اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > الـمنتديات الادبيــــــة > :: مـنتدى القـــصص والروايـــات ::

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28-11-2004, 02:20 AM
الصورة الرمزية العماني
العماني العماني غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Apr 2004
المشاركات: 2,856
الرحلة اليابانية الى الجزيرة العربية((اليوم الرابع))


اليوم الرابع
الإتجاه نحو الرياض
الثلاثون من مارس


الساعة السادسة صباحاً

درجة الحرارة تسع درجات مئوية، استيقظنا من النوم، ورحت انظر فيما حولي، فرأيت منطقة نجد، وصحراء نجد، وأخذت أطالع المنطقة الواقعة خارج الدوادمي التي أظن أنها لم تتغير منذ آلاف السنين.

الساعة السابعة والنصف

تناولنا طعام الإفطار، وقدم الأمير سعد الفيصل (سعيد)، مع خادمه إلى الخيمة، ودعانا إلى تناول الشاي، فذهبنا إلى القصر، وما حدث ليلة أمس تكرر اليوم، إلا أن الغرفة كانت مختلفة غير أنها كانت من الداخل شبيهة بتلك التي جلسنا فيها ليلة أمس.
حين دخلنا الغرفة قدم أحد الخدم، يحمل وعاء به بخور (مبخرة) مصنوعا من الخشب، وجلسنا على الأرض متكئين على الوسائد. فكانت رائحة البخور بالنسبة لي عجيبة، ومثل ليلة أمس قدمت لنا القهوة ثم الشاي ثم حليب الماعز ثم القهوة مرة أخرى، وأصبحنا أكثر تآلفا عن ذي قبل، أقصد عما كنا عليه ليلة أمس.
كان موضوع الحديث بعيداً تماماً عن أي موضوع سياسي، كان يدور في معظمه عن التقاليد والثقافة، وحين تحدثنا عن البخور، قلت للأمير: إن اليابانيين مهتمون كثيرا برائحة البخور منذ القدم، وقال الأمير: إن هذه المبخرة مصنوعة في الرياض، وهي قديمة جداً جدا، وذكر أن العرب يحبون البخور منذ الأزمنة القديمة، وقال الأمير أيضاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أحب الأشياء إليه ثلاثة: الطيب، والنساء، والصلاة. وهذه الكلمات تعد سنة عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم، واستطرد الأمير قائلاً: "إن البخور المستخدم في مناطق نجد والحجاز يأتي في معظمه من الهند، وأن ثلث دخل هذه القرية ينفق على البخور".
وعرفت فيما بعد أن البيوت الثرية تستخدم بخورا مستوردا غالياً جداً. وعلمت أن الملك يحب البخور كثيراً، وقد اشتهر هذا الأمر عنه، وذكر عبد السلام "إن أعضاء الإرساليات النصرانية يستخدمون البخور أحيانا، حين يقومون بمحاولاتهم في تنصير المسلمين ".
وعرفنا حقاً أن البخور شيء ثمين وغال، وفي مصر- وهي أيضا من بلدان الشرق الأوسط- يستخدمون البخور، حتى النصارى الأرثوذكس والأقباط. والسوريون لديهم أيضا عادات تتعلق بإطلاق البخور، فالمسلمون يعلقون المباخر كل يوم جمعة، ويطلقون البخور بكثرة، بينما النصارى يطلقون البخور يوم الأحد، لا الجمعة.

خف والبئر المرعب
خرجنا بعد حفلة الشاي، وودعنا الأمير أمام القصر، واستأنفنا السير في تمام الساعة الثامنة صباحا، كان الطريق مستويا سهلاً، والحرارة ترتفع تدريجيا، أنفي وشفتاي أصبحت جافة، فوضعت عليها بعض الكريم لترطيبها، ومعالجتها من الجفاف.

