالياً
 عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: قــــطــــر
المشاركات: 977

يعطيك الف عافيه

بانتظار القاااادم

وتقبل مروووري

وتحياتي واشواقي

__________________

وإذا لقيتك لا تسل عن حالتي
فملامحي في الشوق خير بياني
للدمع والليل الطويل تركتني
وتقول لي في البعد ما اضناني
عجبا لأمرك كيف عن حالي تسل
أولم تكن في الهجر من أرداني
عجبا لأمر العاشقين لما أرى
لا يكره المجني عليه الجاني
دع عنك ما قد فات وإسمع ما يلي
فالعمر مهما طال طول فاني
داوي المسامع بالكلام وداوني
بالوصل إن فراقنا أعياني

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19-08-2008, 02:07 AM
..العجمي.. ..العجمي.. غير متواجد حالياً
 عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
المشاركات: 122

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





شكراً لك اخي الكريم على هذا المقال




وتقبل المروووووووووور

__________________
[img][/img]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19-08-2008, 03:08 PM
AgMi.cOm AgMi.cOm غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: Among The Ribs
المشاركات: 1,303

انتحار,كنترول,عبق اجداي,الضاعني،ذيب يام,العجمي

استعجلت اكمال المقال لأجل عيونكم ومنتظر ردودكم

تحياتي

__________________
PARADOX
I have to run like a fugitive
Just to0o safe the life I live

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 19-08-2008, 03:09 PM
AgMi.cOm AgMi.cOm غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: Among The Ribs
المشاركات: 1,303
المقال كامل

كانت خيمتنا منصوبة في العراء..وكانت بصراحة أول تجربه لي اخرج في رحلة من هذا النوع..أحمل زمزميه على ظهري وأنام على سرير سفري وامشي في وهج الظهيرة في الرمل وفي التراب..أتناول غذائي من التمر والخبز الجاف مع علب الجبن و التونة..بدون الماء المثلج وزجاجات الصودا..وبدون فنجال في المرديان..وبدون الاسترخاء السعيد بعد الحمام الساخن في البيت أمام التلفزيون 30 بوصة..

كان الاسترخاء هذه المرة على ارض مغطاة بالشوك مرصعة بالحصى معطرة بالتراب..والماء الوحيد الممكن الحصول عليه هو ماء مالح من بئر إردوازية

الثوب الوحيد إلي البسه من القماش الأبيض الذي تستطيع أن تشاهد خريطة أي دولة مرسومة عليه..الله يجازي الشيطـــــــان

والشيطان هنا هو صاحبي الذي زين لي هذه الحماقة وظل يغريني بها حتى اقتنعت..اقتنعت بأني رجل رخو أمارس حياة بليدة مرهفة لا تختلف عن حياة النساء المترفات..عيشة نواعمي..تنقصها الخشونة والرجولة..

وكنت انظر إلى صاحبي هذا وهو جالس على باب الخيمة يأكل تين..وأرقبه وهو يلتقط التين ويأكله بترابه وطينه فأشعر بالاشمئزاز من هذه القذارة التي يسميها خشونة..وأحاول ان ألفت نظره الى الميكروبات التي يبتلعها بالملايين مع كل قضمة من هذا التين او الطين .. فيرد علي وهو ويبتسم (:

وشفيه الطين ؟؟ !! النبات عايش على الطين..الورد يفطر ويتغذى ويتعشى طين..الحصان الرشيق يفطر حشيش بالطين..ونت بكبرك مخلوق من طين..

واستمر في حديثه مع الابتسامة قائلا :

تدري الحيوانات هذي وش تسوي في الميكروبات إلي تبلعها مع اكلها ..

فقلت بغباء : لاا

قال : في معدتها أحماض تذوب كل الميكروبات وتتغذى عليها..الحياة لها ألف حيلة..المعقمين المحنطين اللي زيك..إلي يأكلون مطهرات وبرافازات يعطلون حافز الحياة في أجسامهم والنتيجة انهم يمرضون وتفقد أجسامهم عنصر الكفاح..

