إقبال الفتن ونزولها
قال الله تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وقال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة) ، وعن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح من اليوم من ردم يأجوج مثل هذه وحلق بإصبعين الإبهام والتي تليها، قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث) رواه البخاري . وعن أسامة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال : هل ترون ما أرى ؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر) رواه البخاري، وعن كرز بن علقمه الخزاعي قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : هل للإسلام من منتهى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الإسلام. فقال ثم ماذا ؟ قال : ثم تقع الفتن كالظلل فقال الرجل كلا والله إن شاء الله ، قال بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صُبّا يضرب بعضكم رقاب بعض) رواه أحمد بإسناد صحيح
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت( استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا مرعوبا يقول: سبحان الله ماذا فتح الليلة من الخزائن وماذا أنزل من الفتن من يوقظ صواحب الحجر يريد أزواجه لكي يصلين رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ) رواه مسلم ، وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ) العبادة في الهرج كهجرة إليّ ) رواه مسلم ، وجاء في صحيح الترمذي بإسناد صحيح ( أن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير
لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه:
عن الزبير بن عدي قال أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال ( اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ) سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري في صحيحه ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يتقارب الزمان وينقص العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج، قالوا يا رسول الله أيم هو ؟ قال " القتل القتل " )أخرجه البخاري ومسلم
أسباب الفتن والمحن والبلاء
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله ولا عهد رسوله إلا سُلط عليهم عدوهم فأخذهم بعض ما كان في أيديهم، وإذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) أخرجه ابن ماجه ، وصححه الألباني . وقال عطاء الخراساني: إذا كان خمس كان خمس ، إذا أُكل الربا كان الخسف والزلزلة ، وإذا جار الحكام قحط المطر ، وإذا ظهر الزنا كثر الموت ، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية وإذا تُعدي على أهل الذمة كانت الدولة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إذا مشت أمتي المطيطا وخدمها أبناء الملوك: فارس والروم سلط شرارها على خيارها) أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قال عبدالرحمن بن عوف: نكون كما أمر الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو غير ذلك ، تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضوا أو نحو ذلك ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض) رواه مسلم ، وأخرج ابن ماجه عن اسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أدع بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) وأخرجه البخاري ومسلم أيضا ، وعن كعب بن عياض قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي في المال) رواه الترمذي بإسناد صحيح
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون إلى قيام الساعة ، وذلك مما أطلعه الله عليه من الغيوب المستقبلية ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ، حتى بلغت حد التواتر المعنوي
عن حذيفة رضي الله عنه قال ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما ما ترك فيه شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه[ قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون ن الشيء قد نسيته] فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم رآه عرفه) رواه مسلم ، وخرج أبو داود أيضا عنه قال ( والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه ، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته . وجاء في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه مجلسا أنبأنا فيه عن الفتنة فقال وهو يعد الفتن ( ثلاثة لا يدن يذرن شيئا ، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار ) ، قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري
فتنة الأحلاس
عن عبدالله بن عمر قال : ( كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر فيها حتى فتنة الأحلاس، فقال قائل يا رسول الله ، وما فتنة الأحلاس ؟ قال :هي هرب وخرب ثم فتنة السوء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بتي يزعم أنه مني وليس مني،إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كودَكٍ على ضلع ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقضت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا حتى يصيّر الناس فسطاطين ، فسطاط إيمان لا نفاق فيه ، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح
وقوله حتى ذكر فتنة الأحلاس ، قال الخطابي : إنما أضيفت إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه : هو حِلْسُ بيته. ويحتملأن تسمى هذه الفتنة بالأحلاس لسوادها وظلمتها ، والحرب ذهاب الأهل والمال ، يقال حَرِبَ الرجل فهو حريب إذا سلب أهله وماله، ومن هذا المعنى أخذ لفظ الحرب لأن فيها ذهاب النفوس والأموال والله أعلم. وقوله الدخن أي الدخان يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه. وقوله كودك على ضلع مثَلَ، ومعناه الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم ويريد أن هذا الرجل غير خليق بالملك، والدهيماء تصغير الدهماء على معنى المذمة لها والتعظيم لأمرها . وجاء في حديث أبي زيد قال ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى فصعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وما هو كائن فأعلمُنا أحفظنا) أخرجه مسلم
الفتنة التي تموج موج البحر
ثبت في الصحيحن عن حذيفة رضي الله عنه قال (كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة قلت : أنا . قال: هات إنك لجري فقلت: ذكر فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: ليس هذا أعني، إنما أعني التي تموج موج البحر، فقلت: يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا، فقال : ويحك أيفتح الباب أم يكسر؟ فقلت: بل يكسر ، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت : أجل.