الساعة العاشرة إلا الربع صباحاً


بعد أن قطعنا ستين كيلاً من مسيرتنا، وصلنا إلى "خص"، حيث تقع صحراء "النفود" في جهة الشرق منها. وهي رمال ناعمة جداً؛ ولهذا فلا توجد نباتات على الإطلاق، والصحراء قاحلة، وهي تمتد من وادي السرحان حتى جبل شمر، ويسمون هذه الصحراء صحراء "خفة"، وهناك صحراء أخرى شبيهة بها، هي صحراء الربع الخالي.
وصحراء النفود تعني منطقة هضبة نجد. والمكان الذي وصلنا إليه الآن هو جزء من صحراء النفود، والعرب- حتى الذين اعتادوا منهم السفر في الصحراء- يهابون هذا المكان، فعبور صحراء النفود يحتاج إلى راحة كاملة وماء، والناس يميلون إلى تجنب عبور هذه الصحراء، والمضي من طريق آخر، ولكن لم نكن نتخيل كيف تكون صحراء النفود، وقررنا أن نتناول طعام الغداء، طبقاً لنصيحة العرب المرافقين.
لاوجود لأي من البيوت أو الخيام، ولا يوجد أثر لبدوي، لاشيء، كل ما يمكن أن نشاهده بئر صغيرة، وعلى الرغم من أنه لم تكن هناك رياح، فإن الفضاء كان لونه أصفر.
توقفت سيارتنا عند هذه البئر الصغيرة، وبعد فترة قدم إلينا ستة من البدو مع أغنامهم، يقصدون الماء، كانت رائحة أجسامهم ورائحة الغنم نافذة، لم نكن نتحملها، تحرك البدو بهمة ونشاط وبسرعة فائقة، فأخرجوا الماء من البئر، وسقوا الأغنام حتى ارتوت، كل ذلك تم بخفة، وفي حركات سريعة.
ظل هؤلاء البدو يحملقون فينا، ربما كنا بالنسبة لهم شيئا عجيبا، فقد كان غريبا أن يروا أجانب في هذا المكان.
بدأ عبد السلام يشرح لهم، فقال "إن هؤلاء الناس (أي نحن) أصدقاء الإمام ". والبدو يسمون الملك إماما، وأعطاهم عبد السلام بعض النقود الفضية، وبدأوا ينشغلون بأنفسهم، ثم مضوا إلى حال سبيلهم.
كان لدينا متسع من الوقت فضربت الخيام و بدئ في إعداد الطعام، وقام رئيس الطهاة بمتابعة الرعاة البدو، وراح يناقشهم في شراء شاة، ونجح في النهاية.
وبقي لدينا وقت كاف حتى إعداد الطعام، فأخذنا بعض الصور، وقام المهندس ميتسوتشي بدراسة جيولوجية المنطقة، وأخذنا نتطلع إلى البدو، ونشاهد كيف يسقون أغنامهم، كانوا يجمعون الأغنام بإصدار أصوات الباء والراء. وأعتقد أن هذا في الأصل يعني انظر أو انتبه!!
في مصر والحجاز وسورية وفلسطين، انظر وانتبه تعني "شوف "، وهم لا يستخدمون فعل الفصحى (رأى)، وأظن أن ظهور حرف الباء مع الراء أمر غير عادي. كانت ملابس البدو مثل تلك التي شاهدناها على البدو من قبل، لكن السروال كان قصيراً. كانت هناك امرأة، ربما تكون زوجة شيخ البدو، ومعها طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات تقريبا، كانت المرأة مغطاة تماما بملابس سوداء، ورأسها لم يكن يرى منه غير عينيها، ومن يدها أو من كعبها كان يمكن رؤية بشرتها السوداء، كانت أكثر سواداً من أي بشرة شاهدناها من قبل، والطفل كان نحيفا جداً، ربما كان في حاجة إلى غذاء.
بدأ الطفل الصغير يتجه ناحية قطيع الغنم، وراح يلعب مع بعض الغنم، ويركب على ظهرها، كما لو كان الأمر طبعياً جداً، فشعرت بأنها الحياة الطبيعية في الصحراء. كانت البئر صغيرة جداً، قطرها حوالي متر واحد فقط، لكن هذه البئر الصغيرة- بالنسبة للبدو- ذات قيمة عظيمة، فالبئر هي رفيقة حياتهم، وعلى الرغم من أن ماء البئر يحتوي على نسبة عالية من الملح تجعله غير صالح تماما للشرب، فإن الأمر لم يكن يهمهم في شيء، فهم يشربون هذا الماء، وكأنهم يشربون الماء العادي الصالح للشرب.
تحدثت مع زعيم البدو أو شيخ البدو، وسألته عن عدد القطيع الذي يملكه، لكنه لا يستطيع أن يعد أكثر من الرقم عشرة، لهذا أشار إلي بأصابعه العشرة، ثم عاد وكرر ذلك تسع مرات، وبهذه الطريقة عرفت أن لديه 90 رأساً من الغنم، وسألته إن كان يعرف الرياض فقال:
"نعم، العام الماضي ذهبت لأبيع بعض رؤوس القطيع " فضحكت وقلت له على سبيل المزاح: أنا ذاهب إلى الرياض الآن، فهل يمكن أن آخذ ابنك معنا؟ فرد بالنفي "لا.. لا.. لا يمكن أن يأخذه أحد .. لابد أن يبقى معي دائما".
هكذا يقضي هؤلاء البدو حياتهم فترات طويلة على الوتيرة نفسها، لا تغيير على الإطلاق..
ولا تغيير مستقبلاً، في مثل هذه الظروف الصعبة جداً.. لكن الظروف من حولهم تغيرت، ولا تزال تتغير، ومن أوضح الأمثلة على هذا أن الملك يذهب كل عام إلى مكة للحج مع خمسمائة شاحنة (عربة نقل) ملأى بالحجاج، وهذا يؤدي بالتدريج إلى التمدن والتحضر..
وأحيانا ودون أن ينتبه هؤلاء البدو يتأقلمون مع التغييرات الجديدة، لكنهم لا يشعرون بهذا بطبيعة الحال.
ولهجتهم العربية يصعب فهمها جداً، وهي قريبة من العربية الكلاسيكية، إلا أن نطقها مختلف كثيرا، وهذا ما شعرت به حين كنت أتحدث معهم.
كانت درجة الحرارة درجة مئوية واحدة، والارتفاع عن سطح البحر كان 720 مترا. أكلنا كثيرا، فالسفر وسط الصحراء جعلنا نشعر بالجوع أكثر، لا أدري لماذا؟ جلسنا على الأرض، وعلى الطريقة العربية أكلنا بأيدينا… وهذا شيء مناسب تماما بالنسبة للطعام العربي، لا يوجد فاكهة طازجة، ولا خضروات طازجة، بل يوجد لحم غنم فقط.
وحين شرعنا في أخذ قسط من الراحة والنوم القليل، سمعنا صوت سيارة مسرعة، قادمة إلينا، وتلتها سيارة أخرى، ثم توقفت السيارتان: سيارة بيوك وسيارة فورد، توجه إليهما عبد السلام ورئيس الحرس وراحا يتحدثان مع أحد الرجال في السيارتين، ثم عاد إلينا عبد السلام قائلاً:
إن مستشار الملك خالد أبا الوليد وسكرتيره ذاهبان إلى جدة، ولما عرفا أننا قادمون إلى الرياض، أرادوا المجيء لتحيتنا. كان مستشار الملك الذي يدعى خالد أبا الوليد في حوالي الخمسين من عمره، أبيض الشعر، أما سكرتيره فكان طويل القامة نحيفاً.
رحبنا بهما في خيمتنا، وقدمنا لهما القهوة والشاي، كان كلاهما يجيد الفرنسية فتكلم معهما الوزير الياباني مباشرة دون مترجم، وكانا ذاهبين إلى جدة في طريقهما لحضور مؤتمر دولي يعقد في باريس في شهر يونيه، ولأول مرة يشاهدان يابانياً، ولذا قال مستشار الملك إنه يحمد الله ويشكره الذي مكنه من رؤية ياباني على أرض الصحراء هنا في المملكة.
كانا يرتديان جلاليب بيضاء من الحرير وعقالاً وغترة وصندلاً، وبدت ملابسهما نظيفة أنيقة مرتبة، كان لخالد أبي الوليد لحية بيضاء طويلة، وسكرتيره كانت له لحية صغيرة جداً عند ذقنه وكان له شارب. تحدثنا مدة ثلاثين دقيقة، وكانا في عجلة من أمرهما، فتركانا بسرعة، ومضيا إلى حال سبيلهما.
وفي الرياض سمعت من يوسف ياسين، سكرتير الملك، أنه حين يسافر كان يسافر بسيارة واحدة وخادمين، وكان يقطع المسافة من الرياض إلى مكة في ثلاثة أيام ونصف، فتعجبت كثيرا! وسوف أشير إلى هذا فيما بعد.
وخالد أبو الوليد- الذي سبق ذكره- ولد في مراكش. وهو واحد من بين أربعة مستشارين للملك، ويعتمد الملك عليه كثيرا، ويثق به، وكان لدي بعض الكتب العربية التي طبعت حديثا، في كل منها كان اسمه يذكر دائما، فهو رجل مهم جداً في السعودية الآن، ولا أزال أتعجب، لماذا
طلب منا حين التقينا به بألا نخبر أحدا بأننا التقينا به هنا في الصحراء، وبأنه ذكر لنا أنه ذاهب لحضور المؤتمر الدولي في باريس.
لا أزال أتعجب من هذا الأمر. لكن بعد فترة طويلة استطعت أن أعرف من بعض الباحثين البريطانيين أن زيارته لباريس لم يكن الهدف منها حضور أي مؤتمر فيها أصلاً بل كان مسافرا إلى "برلين " في مهمة خاصة، لست متأكدا لكنني عرفت أنه كان من معارضي بريطانيا.