اسمع نصيحتي ..كل طين..أنا جايبك اليوم عشان تاكل طين !!

الله يجازي الــشيطان وسميت وأكلت التين أو الطين .

ورأيته ينزع الخيمة ويجمع المعدات ويحمل المؤونة على ظهره ويذهب الى السيارة الجيب..فاستبشرت خيراً بأننا عائدان الى المدينة في النهاية بعد هذا اليوم القاسي ..ولكني رأيته يدير عجلة القيادة الى اتجاه آخر ويدوس على البنزين لينطلق بالجيب في طريق طويل ومتعرج..وبعد ساعة كنا ندخل في طريق صحراوي ونترك الوادي بألوانه الخضراء وراء ظهرنا..


سألته : أنت وين مودينا ؟
قال : أبغى أطلعك على الواحات

واحات مين الله يهديك..فيه احد يروح الواحات في ذا الحر..

وتشبثت بيده أحاول ان اثنيه ولكنه كان يزداد عنادا كلما حاولت مقاومته..واستسلمت في بؤس وأنا اعزي نفسي بأني اكتسب خشونة وأنبه حافز الحياة الخ الخ الخ

ولكني كنت غير مقتنع بقصة حافز الحياة ذي..لأني قلت بعد لحضات :

- نفرض مثلا ان السيارة غرزت في ذا الرمل الناعم ..وش بنسوي ؟

قال : المفروض انها تغرز..وش الفرق بيننا والتلاميذ الي طالعين في رحلة مدرسية..اذا السيارة ماغرزت..منين نكسب وتتربى فينا روح المغامرة..اذا كنا بنطلع رحلة ونرجع زي مارحنا كأنك رايح نادي كل يوم وش الفايدة وش اكتسبنا..

كانت الشمس عمودية..والرمال من حولنا تمج اللهب..والطريق أمامنا وخلفنا يبدو خالياً تماماً من أي مخلوق..والصحراء المترامية على الجانبين ليس فيها شجرة او حيوان او خيمة او أي اثر للحياة..بيداء جرداء تشويها الشمس..وكان صاحبي مازال يتحدث عن حافز الحياة..وأنا لا أرى أمامي ذرة حياة..وحلقي جاف ولا أجد القوة لأرد عليه..

وأكمل :

الحياة مش في الراحة والأمان..يا ما بتشبع راحة إذا مت..ساعتها بترتاح على جنبك مايتحرك فيك شعره بدال السنة ألف..الحياة مش راحة الحياة تعب وأخطار ومغامرة ومجازفة ..

كلام معقول..لكن الحر أقوى من أي معقول..والصداع الذي يدق رأسي..والعرق والوهج الذي يعمي العين..وأجفاني التي بدأت تثقل..كل هذا كان يجعلني لا افهم شيئاً..وألعن اليوم الذي سلمت فيه قيادى لهذا المجنون..مغامرة ايش واخطاء مين..أنا وش لي في الشقاء ..وش بستفيد من الخشونة ذي..

وكنت أشعر بالندم لهذه الفطنة التي جاءت بعد أوانها..فلم يعد هناك حل..المسافة بيننا وبين المدينة طالت وأصبحت مايقارب ستمائة كيلو..وأصبح طريق العودة يكلفنا جهد أكبر..لا يوجد حل..أمري لله..

مضت عشرون ساعة على مغادرتنا المدينة..خلفنا في أسفار متواصلة..وكنت استعرض في ذهني كل قصص الرحالة الذين تاهو في الصحراء وماتوا من العطش وأكلتهم الذئاب..وأتخيل لــنفسي هذه النهاية التعيسة..

من يدري بأن صاحبي يسير في الطريق الصحيح وأنه لم يضل..والطريق المتعرج الذي لا ينتهي يؤكد لي هذه الظنون..لا أثر لكشك مرور على الأفق..أو إشارة..أو علامة..أو سهم يشير إلى أي مكان على الأرض..

