كانت خيمتنا منصوبة في العراء..وكانت بصراحة أول تجربه لي اخرج في رحلة من هذا النوع..أحمل زمزميه على ظهري وأنام على سرير سفري وامشي في وهج الظهيرة في الرمل وفي التراب..أتناول غذائي من التمر والخبز الجاف مع علب الجبن و التونة..بدون الماء المثلج وزجاجات الصودا..وبدون فنجال في المرديان..وبدون الاسترخاء السعيد بعد الحمام الساخن في البيت أمام التلفزيون 30 بوصة..
كان الاسترخاء هذه المرة على ارض مغطاة بالشوك مرصعة بالحصى معطرة بالتراب..والماء الوحيد الممكن الحصول عليه هو ماء مالح من بئر إردوازية
الثوب الوحيد إلي البسه من القماش الأبيض الذي تستطيع أن تشاهد خريطة أي دولة مرسومة عليه..الله يجازي الشيطـــــــان
والشيطان هنا هو صاحبي الذي زين لي هذه الحماقة وظل يغريني بها حتى اقتنعت..اقتنعت بأني رجل رخو أمارس حياة بليدة مرهفة لا تختلف عن حياة النساء المترفات..عيشة نواعمي..تنقصها الخشونة والرجولة..
وكنت انظر إلى صاحبي هذا وهو جالس على باب الخيمة يأكل تين..وأرقبه وهو يلتقط التين ويأكله بترابه وطينه فأشعر بالاشمئزاز من هذه القذارة التي يسميها خشونة..وأحاول ان ألفت نظره الى الميكروبات التي يبتلعها بالملايين مع كل قضمة من هذا التين او الطين .. فيرد علي وهو ويبتسم (:
وشفيه الطين ؟؟ !! النبات عايش على الطين..الورد يفطر ويتغذى ويتعشى طين..الحصان الرشيق يفطر حشيش بالطين..ونت بكبرك مخلوق من طين..
واستمر في حديثه مع الابتسامة قائلا :
تدري الحيوانات هذي وش تسوي في الميكروبات إلي تبلعها مع اكلها ..
فقلت بغباء : لاا
قال : في معدتها أحماض تذوب كل الميكروبات وتتغذى عليها..الحياة لها ألف حيلة..المعقمين المحنطين اللي زيك..إلي يأكلون مطهرات وبرافازات يعطلون حافز الحياة في أجسامهم والنتيجة انهم يمرضون وتفقد أجسامهم عنصر الكفاح..
اسمع نصيحتي ..كل طين..أنا جايبك اليوم عشان تاكل طين !!
الله يجازي الــشيطان وسميت وأكلت التين أو الطين .
ورأيته ينزع الخيمة ويجمع المعدات ويحمل المؤونة على ظهره ويذهب الى السيارة الجيب..فاستبشرت خيراً بأننا عائدان الى المدينة في النهاية بعد هذا اليوم القاسي ..ولكني رأيته يدير عجلة القيادة الى اتجاه آخر ويدوس على البنزين لينطلق بالجيب في طريق طويل ومتعرج..وبعد ساعة كنا ندخل في طريق صحراوي ونترك الوادي بألوانه الخضراء وراء ظهرنا..
سألته : أنت وين مودينا ؟
قال : أبغى أطلعك على الواحات
واحات مين الله يهديك..فيه احد يروح الواحات في ذا الحر..
وتشبثت بيده أحاول ان اثنيه ولكنه كان يزداد عنادا كلما حاولت مقاومته..واستسلمت في بؤس وأنا اعزي نفسي بأني اكتسب خشونة وأنبه حافز الحياة
الخ الخ الخ
ولكني كنت غير مقتنع بقصة حافز الحياة ذي..لأني قلت بعد لحضات :
- نفرض مثلا ان السيارة غرزت في ذا الرمل الناعم ..وش بنسوي ؟
قال : المفروض انها تغرز..وش الفرق بيننا والتلاميذ الي طالعين في رحلة مدرسية..اذا السيارة ماغرزت..منين نكسب وتتربى فينا روح المغامرة..اذا كنا بنطلع رحلة ونرجع زي مارحنا كأنك رايح نادي كل يوم وش الفايدة وش اكتسبنا..
كانت الشمس عمودية..والرمال من حولنا تمج اللهب..والطريق أمامنا وخلفنا يبدو خالياً تماماً من أي مخلوق..والصحراء المترامية على الجانبين ليس فيها شجرة او حيوان او خيمة او أي اثر للحياة..بيداء جرداء تشويها الشمس..وكان صاحبي مازال يتحدث عن حافز الحياة..وأنا لا أرى أمامي ذرة حياة..وحلقي جاف ولا أجد القوة لأرد عليه..
وأكمل :
الحياة مش في الراحة والأمان..يا ما بتشبع راحة إذا مت..ساعتها بترتاح على جنبك مايتحرك فيك شعره بدال السنة ألف..الحياة مش راحة الحياة تعب وأخطار ومغامرة ومجازفة ..
كلام معقول..لكن الحر أقوى من أي معقول..والصداع الذي يدق رأسي..والعرق والوهج الذي يعمي العين..وأجفاني التي بدأت تثقل..كل هذا كان يجعلني لا افهم شيئاً..وألعن اليوم الذي سلمت فيه قيادى لهذا المجنون..مغامرة ايش واخطاء مين..أنا وش لي في الشقاء ..وش بستفيد من الخشونة ذي..
وكنت أشعر بالندم لهذه الفطنة التي جاءت بعد أوانها..فلم يعد هناك حل..المسافة بيننا وبين المدينة طالت وأصبحت مايقارب ستمائة كيلو..وأصبح طريق العودة يكلفنا جهد أكبر..لا يوجد حل..أمري لله..
مضت عشرون ساعة على مغادرتنا المدينة..خلفنا في أسفار متواصلة..وكنت استعرض في ذهني كل قصص الرحالة الذين تاهو في الصحراء وماتوا من العطش وأكلتهم الذئاب..وأتخيل لــنفسي هذه النهاية التعيسة..
من يدري بأن صاحبي يسير في الطريق الصحيح وأنه لم يضل..والطريق المتعرج الذي لا ينتهي يؤكد لي هذه الظنون..لا أثر لكشك مرور على الأفق..أو إشارة..أو علامة..أو سهم يشير إلى أي مكان على الأرض..
لا يمكن أن يكون هذا الطريق المهجور مؤديا إلى شئ ...!!
.......
يتبع