عبور صحراء النفود
الساعة الثانية


وبعد أن غادرنا خالد أبو الوليد بدأنا نشد الرحال، ونغادر المكان متجهين إلى أصعب مراحل رحلتنا هذه. كان الطريق سهلاً ولمسافة ثلاثة أكيال، وكان على السائق أن يقود السيارة بعناية واهتمام بسرعة 70 كيلاً في الساعة.
وبعد قليل لم نعد نرى من حولنا شيئا سوى الصحراء تحيط بنا من كل جانب، والشمس في كبد السماء من فوقنا، وبعد مسافة وجيزة أخذت عجلات السيارة تغرز في الرمال، ولهذا كان علينا أن نرفع السيارة، وأصيب السائق بحالة من القلق وشد الأعصاب، وتكرر الأمر مرة بعد أخرى، وراحت السيارة تتمايل يمينا ويسارا، مما جعل بعضنا يرتمي على بعض، والسيارة تمضي على هذا المنوال، وأمامنا وبين الحين والحين كان يعترض طريق السيارة مرتفع يصل أحيانا إلى خمسين متراً، فكان يمثل صعوبة للسيارة وهي ترتفع إلى أعلى، وكأنها ستتحطم، بينما كانت أجسادنا يتراكم بعضها فوق بعض، وتهتز أحيانا كالأرجوحة، وتكرر هذا الأمر كثيراً، مما جعلنا نمسك بالمقابض الموجودة داخل السيارة طوال الوقت، حتى نقلل من شدة وقوع بعضنا على بعض، ورغم هذا كانت رؤوسنا تتخبط أحيانا في سقف السيارة.
غير أن الصعوبة البالغة كان يعانيها السائق الذي كان عليه أن ينتبه لكل شيء، ويغير مقبض السرعة مرة بعد أخرى، ويمسك بعجلة القيادة بقوة شديدة. كان سائقا متمرسا ذا خبرة، مما جعلنا نثق به كثيرا، ونعتمد عليه تماما، ورغم أننا غطينا رؤوسنا ووجوهنا بالغتر فإن أنوفنا وآذاننا ملئت بالرمال.
وفي النهاية توقفت السيارة، وكان علينا جميعا أن نقوم بسحبها من الرمال بعد أن انغرست فيها العجلات، وأوشك ماء "المبرد" على الانتهاء. وكان ينبغي لنا أن نسرع، فأصابني القلق وكادت أعصابنا أن تفلت دون استثناء، ومما خفف علينا ما نحن فيه أننا على بعد عشرين دقيقة من المكان المحدد للراحة، ورغم هذا سيطر علينا الخوف والقلق.
سحبنا السيارة وبدأنا السير ثانية، ونحن نتمنى ألا يحدث ما حدث سابقا، وبعد عشرين دقيقة صارت الرمال أكثر تماسكا وصلابة عن ذي قبل، وتغيرت الظروف. فتوارى القلق، وشعرنا بالراحة، فقد أصبح الطريق سهلاً وصلبا، وكان "المبرد" (الراديتر) على وشك أن تنبعث منه رائحة الدخان، فوضعنا فيه ماء الشرب في حين كانت العجلات على وشك الاحتراق بسبب الاحتكاك الشديد بالطريق صعودا وهبوطا، وبعد دقائق وصلت سياراتنا التابعة لنا من ورائنا، والتقينا معاً وراحوا يرددون:
((سلامتك..... سلامتك... سلامتك، الحمد لله... الحمد لله))
وبدا الجميع سعداء جداً بعد اجتياز هذه المرحلة الصعبة من الرحلة، قطعنا حوالي أربعين كيلاً، فيما يقرب من ساعة، بسرعة ثمانين كيلاً في الساعة.
أخذنا قسطاً من الراحة، تناولنا خلالها الشاي وبعض "البسكويت " وكان كل شيء لذيذا جداً بعد هذه المرحلة من الرحلة، وفي الساعة الرابعة حين بردت السيارة بدأنا التحرك تجاه واحة "مراة".

واحة مراة الخضراء
الساعة الرابعة عصرا


كانت السيارة تنطلق على طريق تحف به أشجار التين القصيرة، كان عدد هذه الأشجار كبيرا جداً، وشاهدنا قطيعاً من البقر يتكون من حوالي عشرين بقرة، كان القطيع يمشي في الاتجاه نفسه الذي نمضي فيه.
وهذا يعني أننا كنا قريبين من الواحة، ومن مسافة بعيدة شاهدنا قرية (مراة) تحيط بها أشجار النخيل. حتى الآن لا أزال أتذكر ذلك المنظر الرائع، منظر الواحة، رمال صفراء، وشمس تسطع أشعتها بقوة، وأشجار التين القصيرة، ثم الآلاف من أشجار النخيل. ياله من منظر ويالها من روعة!! شعرت كأنني وحدي وسط هذه الصحراء، وأن هذا المنظر الرائع كان يستقبلني، يرحب بي يمد إلي ذراعيه، يحتضنني، أنا القادم من أقصى الشرق، وبالنسبة لي كانت أشجار النخيل هذه مثل "قطرة العين " التي تبعث إلى النفس الراحة والهدوء. لم أر مثل هذه الخضرة منذ غادرت جدة، ومنذ أن دخلت منطقة نجد.
كتبت مذكراتي وأرتبها الآن، وأعيد ترتيب عباراتي، ووجدتني كنت قد كتبت: "منذ غادرت الحجاز أرى واحة لأول مرة.. ليس عندي كلمات تصلح لوصف هذا المشهد".
ووضعت خطاً تحت هذه العبارة، في الحقيقة كان أعظم شعور بالسعادة قد غمرني وأنا أطالع هذه الطبيعة من أمامي، تلك التي زخرفتها ونقشتها أشجار النخيل، خضرة عمت ناظري وملأت عيني، وكان المهندس ميستوتشي يشعر بما أشعر به أيضاً.
توقفنا على بعد 400 متر من سور القرية، كان هناك الكثير من العرب الذين يزودون عرباتهم بالوقود، ويحملون ما يحتاجون إليه من ماء، وشاهدنا ثلاث نساء بدويات. وقد ارتدين ملابس تغطيهن من قمة رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن، كن يحملن في أيديهن آنية من النحاس بارتفاع 30 سنتيمترا، ويصل قطرها حوالي 30 سنتيمترا أيضا، شاهدنا في سفرنا هذا قليلاً جداً من النساء، فتكونت لدينا رغبة حب استطلاع لمشاهدة النساء.
وهناك وجدت هضبة عالية، ربما كان ارتفاعها ستين مترا، ومن فوقها يمكن مشاهدة القرية كاملة، ورأينا مجموعات من قطعان البقر يرافقها أطفال من البدو، وبينما كان الوقت يقترب من الغروب، كنا على ارتفاع 660 مترا من سطح البحر، وطبقاً لما ذكره عبد السلام فإن عدد سكان القرية أربعة آلاف نسمة، وفي هذا المكان ولد "امرؤ القيس " شاعر الجاهلية، في عصر ما قبل الإسلام. لم أكن أعرف هذه الحقيقة.

