صيف سلام أم حرب بين إسرائيل وسوريا؟
انشغلت الصحافة والنخبة السياسية في إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة بتقدير الوضع على الجبهة الشمالية خاصة العلاقة مع سوريا. وظهر التناقض على أشده، فمرة تتحدث الصحافة الإسرائيلية وتدعمها النخبة السياسية وصولاً إلى رئيس الوزراء إيهود أولمرت عن اتصالات مع سوريا، وعن فرصة سلام في الأفق، وتنشغل الصحافة والتحليلات في البحث عن اتصالات سرية، وعن رسائل مرسلة من إسرائيل عبر هذا الطرف أو ذاك. أو عن رسائل سورية إلى إسرائيل عبر هذا الوسيط أو ذاك. وصولاً إلى الدعوة التي وجهها رئيس الوزراء إيهود أولمرت عبر قناة العربية إلى الرئيس السوري لبدء المفاوضات.
لكن هذه ليست الصورة الوحيدة في إسرائيل، ففي وقت متزامن لهذه الصورة التي تفترض أن هناك رغبة إسرائيلية في بدء المفاوضات مع سوريا للوصول إلى السلام، وهي صورة خادعة على كل حال، فإن الثرثرة حول الحرب القادمة مع سوريا لم تتوقف، لا من القيادات السياسية ولا العسكرية، ولم تكف الصحافة عن رسم السيناريوهات لهذه الحرب التي تكاد تكون حتمية حسب الكثير من التحليلات. فعندما تكتب يديعوت أحرونوت الصحيفة الأكثر انتشاراً في إسرائيل في عنوان رئيسي على صفحة كاملة "ملايين المواطنين والبنى التحتية الوطنية ستصاب بالضرر جراء الهجمات الصاروخية" لا تكون المسألة، مسألة تحليل إخباري، إنما هي أقرب للنبوءة بالذات. ولم يقتصر الأمر على يديعوت أحرونوت فصحيفة معاريف تضع عنواناً رئيسياً عبارة عن سؤال يقول "هل تتوجه سوريا نحو الحرب؟" وتتابع على صفحتين داخليتين "هل ستحدث الحرب أو لن تحدث؟". ولم تقصر الصحف الأخرى في تحليل احتمالات الحرب مع سوريا. وعلى المستوى العسكري، فإن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، الجنرال عاموس يادلين، يقول إن سوريا تُبدي جاهزية للحرب أكثر من أي وقت آخر، لكن هذا الأمر لا يعني أنها معنية بالخروج للحرب. صحيح أنها تستعد للحرب إلا أن وجهها ليس نحو الحرب في الفترة القريبة. وفي المقابل فإن رئيس هيئة الأركان غابي اشكنازي يستعد لإمكانية حدوث تدهور في الجبهة الشمالية، وسيناريو اندلاع الحرب في الشمال في الصيف هو إمكانية معقولة جداً بنظره. وما يعزز هذه التحليلات والتصريحات المناورات العسكرية الإسرائيلية التي جرت في النقب لمواجهة أي هجمة سورية، وتلك التي جرت في هضبة الجولان لذات السبب، إضافة إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ يرمم مباني وبنى تحتية وقواعد مهجورة في هضبة الجولان. و"هذا لا يعني أنه ستكون حرب في الصيف، ولكننا نواصل الاستعدادات"، قالها مصدر كبير في الجيش الإسرائيلي لصحيفة معاريف الإسرائيلية. فالمسألة لا تقف عند حدود التحليلات الصحفية أو التصريحات الفارغة، على العكس فهذه التحليلات والتصريحات تترافق مع إجراءات على الأرض تجعل إمكانية أن تقوم الحرب، تبدو كإمكانية واقعية، حيث تبدو الحرب القادمة وكأنها مسألة وقت ليس إلا.
رغم النقاش القائم في إسرائيل حول الحرب والسلام مع سوريا، فإن ذلك لا يمكن أن يقرأ بأن السلام والحرب يتسابقان على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية. فإذا كانت إسرائيل تريد أن تضع المسألة في هذا الإطار، على أساس، إذا لم تركض سوريا نحو السلام الذي تقترحه إسرائيل، فإن المنطقة تسير باتجاه الحرب، وبالتالي الطرف السوري هو المسؤول عن أي ترد في أوضاع المنطقة خلال الصيف الحالي. هذه ذريعة وخدعة لم تعد تنطلي على أحد، صحيح أن إسرائيل قادرة بشكل دائم على إثارة الدخان الكثيف للتعمية على حقيقة القضايا، وهذه التعمية تنجح في بعض الأوقات، ولكنها لا تنجح كل الوقت. وهذه المرة من الواضح أن الدخان الإسرائيلي غير قادر على التعمية، فحكومة أولمرت اليوم عاجزة عن إنجاز السلام، وغير قادرة في ذات الوقت على الحرب. وكل الجعجعة عن الحرب، ما هي إلا محاولة للتغطية على فشل الحرب الأخيرة، وأي حرب قادمة، لا وظيفة لها، ولا تكفي حجة استعادة الردع الإسرائيلي الذي تضرر في الحرب الأخيرة، لشن حرب أوسع وأكثر تدميراً وإنتاجاً للضرر من تلك التي جرت الصيف الماضي. فقرار الحرب لا يمكن أن تأخذه في إسرائيل قيادة ضعيفة، بضعف قيادة أولمرت، فالشارع الإسرائيلي فاقد الثقة فيها، ولذلك لن تستطيع قيادة من هذا النوع أن تتخذ قراراً بخطورة قرار الحرب مع سوريا. وفي إسرائيل يتم التعامل مع حكومة أولمرت بوصفها حكومة تصريف أعمال حتى التقرير النهائي للجنة فينوجراد الذي سيضع إسرائيل حينها على سكة جديدة. وهذا لا يعني أن المنطقة لا يمكن أن تنزلق إلى الحرب، فهشاشة الوضع في المنطقة تجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن الحكومة الإسرائيلية اليوم أعجز من أن تأخذ قرار حرب جديدة.
ولأن قرار السلام لا يقل خطورة عن قرار الحرب، وحكومة أولمرت العاجزة عن اتخاذ قرار الحرب، هي أعجز أيضاً من أن تتخذ قرار السلام مع سوريا ودفع الثمن بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان. فهذه التنازلات التي لا يوافق عليها الشارع الإسرائيلي أصلاً، لا تستطيع قيادة لا يثق فيها هذا الشارع أن تقدم عليها، وهي التي توصف في إسرائيل بأنها "تنازلات مؤلمة" في أحسن الحالات.
إسرائيل العاجزة عن قرار الحرب وعن قرار السلام، هي إسرائيل في أزمة، وليس أمامها سوى إدارة الأزمة لتمرير الوقت، لأنها ليست في مرحلة القرارات الكبرى، والحديث عن السلام والحرب هو دخان تعمية، ليس إلا