ما جاء في رحى الإسلام وما تدور:
عن البراء بن ناجية عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن لم يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال : قلت : أمما بقي؟ قال : مما مضى) رواه أحمد وأبو داوود، وقال الهروي في هذا الحديث فإن كان الصحيح سنة خمس وثلاثين فإن فيها اقام أهل مصر وحاصروا عثمان رضي الله عنه ، وإن كانت الرواية سنة ست ففيها خرج طلحة والزبير إلى الجمل، وإن كانت سبع ففيها كانت صفين غفر الله لهم أجمعين. وفي رواية لأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا )، وقد اشتلمت هذه الثلاثون على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم وكان ختامها وتمامها لستة أشهر وليها الحسن بن علي بعد أبيه وعند تمام الثلاثين نزل عن الأمر لمعاوية بن ابي سفيان سنة أربعين واجتمعت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة سنة أربعين
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ) رواه البخاري . عن أبا بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إنها ستكون فتن ألا ثم تكون تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها والماشي فيها خير من الساعي إليها ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كانت له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه قال : فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض، قال يعمد إلى سيفه فيدق على حداه بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال رجل يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني بني رجل بسيفه أو يجئ سهم فيقتلني قال يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار) رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خيرمن الماشي والماشي خير من الساعي من يشرف لها تستشرفه ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به) رواه البخاري
الفرار من الفتن ولزوم البيوت
الأمر بلزوم البيوت عند الفتن:
عن أبي بردة قال دخلت على محمد بن مسلمة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف فإذا كان فائت بسبفك اُحدا فاضرب به حتى ينقطع ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية) فقد وقعت وفعلت ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي بإسناد صحيح وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي قالوا فما تأمرنا ؟ قال : كونوا أحلاس بيوتكم ) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ، وكان محمد بن مسلمة رضي الله عنه ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفا من خشب ففعل وأقام بالربذة . هذا وقد كانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم فكان المصيب له أجران والمخطئ له أجر ولم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبا للملكوالاستكثار من الدنيا فواجب على الإنسان أن يكف اليد واللسان عند ظهور والفتن والمحن نسأل الله السلامة .وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا رأيت الناس مزجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه فقمت إليه فقلت له كيف أصنع عند ذلك يا رسول الله جعلني الله فداك قال الزم بيتك وأملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح ، وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص ( قلت يا رسول الله إن دخل عليّ بيتي وبسط يده إليّ ليقتلني) قال : ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن كخير ابني آدم وتلا هذه الآية( لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني )) رواه أبو داود بإسناد صحيح
النهي عن تمني الموت مطلقا:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يتمنين أحدكم الموت لا يدعو به من قبل أن يأتيه وإنه إذا مات انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا ) أخرجه مسلم
جواز تمني الموت عند الفتن:
روى أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل في حديث المنام الطويل وفيه ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربني إلى حبك )أخرجه أحمد ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح
ظهور الفتن من المشرق
أكثر الفتن التي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان، وهذا مطابق لما أخبر به نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حيث قال ( ألا إن الفتنة ها هنا ، ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان) رواه الشيخان ، وقال ابن حجر ( وأول الفتن كان منبعها من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به وكذلك نشأت البدع من تلك الجهة ) ، فمن العراق ظهر الخوارج والشيعة والرافضة والباطنية والقدرية والجهمية والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق من جهة الفرس المجوس كالزردشتية والمانوية والهندوسية والبوذية والقاديانية والبهائية ...... إلى غير ذلك. وأيضا فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق وقد حدث على أيديهم من الدمار والقتل والشر العظيم ما هو مدون في كتب التاريخ. وإلى اليوم لايزال المشرق منبعا للفتن والشرور، وسيكون خروج يأجوج ومأجوج والدجال من جهة المشرق أيضا . نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم انا نسألك لطفك وعطفك ورحمتك ومغفرتك
نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن تبعه الى يوم الدين
اللهم امين
منقول