أمرؤ القيس

ولد امرؤ القيس لأحد شيوخ القبائل، ولكنه عشق الخمر والنساء ففسد، ولهذا غضب عليه أبوه حجر بن عمرو، وطرده من القبيلة، وهكذا بدأ امرؤ القيس رحيلاً مستمرا هنا وهناك، وحينما كان في حضرموت سمع بأن أباه قتل، قتلته قبيلة أسد، وفور سماعه الخبر أراد العودة إلى قبيلته بعبور صحراء الربع الخالي، وفي الطريق تعرض له قطاع الطرق، وفقد حارسه الخاص، وطلب امرؤ القيس العون من "كسرى قباذ" وطاف بالجزيرة العربية، وانطلق شمالاً إلى سورية ومنها إلى روما، وطلب المساعدة من ملك روما يوستيانوس، ويقال: إنه عين أميرا لمنطقة فلسطين، لكن شخصيته كشاعر لم تؤهله للنجاح في مهمته.
ومن هنا كان عليه أن يعود إلى موطنه نجد، ولكنه في طريق عودته أصابه مرض جلدي فمات في أنقرة.
وقد ولد سنة 130 قبل الإسلام ومات سنة 80 قبل الإسلام، هكذا كتب المؤرخون العرب، وقد درست وتعلمت الكثير عن شعر امرئ القيس على يد الدكتور طه حسين، ولا أزال أذكر هذه الأشعار الرائعة له.


قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل=بسقط اللوى بين الدخول فحومل


فهو هنا يتذكر ابنة عمه عنيزة، وقد تأثرت كثيرا بتعبيراته الرائعة، وهو يتحدث عن محبوبته. وتعبيراته في وصف الطبيعة فاقت كل خيال، وكذلك وصفه الرائع لفرسه، وقد جذبتني أيضا طريقة حياة نبلاء العرب وشيوخ القبائل، وقد عبر امرؤ القيس عن كل هذا في أشعاره بصدق. لا أزال أتذكر حتى الآن أشعاره، وهذه القرية وتلك الطبيعة الخلابة أعادت لذاكرتي، بل جددت ذكرياتي عما عبر عنه امرؤ القيس في أشعاره، ودغدغت أحاسيسي ومشاعري.
وقد اشتهر اسم امرئ القيس بين المؤرخين الرومان أيضا، وشعره يمكن أن نجده في جميع كتب الأدب إذ لا يخلو كتاب من ذكر اسمه، ولقد عرفت من قبل أين ولد، كنت أدرك أنه ولد في وسط نجد، ولد في واد مملوء بأشجار النخيل، غير أنني لم أكن أعرف هذه الواحة في صحراء النفود. وحين كان صغيرا، كان والده له سلطة كبيرة في هذه المنطقة. لاشك في هذا، مكان ساحر، ومنظر رائع، الخضرة الجميلة، خضرة المكان كله، وخضرة أشجار النخيل، والهضبة الصخرية هناك تبدو كأنها مكان سري، والنساء اللاتي يتمايلن ويتبخترن في مشيهن. كل هذا جذب امرأ القيس، وحرك مشاعره، فاندفع يعبر عن أحاسيسه بقول الشعر.
ويذكر في الكتب أن امرأ القيس كان آخر ملك في هذه المنطقة (بعد وفاة والده كان عليه أن يعود ليتولى الحكم مكان أبيه). ياله من مكان!! هذا المكان مسقط رأس امرئ القيس، مكان رائع.