لا يمكن أن يكون هذا الطريق المهجور مؤديا إلى شئ ...!!

وإذا انسدل علينا الظلام ونحن نخبط في هذا الخواء..ماذا نفعل..هل ننام في السيارة..
وإذا طالت الرحلة دون أن نعثر على واحة أو نبع ماء..
وإذا انتهت المؤونة وفرغ الزاد..
وإذا انفجرت اطارات المركبة..وهي لابُد منفجرة اذا استمر سيرنا بهذه السرعة على هذا الرمل الملتهب ساعة اخرى..

وأدرت بصري في الجهات الأربع باحثاً عن معالم المدينة..لا شي ولا حتى عمود اتصالات..خواء تام..وعزلة كاملة..

لو حدث لنا شئ في تلك اللحضة علينا العوض..

وبنظرة واحدة إلى تمويننا من الطعام والشراب..أيــقنت من الكارثة..انه يكاد يكفينا يومين مع الاقتصاد الشديد..

وبـــعد هذا ؟ !!

نربط الأحزمة على بطوننا..ونموت ببطأ

وطــار عقلي شعاعاً ..

وفكرت ان اكاشف صاحبي بهذه الضنون ولكني أثرت الصمت خشية ان تكون الضنون في محلها..فأفقد البقية الباقية من شجاعتي.

ولاحضت أن العربة بدأت تبطي في سيرها فحمدت لصاحبي حسن تصرفه فهو لاشك يخفض من سرعة السيارة حتى لاينفجر العجَل في هذا الحر القاتل..

ولــكن العربة أبطأت أكثر وأكثر ثم وقفت تماماً..واستدار صاحبي ليواجهني وكان وجهه شاحباً بلون الشمع..وقال بصوت لاهث :

- البنزين خلص ..

ظننتُ في البداية انه يمزح..لكن وجهه الذي غاض منه الدم..وأطرافه المثلجة..ونبراته المتهدجة..اكددت لي ان الكارثة حقيقة وليست مزاحاً

بنزين السيارة خلص..معنى هذا اننا باقون في مكاننا الى ماشاء الله..رهن القدر ورهن الصدفة التي تسوق لنا من ينقذنا..

لقد سقط قلبي في ضلوعي ولكنني تمالكت نفسي وقلت في غضب :

- كيف البنزين يخلص..ونت وين طول الوقت ؟

- كنت عامل حسابي ان حنا بنوصل بلدة ام شوشة ومناك نملأ بنزين قد مانبي ونكمل رحلتنا..لكن الطريق إلي أخذته طلع فينا طريق ثاني غير طريق ام شوشة..

- وبعدين

-ولا قبلين..ننتظر الفرج..

- قصدك ننتظر الموت..

وكان قد أشعل سيجارة وعاد الى فلسفته ولماضته المعهودة :

الموت عمره مايجي في المناسبات الي زي كذا..انا والدي كان كثير الترحال والسفر..لقد فُُقد في الصحراء اكثر من مرة وتعرض لحوادث عديدة..وفي الاخر وجدناه ميتاً في البانيو غرقان في شبر مويه وسط منزله..بدون ضياع وبدون حوادث!

وكان يدخن في هدوء وبلا مبالاة..فشعرت بالخجل..وضغطت على اعصابي كي لا ابدوا ضعيفا..واشعلت سيجارة ومضيت ادخن في صمت وكأني نسيت الموضوع تماماً..والحقيقة انه لم يكن لي شاغل طوال هذا الوقت سوى التفكير في الموت..وفي حلقي وهو جاف كعود الحطب وبطني وهي خاوية تعض على الهواء..وجثتي وهي ملقاة في العربة تحوم حولها الطيور الجارحة..

أعوذ بالله ..

وأمسح على جبهتي..

