هذا نص مقال الكاتب / زايد الزيد بجريدة النهار يوم الثلاثاء 1/1/2008 : ـ
وفي الليلة الظلماء.. يفتقد «الجري»
ان التدهور الذي نشهده كل لحظة في أرجاء هذا الوطن يعود كله الى سبب واحد هو سوء الادارة، وانا شخصيا لا أمل من تكرار مقولة للخبير الاقتصادي جاسم السعدون كان قد ذكرها في أحد تقاريره، لانها تشخّص بوضوح شديد أسباب الأحوال المتردية، يقول السعدون ان الكويت حالها كحال شركة تملك العناصر البشرية الممتازة، ولديها امكانات مادية هائلة، ومع ذلك هي دوماً خاسرة والسبب في ذلك يعود الى ان مجلس ادارة تلك الشركة يعاني من الفشل، وبالتالي فان الحل يكمن في تغيير مجلس الادارة لانه المسؤول عن تراجع اداء الشركة وخسائرها.
ورغم أجواء الاحباط الناتجة عن تدهور أحوال الدولة، والفشل الذريع في أسلوب ادارتها، نتذكر بكثير من الاجلال والاحترام والتقدير ذلك الموقف المبدئي الرائع للنائب السابق وليد الجري حينما عُرِضتْ عليه الوزارة.
وربما يتساءل البعض وما علاقة تدهور أحوال الدولة بموقف النائب الفذ وليد الجري في رفض المنصب الوزاري؟! وأقول اننا نجد العذر لمن يجهل تفاصيل الحوار الذي دار بين سمو رئيس الحكومة والنائب الجري حول هذا الموضوع، فالنائب الجري رفض دخول الحكومة لأن «السلطة» لاتزال غير مستعدة لأن تتقبل ان يكون الحوار والقرار ديموقراطيين داخل مجلس الوزراء كما ينص الدستور على ذلك، فالجري يعلم كيف تدار الأمور في السلطة التنفيذية، فهناك حكومة «شكلية» تتمثل في كامل أعضاء مجلس الوزراء، وهناك حكومة «فعلية» قوامها مجموعة من النافذين في «الأسرة» ممن هم خارج الحكومة مطعّمة بمجموعة من مجلس الوزراء لا يزيد عددها عن ثلاثة وزراء على أفضل تقدير!! وكل القرارات المهمة والمصيرية تقرها الحكومة «الفعلية»، وما على الحكومة «الشكلية» إلا «التبصيم» بالموافقة!! هذا هو واقع حال السلطة التنفيذية كما يعرفه وليد الجري، لذا فإنه لم يقبل على نفسه ان يدخل في حكومة لا تملك قرارها، وعليه، فإن الموقف الذي اتخذه وليد الجري في رفض الدخول في الحكومة يعتبر موقفاً تاريخياً عظيماً سيظل محفوراً في ذاكرة الأجيال، فحسب متابعتي المتواضعة للشأن العام، فانني اعتقد ان هذا الموقف المبدئي لوليد الجري هو موقف غير مسبوق في حياتنا السياسية!، نعم هناك اشخاص اعتذروا عن قبول الوزارة لاسباب شخصية، وهناك وزراء دخلوا الوزارة وقدموا استقالاتهم لاحقاً لاصطدامهم بمعوقات حالت دون قيامهم بواجباتهم الدستورية والسياسية وهم على سبيل الحصر السادة الافاضل: يوسف النصف ود. سعد بن طفلة، ود. أنس الرشيد، ولكن موقف وليد الجري هو موقف متفرد سجل فيه بكل شجاعة وزهد ما يمليه عليه ضميره الوطني الحي متسلحاً بمسيرة عمل نقية، واداء برلماني راق، وجرأة ممتزجة بالاقتدار.
من هنا، فان موقف وليد الجري من دخول الوزارة لو اخذ به عدد من الوزراء الحاليين لربما تمكنا من وقف التدهور الذي نعيشه، اما اللهاث وراء قبول المناصب - وبأي ثمن - حتى لو كان على حساب ردة الوطن وتراجعه، فلن نجني منه سوى المر والعلقم، وهذا هو ما نشهد!