صلاة المغرب على الهضبة الصخرية
الرابعة وعشر دقائق


تحركنا إلى جهة الشرق، وبدا كأننا نرى القرية التي بنيت من الطين، وتحول سطح الجبل إلى نوع آخر من الصخور، تختلف عن الصخور التي شاهدناها من قبل. ورحنا نتجه شرقا فشرقا، وفوق قمة الجبل كان لون الصخور أبيض كما لو كانت الثلوج تغطيه، لكنها الصخور البيضاء. كانت الشمس تميل إلى الغروب، وشاهدنا كتل الصخور التي غسلتها المياه، كما شاهدنا أيضا أشجار "الطلح " و"السلم "، وبينما كنا ننحدر إلى أسفل الجبل، طلب منا الوزير الياباني أن نرى المنظر الخلفي من زجاج السيارة. كانت الشمس تغرب وتختفي في حضن الجبال، وتحول الأفق بأكمله إلى حمرة قانية، قانية جداً كدم غزال أصيل، لم يحدث أن رأينا مثل هذا المنظر من قبل. شعرنا بجمال الشمس والاحترام الشديد لهذه الطبيعة، ثم اختفت الشمس تماما وحل الظلام.
ارتفع الطريق من أمامنا مما أثر في سير السيارة، وعلى يميننا كان الجبل، وعلى يسارنا كنا نشاهد من بعيد قطيعا من الخراف، وبعد ذلك وجدنا أنفسنا نمضي في طريق ضيق جداً، يحتاج من السائق إلى انتباه شديد، فمشى بسرعة 10 أكيال في الساعة. وبدأ الطريق يهبط بنا وينحدر، وجعلني هذا أتذكر حين كنت أقود السيارة في القاهرة عند الأهرامات، في الليالي المقمرة في الطريق المنحدر هناك، تذكرت هذا وأنا هنا في وسط نجد.
ظهر أمامنا وادي حنيفة، وأوقف السائق السيارة فجأة، ولاحظنا على وجهه علامات الصرامة والجد، قال: انتظروا.. وابتعد عنا.. ثم قام بقضاء حاجته بعد أن جلس على الأرض.
وقمنا نحن أيضا بالشيء نفسه، ولكننا لم نجلس على الأرض، بل قمنا بقضاء الحاجة واقفين. وبينما كنا نقضي حاجتنا كان السائق ينظر إلينا بتعجب شديد، لأن "قضاء الحاجة وقوفا" كان عجيبا جداً بالنسبة له، وغريبة عليه أيضا. ثم قام السائق فتوضأ (تيمم بالتراب)، وبدأ الصلاة، وهذه أول مرة رأيناه يصلي منذ أن خرجنا من جدة !! قال لنا: إن الجو المحيط بنا هنا يجعله يصلي الآن، ورأينا الهلال، كان هلال اليوم الثامن أو التاسع. كنا كما لو نحلم ونحن نشاهد هذا المنظر الطبيعي الرائع، الذي لا يمكن وصفه، وكان النسيم عليلاً والهدوء يخيم على المكان.
والسائق (شاكر) مولود في مكة، ويجري الدم البدوي في عروقه، وهذا الجو بالنسبة له يعني الكثير، فقد كان سعيدا فرحا هاشا باشاً، وهو يمر بهذه المنطقة، والهلال فوق الجبال جعله ينتبه إلى أداء الصلاة، وكان لدي شعور وإحساس بالرغبة في أداء الصلاة مثل شاكر، فقد كنت أدرس في جامعة الأزهر بالقاهرة، ولكن أمام الوزير، وأمام المهندس ميتسوتشي شعرت بالخجل، فتوقفت، لكنني بدأت أغني بصوت عال مع المهندس ميتسوتشي أغنية هي الآن مشهورة جداً في اليابان، بعنوان "الغروب في الصحراء".
كان يمكننا أن نرى الجبل، الذي بدت صخوره من الحجر الجيري، وهيئته مثل جبل فوجي، لهذا أطلقنا على هذا الجبل "جبل فوجي العربي"؛ ربما كان ارتفاعه 300 متر فقط، لكن شكله كان غريبا جداً، حين كنا على الحدود بين الحجاز ونجد أمكننا رؤية جبال الجرانيت، لكن - الآن وبالقرب من الرياض وعلى بعد حوالي مائة كيل في الوادي- يمكننا أن نرى هضابا تتكون من الأحجار الجيرية، ياللفرق بين الجرانيت والحجر الجيري!!
وذات مرة منذ مائة وخمسين سنة استولى أفراد الأسرة المالكة المصرية-- طوسون بيه وإبراهيم باشا- على هذه المنطقة، ولكن بعد عدة سنوات كان عليهم أن يعودوا أدراجهم ثانية.
أخذنا نتحرك على طريق هو عبارة عن رمال بيضاء، كانت أنوار السيارة الأمامية مضاءة، وكانت تسير على هذا الطريق السهل المنبسط، بسرعة 90 كيلاً في الساعة.
وواجهنا سيارة قادمة أمامنا، كانت هذه أول مرة نشاهد سيارة في مواجهتنا منذ غادرنا الحجاز، ولهذا شعرنا أننا وصلنا إلى نجد، غير أننا سرنا أكثر من ساعة على هذه الوتيرة، حتى وصلنا إلى القرية التي بنيت من الطين، فهدأ السائق من سرعة السيارة.

نقص الوقود عند العرب!!!