هل أنا في حلم..هل أنا في كابوس..أم أننا ضائعان فعلا بين الأرض والسماء ؟

واتلفت حولي..وأحسب في ذهني الطريق التي قطعناها..والمدة التي يمكن ان استغرقها لو قطعت هذا الطريق عائداً على قدمي..والمؤونة..وأخطار السير في العراء..ثلاثة أيام..اربعة أيام..وعلينا ان نحمل الخيام لنبيت فيها....غير ممكن

انه يكون جنوناً..فالماء لايكفي..والسير في مثل هذا الحر القاتل في هذه الصحراء التي ليست بها بقعة ظل..

انتـــــحار..

لايوجد حل سوى انتظار المعجزة ..

وقرأت الشهادتين وأغمضت عيني..ثم فتحتهما على صوت صديقي يتحدث مرة اخرى في تهكٌم :

وش رأيك في التجربة الجميلة ذي ؟... اراهنك انك بتعيش كل عمرك تسولف عنها..يوم ماواجهنا الموت وشفنا الاهوال..وكافحنا الجوع والعطش..

هاذي هي الخشونة اللي بتربي فيك العزم والإحتمال وبتخلي منك رجال ثاني غير الرجال الطري ايام زمان..

وأراهنك انك بترجعلي يوم تقول يالله نعيد نفس الرحلة مرة ثانية !!

مافيه ألذ من حياة الأخطار..

وكُنت مازلت احاول طمأنة نفسي املاً عزيزاً بأن صاحبي يمزح..اخطار أيش..وفيه احد مجنون يروح النار برجليه..مش معقول..

وأتلفت حولي في العربة باحثا عن صفيحة بنزين او تنك يخفيه صاحبي عن عيني ليدخل في روعي أننا مشرفان على الهلاك ..

أبداً .. لايوجد أثر بنزين..ولا رائحة بنزين..ومؤشر الوقود في العداد ينامُ على الصفر..

وقمت بنفسي افتش العربة وأفحص الخزان..لاتوجد فيه نقطة واحدة..

إن المسألة ليست نكتة ..

إننا معزولان وسط الصحراء..بلا مواصلات وبلا تموين..على طريق مهجور لايطرقه إنسان أو حيوان..ومصيرنا الهلاك..

وتكومت على الرمل في ظل العربة و وضعت رأسي بين كفى..وكانت الشمس تنحدر نحو الافق الغربي..وحرارتها تفتر شيئاً فشيئاً..وتوهجها ينطفئ قليلاً قليلاً..ومع كل انطفاءة من هذا النور كان الأمل ينطفئ في نفسي..

لا فائدة..الظلام يــــــــزحف..

الــظلام الذي يبتلع في جوفه كل الرؤى وكل الآمال..

وكان الرجل الخشن جالساً في السيارة يدخن بلا مبالاة..والشمس تهبط رويداً رويداً..وقلبي يهبط معها في ضلوعي..وخطر لي ان اصرخ بأعلى صوتي..

ونزل صاحبي من السيارة وجلس الى جوارى..

ونظرت في وجهه ابحث عن الخوف والرعب..

كان يبدوا متماسكاً وإن كانت اصابعه تقبض على السيجارة بعصبية..

قلت له وأنا اشير الى الباقي من الشمس :

وش بنسوي في الليل إلي جاي علينا ؟

- ولاشئ .. نريح وننام شوي..

- ننام كيف !! ..ولو طلع علينا ذيب وحن نايمين ؟

قال : الذيب امره سهل..ياليت كل مشاكلنا هي الذيب !!

وأخرج من جيبة علبة ثقاب اشعل منها عوداً..

هذا الذيب..تولع في وجهه عود كبريت يجري زي القطة..مافيه شي يخوف الذيب مثل النار..

- طيب والحية .. لو تلدغنا حية وش بنسوي ؟

- لايجيك هــم .. أنا معي مصل حيايا وعقارب في شنطة اسعاف السيارة..

