http://www.alaan.cc/pagedetails.asp?nid=47688&cid=47
يا كارثة الكوارث ! يا مهلكة المهالك ! إن الشذوذ قد بلغ مبلغه وحُب الشهرة انتشر كانتشار النار في الهشيم بين الكتَّاب , فأتى في القرن الواحد والعشرين من لبس - التي شيرت - الليبرالي ليقطع بسيفه الصلت تلك العادات التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها باقية إلى يوم يكون مقداره خمسين ألف سنة , فاصبر صبراً جميلاً , إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً , وبنص صريح قال فيه - أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة - وها نحن نعيش عصر النياحة المقالية ولكل فكرٍ نائحة تنوح نوح الأرامل والثكالى , وثكلتك أمك يا باغي الشر , ولا فض فوك يا باغيَ الخير .
يُحكى أن رجلاً من أشد الناس تعصباً للعرق العربي , وكان لديه مولى من الموالي , فلما حضرته الصلاة وكان معه رفاقه , قام الرجل وقدَّم مولاه -عبده - ليصلي بهِ إماماً , فلما انتهى من الصلاة نظر إليه رفاقه وقال أحدهم : أتفعل هذا يا ابن الأكرمين ؟ فقال المتعصب الجلف الأرعن الأحمق : أتت في قلبي رقة , فأردت التواضع لله , فقدمته ليصلي بنا !
واقع لو جلست يا ابن الأكرمين تكابد فيه وتحاول تغييره لن تستطع لذلك سبيلا , فابدأ بنفسك وخير ما تفعل أن تبدأ بنفسك , ولكن تحمل تبعات تلك البداية .
يا قرائي الكرام : عندما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وجَّه الواقع التعصبي للقبيلة والحمية الجاهلية خير توجيه , وهذا واقع لا فكاك منه ولا خلاص وولات حين مناص , فقام النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الآلية التي من خلالها يتعايش الناس مع بعضهم البعض في ظل هذا الواقع , وأقر التكافؤ الإجتماعي بحسب عادات كل مجتمع وما يراه , ولكن فضَّل على معيار التكافؤ معيار الدين والتقوى وقدَّم الدين على كل شيء , وذلك لأن التعصب كالجثة العفنة التي رائحتها منتشرة في أصقاع الأرض , وليس العرب فحسب من يتعصب لعرقهم , بل حتى العجم بعضهم يتعصب لبعض .
والتعصب وصل مبلغه حتى في الإصطلاحات الشرعية , فالمهاجرون والأنصارت تسميتهم من الإصطلاحات الشرعية وليست عرقية , فهؤلاء هاجروا في سبيل الله فأصبحوا من المهاجرين , وهؤلاء ناصروا في سبيل الله فأصبحوا من الأنصار , وفي رابعة النهار حدث الخلاف بين مهاجري وأنصاري , فقال الأنصاري يا للأنصار , وقال الآخر يا للمهاجرين , فاختلط الحابل بالنابل وتعاركوا , فصدع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وقال - أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيـكم - مع العلم أن التقسيم بينهم شرعي وليس عرقي ! والآن يأتي البعض لينسف شيئاً ما هو عليه بقادر ! ولكن حُب الشهرة والمفاخر هو المنشود لديه , تعبنا ورب الكعبة وأشغلونا أيما إشغال عن ما ينفع العرب والعجم والبربر والخليقة جمعاء إنسهم وجنهم , الماشي منهم والزاحف , أشغلونا بتوافه الأمور وأسقط ما يُقال من القول والفكر , فالتكافؤ بين النَّاس هو لاستقرار الحياة وأمر دارج وسارت عليه الأمم من قبل ومن بعد , فما هو الداعي لاستذكاره الآن في صفحات ليبرالية لا تعتد أصلاً بمعيار الدين للتناسب ؟
والدين ينظر لديمومة الحياة الزوجية دون أن يكون هناك تجاوزا شرعيا وضررا على أحد , فالتكافؤ في الزواج من أسباب الديمومة للزواج واستقراره لما جرت عليه العادة بين الناس , فلو تزوج رجل من إمرأة بما يخالف العادة عند قبيلته , سيقطعه أهله وذويه , وتلك مفسدة أعظم يترتب عليها زواجه , ولربما قطع أهله ذريته كذلك , فأصبحت التبعات وخيمة , فالشرع هنا ينظر للمصلحة الأعظم والمفسدة الأقل , لذلك كانت الكفاءة في النسب من الأمور التي لا يعترض عليها الشرع ,بل وأتى منصوصا عليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم { تُنكح المرأة لأربع ... } وعد النسب كسبب للتزواج , فتلك الأسباب معتبرة .
وهذا لا يعني عدم الاعتداد بالدين ومعيار التدين والإلتزام , بل ذلك مقدم , ويحدد الولي المصلحة بحسب مايراها في أهله فإن وُجد من أهله من هو على خلق وتقدم لمن تولى أمره , فكان بها , وإن لم يكن ذلك فتيسير أمر من تولى أمرها ألزم عليه وأوجب , وهذه أمور تحدد بحسب حالاتها , وأكرر كي لا يُفهم كلامي على غير وجهه , الدين ألزم من النسب والكفاءة .
وهنا رسالة إلى كل من طبَّل لهذا السيف الصلت في اعتراضه على قضية التكافؤ الإجتماعي في النسب : ألا تسألونه وتقولون ماهو المعيار الحقيقي للتناسب بين النَّاس ؟ بمعنى لو جاءك أنشتاين وابن تيمية , من ستزوج حينها ؟ فإن قلت ابن تيمية , فإني حينها قائلٌ : ربِّ إني ظلمت نفسي , و أسلمت مع أبي سليمان لله ربِّ العالمين , وسمران يحييكم .
قلم / عبدالله المطيري