كان يمكن أن نشاهد أمامنا أضواء صغيرة، ربما يوجد هناك أناس. فأوقفنا السيارة ونزلنا منها، وذهب السائق تجاههم، كانت هناك عربة نقل (شاحنة) مع رجلين، وبعد أن عاد سألناه: ما الخبر؟ قال: هؤلاء يعملون في الحكومة، وهم ذاهبون من الرياض إلى مكة، إلا أن نقص وقود سياراتهم جعلهم ينتظرون سيارة تمدهم إن أمكن بالوقود.
ورحت أفكر.. مائة كيل هي المسافة من هنا إلى الرياض، ولم يعد مع هؤلاء وقود للسيارة. ماذا بعد ذلك؟ سوف يعبرون صحراء النفود، وسوف يمضون في مناطق أخرى صعبة، كيف سيتصرفون!؟
تعجبتا.. ألم يفكروا في هذا الأمر؟ ربما يظنون أن أحداً سيقدم لهم المساعدة كلما احتاجوا إلى ذلك، وفي كل مرج ينفد منهم الوقود، لابد أنهم مهملون لا يعملون حسابا لمثل هذا الطريق .. ألم يفكروا في كل هذا.!؟
كان هذا رأي السائق أيضا الذي أخبرهم أنه لا يمكن أن يعطيهم وقودا لسيارتهم، وذكر لهم أن من ورائه سيارة قادمة ربما تزودهم بالوقود، وأن عليهما الانتظار حتى تأتي هذه السيارة.
ولكن- فيما بعد وفي الرياض- أخبرنا بأن عبد السلام أعطاهم صفيحة من الوقود حتى يتمكنوا من متابعة رحلتهم.

الظلمة ومسيلمة

ومضينا في طريقنا.. أصبح الهواء محملاً بالرطوبة إلى حد ما، وأخذ الطريق يضيق، وامتلأ بالمطبات، فقلت سرعة السيارة عن ذي قبل، ثم تشعب الطريق إلى عدة طرق، اضطرب السائق في البداية فلم يكن يدري أي طريق يسلك، وحاول أن يسلك أحدها، فكان مصادفة هو الطريق الصحيح، و على جانبي هذا الطريق وبمحاذاته رأينا نبات القمح الأخضر، كان ارتفاعه حوالي 30 سنتيمتراً، أخذت عوداً من أعواده وعضضته فشممت فيه رائحة القمح الحقيقي، وذقت فيه طعم القمح الحقيقي، وبعد ذلك قال لنا السائق شيئا عجيبا، قال: ربما ضللنا الطريق، هذا الطريق يؤدي إلى ضرما، وخشينا أن نكون قد ضللنا الطريق فرحنا نطالع الخرائط، ثم اكتشفت أنني أخطأت، وأسأت فهم ما قاله. فقد قال: (ضرما) وظننته قال:
إنه فقد الطريق نتيجة (الظلمة) أي الظلام.
ولم يكن في مقدورنا أن نفعل شيئا ونحن نظن أننا فقدنا الطريق، فجلسنا على جانب الطريق ننتظر، ونحاول اكتشاف الطريق الصحيح، حتى جاءت إلينا سيارة عرفنا أنها سيارة عبد السلام الذي رجع يبحث عنا، وقال: هنا "العيينة" وهي بلدة مشهورة تعرف بأنها بلدة مسيلمة الكذاب، وسمعنا عن قصة مسيلمة، وأنا أعرفها لأنني درست التاريخ أيضاً في جامعة القاهرة.
قرأت عن مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، وأقلق الناس في نجد واليمامة، والعيينة مشهورة أيضا بمحمد بن عبد الوهاب، إمام الدعوة الوهابية، وسكانها الآن حوالي ألف نسمة، وكانت هذه البلدة منذ مائة سنة مركزا سياسياً وثقافياً لنجد، وقد أعيد بناؤها مرة بعد مرة. لأن الفيضانات كانت تغرق البيوت، كلما جاء موسمها، ومع بداية القرن التاسع عشر استولى الجيش المصري على هذه المنطقة، لكني أشعر الآن كما لو أن هذا الشي لم يحدث، فهذه قرية لا تزال بعيدة عن كل المؤثرات، وهي تبدو فقيرة جداً، وكأن أحداً لم يمر بها.
رجع السائق وأخبرنا بأننا نمضي في الطريق الصحيح، فتابعنا رحلتنا ثانية، وشاهدنا مجرى مائياً صغيرا، لكن هذه المياه كانت غير عادية، لم أر مثلها منذ تركنا "الجعرانة" وشاهدنا بيوتا مبنية من الطين، وساقية تسحب الماء من البئر، كان الهواء مشبعا بالرطوبة إلى حد ما، وباردا مما يشعرنا بأننا في جو الحضر.