وشعرت بالإطمئنان لأني مع رجل يعرف كيف يتصرف في كل مشكلة وسلمت امري لله ..

وانحدرت الشمس خلف الافق..واصطبغ كل شئ بلون رمادي..وسرت في جسدي رجفة..ولم أستطع ان اكتم القلق الذي ساورني فقلت :

وبنجلس الى متى ننتظر ومعقول احد يعدي مع ذا الطريق المخروب ؟

وأجاب صاحبي في هدوء :

اجل الطريق ذا معمول ليش..

واشار الى آثار كفر عريض بجوارنا..هذا ايش اجل...وهذا..ذا طريق عمومي كل ساعة تمر سيارة ..لاتخاف.

وسرى في الشعور بالاطمئنان والهدوء..ورأيت نفسي اصفر بفمي..وكأني في شارع الكورنيش..

ونزل الظلام..

وشعرت بالائتناس بصوتي وأنا أصفر..

وشيئاً فشيئا بدأت ألاحظ ان هناك صوتاً آخر غير الصفير الذي احدثه بفمي..

وأرهفت السمع..كان هناك عواء ذئب..عواء مخنوق مسعور..

وحدث كل شئ بعد هذا بسرعة لم تدع لي فرصة للتفكير..

طوقت العربة قافلة من الاشباح كأنها انشقت عنها الأرض..قافلة من الذئاب..تنبح..وتلهث..وتعوى..

غـطس صاحبي تحت العربة من الذعر..وقد نسى حكاية عود الثقاب الذي يخيف الذئاب ويحولها إلى قطط !!

وحينما التصقت بهيكل العربة لأواجه هذه الوحوش الشرسة مقدماً يدي ورجلي ليتم التهامها عسى ان تشبع فتترك وجهي سليما..فوجئت بأني أمام عدد من الكلاب الأليفة تتشمم اطرافي وتلعقها..وكان يقف ورائها رجل هو راعي غنم..

ولم يكن بينها ذئب واحد

وناديت على صاحبي في فرحة..

ولكني لم اسمع جواباً ..

واقتضانا الأمر مجهوداً شاقاً... أنا والراعي حتى نجره من تحت العربة... وكان مغمى عليه !

وحينما أفاق كان يهذي من الرعب..

***

كنا وجه الفجر حينما استطعنا ان نمون العربة بالبنزين ونعود ادراجنا في طريق المدينة...

وكان اسعد جزء في هذه الرحلة هو طريق العودة..وأنا جالس أمام عجلة القيادة اقود الساعات الطويلة..وأبتسم من وقت لآخر لنفسي وأنا انظر بجانب عيني الى صاحبي الذي جلس صامتاً كالصنم..لا يتكلم عن الخشونة..ولا عن حافز الحياة..ولا عن فلسفة الموت والأخطار..ولا عن الناس الذين يعيشون حياة رخوة طرية كحياة النساء المترفات...

ومع هذا

فقد كان ثمة اعتراف اعترفته بيني وبين نفسي لوجه الحقيقة :

فما أكثر ماغيرتني هذه الرحلة..وهذه النصائح التي سمعتها من مدرسي الفاشل..

وبالرغم من كل شئ..

مــــــــــا ألذ حياة المخاطر ..


تحياتي

__________________
PARADOX
I have to run like a fugitive
Just to0o safe the life I live

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20-08-2008, 12:55 AM
انتحار انتحار غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 5,013

اقتباس:
لأواجه هذه الوحوش الشرسة مقدماً يدي ورجلي ليتم التهامها عسى ان تشبع فتترك وجهي سليما...
والله انك قنوع ..
دامها خاربه خاربه ..هاكم
...
متمكن من اسلوبك
ماشاءلله عليك
..
سؤال برا الموضوع:
من تخاطب ..بالتناقض!!؟

__________________

يوزر متقاعد

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:58 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com