أم فؤاد لا تحتاج لشفقتنا بل إلى دعائــنا
هي شعاع قاسم الجريان (47 عاماً)،
مع ابنتيها المريضتين تهاني (29 عاما)، وأنوار(15 عاما).
تزوجت شعاع وهي في الرابعة عشرة من عمرها. تحولت بسرعة قياسية من فتاة صغيرة غضة إلى أم لست أطفال. فقد كان زوجها محمد علي الجريان، الذي يكبرها بأربع سنوات، مسؤولا عن أشقائه الستة الصغار بعد وفاة أمه وزواج أبيه، مما جعلها تتحمل مسؤوليات طعامهم، وملابسهم، واستذكارهم. ببساطة، أصبحت أمهم. وبعد عام من زواجها، رزقها الله بسارة، ثم فؤاد.
رغم انشغالها بأطفالها الثمانية آنذاك إلا أن حياتها كانت طبيعية. تأكل بانتظام، تنام ست ساعات، تفكر، لكنها عندما وضعت تهاني تغيرت حياتها تدريجيا. كانت ولادتها طبيعية، لا تثير قلقا أو أسئلة من أي نوع. بعد أربعة أشهر بدأت الريبة تجول في صدر شعاع، والأسئلة تجرح حلقها عندما توقف نمو طفلتها الصغيرة. تساءلت: لماذا لا تتحرك تهاني؟ لماذا لا تلتفت؟ لماذا لا تبتسم؟ لماذا لا تهز يديها كبقية الأطفال؟حملت أسئلتها وتهاني إلى المستشفى الذي أخضع ابنتها إلى تحاليل متعددة أثبتت أنها مصابة بتخلف عقلي وجسدي. يقول زوجها: "الخبر كان صدمة. لم أستطع النوم لمدة ثلاث ليال". أما شعاع فلم تنم حتى الآن. النبأ غير مجرى حياتها. أصبحت لا تنام إلا ساعتين يوميا كحد أقصى. فابنتها تصرف الليل في البكاء، بينما تنفقه شعاع بالصلاة، والدعاء، واحتضانها.
وكلما كبرت تهاني كبرت معها أوجاعها واحتياجاتها.
وبعد 14 عاما من ولادة تهاني، وضعت شعاع ابنة أخرى مصابة بنفس أعراض شقيقتها الكبرى أطلقت عليها اسم: أنوار.
يقول والد أنوار إن زوجته استقبلت نبأ إصابة ابنتها الجديدة بإيمان بالغ واحتساب مرددة: "إذا أحب الله عبداً ابتلاه". فشعاع لم تتوقف عن الإنجاب بعد تهاني، حيث رزقها الله بمنيرة (24 عاما)، وجاسم (21 عاما)، ومريم (16 عاما). كما أنجبت نايف (12 عاما) بعد أنوار. ولم تتوقف أيضا، عن العناية بزوجها وبقية أطفالها، إذ مازالت تمطر جميع من حولها باهتمامها، وابتسامتها التي لا تجف.
هذا الاهتمام دفع أبناءها إلى المثابرة، والتفوق. جميع أبنائها تابعوا تحصيلهم الدراسي بجدية. ابنها جاسم يدرس الطب في جامعة الملك فيصل.
يعترف زوجها بخوفه على شريكة حياته، كونها تبذل جهدا خارقا دون كلل أو ملل في سبيل الجميع. تحمم، وتطعم، وتطهو دون أن تقبل مساعدة أحد ودون أن تقبل تهاني وأنوار غيرها. يوم (أم فؤاد) موزع بين المطبخ، ودورة المياه. يقول زوجها: "أكاد أجزم أنها قضت نصف عمرها فيهما وبينهما".
فشل (أبو فؤاد) في الاستعانة بخادمة لمساعدة ابنتيه، فهما ترفضان أي أحد غير أمهما. يقول: "باءت محاولاتنا بالفشل. تملآن منزلنا بكاء عندما تختفي أمهما للحظات من أمامهما".
وبالإضافة إلى تهاني وأنوار وبقية أبنائها وزوجها، ترعى شعاع أمها المقعدة، حيث تقوم بتغسيلها، وخياطة ملابسها، والطبخ لها.
عندما يحاول زوجها إخراجها من المنزل مع ابنتيها وأمها يرتطم بنظرات الشفقة والاستغراب التي تطفح في الشارع. يقول:"لم تقمعني تلك النظرات من الخروج مع ابنتي وأم زوجتي، بل نوبات الصرع التي تعاني منها ابنتاي و تحول الكورنيش أو الحديقة التي نرتادها إلى غرفة طوارئ، ونحن إلى مسعفين قلقين".
أكثر ما يتمناه أبو فؤاد أن يجيء اليوم الذي تستطيع أن تنام فيه أم فؤاد 4 ساعات على أقل تقدير، وأن تكمل لقمتها دون أن يقطعها بكاء تهاني، أو عويل أنوار.
قبل عامين، أقام أبو فؤاد حفلا لعقيلته في إحدى استراحات الدمام، دعا إليه أحبتهما وأقاربهما، تقديرا لتضحياتها طوال سنوات زواجهما الثلاثين، لكن يعتقد أن هذا الحفل لا يكفي (رددها مرتين).
أسأل المولى عز وجل أن يمن على أم فؤاد
بالرزق والأجر الكثير في الدنيا والآخرة.
لا تنسوني ولا تنسوها من خالص دعائكم