قرية الجبيلة



بينما النوم يداعب جفوني بسبب الهواء العليل، إذا بالسائق يصيح فجأة: الجبيلة الجبيلة!! وسارت السيارة بعد ذلك ببطء، فرأينا على اليسار حائط قلعة شيد من الطين، وعلى اليمين هضبة صغيرة نبتت فوقها أشجار الطلح، وتناهى إلى سمع صوت غريب، صوت يعلو وينخفض، صوت حاد وهادئ في وقت واحد، ظننت أنه صوت قادم من مذياع، ربما من إذاعة مصر أو فلسطين، وتأهبت لسماع أغنية ما، لكنني لم أسمع شيئا سوى ذلك الصوت العجيب، فسألت السائق: ما هذا؟ هل هذا صوت مذياع؟ فضحك وضحك. وأعدت عليه السؤال ثانية، ما هذا الصوت؟ فضحك ثانية، وقال: هذه "سانية". واكتشفت أن هذا صوت السانية التي تمتد حبالها لإخراج الماء من البئر، كان هذا الصوت الموسيقي شبيها بالصوت الذي يصدر عن " آلة الكمان " تماما.. مثل هذا الصوت الموسيقي كان يتناهى إلى أسماعنا في الجبيلة، لكننا لم نر مصدره من حولنا، لم نكن نرى أي نور أو ضوء أو نار. نزلنا من السيارة، ورحنا نستنشق الهواء الذي كان ممزوجا برائحة التراب، وكانت الساعة آنذاك السابعة والنصف ليلاً حين كنا نشاهد أشجار الطلح كان ينتابني شعور بالخوف أكثر من الشعور بجمال هذه الأشجار، لأنه لم يكن هناك أي شيء آخر، وحينما كان مرافقونا العرب يضربون الخيام، ويعدون الطعام كنا نستمع إلى "مذياع " السيارة. وبينما كانت أعيننا تتجه إلى حائط القلعة، شاهدنا سلالم يصعد عليها ثلاثة رجال، ربما كانوا عائدين إلى بيوتهم، كان الجميع هنا مشغولاً بشأنه، والطباخ راح يذبح شاة اشتراها من "خف "، ذبحها بسكين كبيرة، ثم علقها على شجرة، وأخذ يقطعها قطعا صغيرة، استغرق ذلك منه أكثر من ساعة، وكنا في غاية الجوع.
كنت والسائق وعبد السلام بلا عمل ولا شغل، فأمضينا الوقت نسمع "المذياع " ربما كانت إذاعة القدس، وكنت قد تعودت على سماع "المذياع " في مصر، وكنت أسمع بشوق أغاني محمد عبد الوهاب، الذي كان يغني الآن أغنية "الوردة البيضاء". هذه الأغنية مناسبة تماما لهذا الجو الذي نعيش فيه، ولهذا المنظر من حولنا. كانت الجبيلة- مثلها مثل الدرعية والعيينة والرياض، بلدة نشطة، ولكن لم أفكر أبدا في أنني أستطيع أن أسمع أغنية لعبد الوهاب في مثل هذا المكان، كان هذا البث الإذاعي من القدس، وبعد الأغنية جاءت الأخبار من وكالة رويتر باللغة العربية، وكانت عن الموقف السياسي في مصر، والموقف السياسي في أوربا. ذات مرة كنت أستمع إلى إذاعة اليابان وأنا في القاهرة، ولم أكن ساعتئذ أشعر بأن في هذا الأمر غرابة، ولكنني الآن حين أستمع إلى إذاعة القدس ينتابني شعور غريب، ويمكنني الآن أن أفهم ما حدث منذ عشر سنوات من العلماء في مكة، العلماء الذين استمعوا إلى إذاعة مصر لأول مرة، فقاموا بتحطيم أجهزة الراديو، لأنهم ظنوا بأن ما يصدر عنه هو صوت الشيطان. الآن أفهم شعورهم جيدا؟ لأنني شعرت هنا بشعور غريب ينتابني، كانت خيمتنا جاهزة، فدلفت إليها ورحت أكتب مذكراتي، في حين كان المهندس غارقا في فحص الأحجار التي جمعها اليوم، وكان الوزير يتجول حول الخيمة. كنا قلقين وخائفين من أن يلدغنا العقرب. ولهذا وضعنا بودرة البراغيث والقمل في كل مكان حتى داخل أحذيتنا حتى نبعد العقرب عنا، وفجأة قدم الوزير، وقال: انظروا..
انظروا إلى هذا الشيء العجيب، شيء مثل الحجر يتحرك، وحين شاهدناه كان طوله خمسة سنتيميترات، مخلوق أسود مدور يتحرك على الأرض واكتشفنا أن ما نراه نملة كبيرة، تحمل قطعة من روث الغنم. اعتقدنا نحن أنه حجر يتحرك على الأرض !!
وتذكرت ما قرأت عن قصة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحجر. لكن ما أمامي كان مجرد حشرة!! تناولنا طعام العشاء المكون من لحم الغنم المقطع قطعا صغيرة، ووجدنا صعوبة في مضغه. وبعد العشاء أوينا إلى فراشنا للنوم، ونحن على أمل الاتجاه غدا صباحا إلى مدينة الرياض، وكانت درجة الحرارة عشر درجات مئوية، وكنا على ارتفاع 645 مترا فوق سطح البحر. وحين نزلنا في هذا المكان، نكون قد اجتزنا ما يقرب من مائتين وخمسين كيلاً.



يتبع،،العماني

__________________


التعديل الأخير تم بواسطة العماني ; 28-11-2004 الساعة 02:23 AM
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com