اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > الـمنتديات الادبيــــــة > :: مـنتدى القـــصص والروايـــات ::

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 25-08-2004, 12:50 PM
سراب سراب غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: May 2004
الدولة: فى بيتى
المشاركات: 2,601

__________________




التعديل الأخير تم بواسطة سراب ; 25-08-2004 الساعة 12:51 PM
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 25-08-2004, 02:29 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



ياهلا والله بالغالية ( سراب )
أسعدني حضورك وإستحسانك لما طرحت


لك مودتى
السؤدد


رد مع اقتباس
  #23  
قديم 25-08-2004, 02:34 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



( الجـــزء السادس )

في بيت الجارية

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
لم يكن أما يسار إلا أن يغير طريق ذهابه إلى محل أبيه ، لكي يتجنب رؤية الجارية ، سيسلك الطريق المعاكس ، وإن كان طويلاً ، ولم يتعود على سلوكه من قبل .
ولكن .. ما العمل ..
ومضى في الطريق المعاكس ، فرأى كثيرًا من الأشخاص الذين يعرفهم ، ومر بأبي الفداء ، حاملاً طفله فداء الدين وقفًا أمام بيته . وكان طفله قد تماثل للشفاء ، فأخذ يبتسم للمارة وهو يحرك يده ويتلفت برأسه الصغير ووجهه المتورد المتفتح كزهرة القداح .. وكانت بعض الأشجار قد خلعت أرديتها وأخذت تتهيأ لاستقبال الربيع .
ومضى يسار ، وحمد الله على السلامة ، فد مر اليوم الأول والثاني والثالث دون أن يراها . ولكن صورتها لم تغادر خياله .. وصوتها يهمس في أذنه ، ونظرتها .. وفي كل يوم يزداد شوقًا وتلهفًا .. والمكان الذي احتلته في قلبه بدأ يتسع . ولكنه كان يقاوم ويحاول أن يأسو جراح قلبه .
قال أبو الحسن الورَّاق : في مساء اليوم الرابع ، ذهب يسار بعد صلاة العشاء ، إلى بيت القاضي الشيخ محمد صالح ، وكان مجلس الشيخ عامرًا بالمسائل الفقهية الجلية ، والحكم الثاقبة ، والنوادر اللطيفة ، وأقباس من جنائن الحديث والتاريخ والأدب . وكان الشيخ المفوه ، يدير الحديث ويأتي بكل طريف وحديث .
وقد تأخر ذلك المساء في بيت القاضي ، فلما خرج ، كانت السماء قد ادلهمت بالغيوم ، وأخذت ترسل رذاذًا ، فأسرع يسار إلى منزله ، خشية أن يدركه المطر . وقبل أن يصل إلى البيت بخطوات ، برز من زاوية مظلمة ، رجل متوسط القامة ، أسود ، وقال بصوت هادئ :
- هل تسمح يا سيدي ؟
ونظر إليه يسار ، وتين ملامحه ، إنه خادم الجارية .. مريد .. وعاد هذا يقول مرة أخرى :
- إن سيدتي مريضة .. وهي تود أن تراك .
لقد ظن أنه تخلص منها نهائيًا ، وظن أنها لن تعترض طريقه . ولكن هاهو خادمها العربيد يأتي ليذكِّره بها ، ليجذبه إليها .
قال يسار وقد تملكه الغضب :
- اغرب عن وجهي .
ولكن الخادم بقي في مكانه وقال بصوت خفيض :
- إنها مريضة يا سيدي ..
وهتف يسار قائلاً :
- ويحك يا رجل . وما شأني بمرضها ؟
وسكت قليلاً ثم أضاف :
- ادع لها طبيبًا .
فأجاب الخادم بلهجة صادقة :
- لم أجد الطبيب في بيته يا سيدي . فأرسلتني أدعوك .
ولما نظر إليه يسار متعجبًا ومستغربًا ، أضاف الخادم يقول :
- ربما تريد أن تسرُّك بأمر يا سيدي .
قال يسار وقد رفع يده يهم بطرق الباب :
- لتسر واحدًا من معارفها .
وتأخر الخادم خطوة وقال :
ولكنها لا تثق إلا بك .
وهتف يسار وهو يريد أن يتخلص :
- من أين تعرفني يا رجل ؟
فأجاب الخادم بكل جدية :
- من من الناس من لا يعرفك يا سيدي .. من من الناس في بغداد من لا يعرف يسارًا ..
ولما رآه ساكتًا مضى في كلامه :
- إنها يا سيدي في حالة يرثى لها .. إنك لو رأيتها يا سيدي ، لرق لها قلبك ..
من يدري .. ربما لا تعيش إلى الغد .!
ولم برق في السماء ، ومسَّت قلبه العبارة الأخيرة ، فهتف مأخوذًا :
- لا تعيش إلى الغد ؟
وهزَّ الخادم رأسه وهو يؤكد :
- الأعمار بيد الله يا سيدي .
استوضح قائلاً :
- وماذا تظنها تريد ؟
فطأطأ رأسه ، وقال بصوت يَنُمُّ عن التأثر والحزن العميق :
- ربما تريد أن تتوب .
وغمَغم يسار ، وكأنه لا يصدق ما يسمع :
- وما الذي يمنعها من التوبة ؟
الله يقبل التوبة عن عباده ، ويعفو عن كثير .
قال وهو يرفع رأسه الذي تساقط عليه الرذاذ ، وقال :
- ربما تريد أن تبوح لك بسر ..
ودق قلب يسار وهو يحرك شفتيه :
- سر ؟
ولم يشعر يسار إلا كما يشعر السابح الذي ألقي في اليم ، فنال منه الجهد والتعب ، وأخذت الأمواج تتقاذفه إلى حيث تشتهي ولا يشتهي ..!!
قال أبو العرفان : وفي الطريق سأله الخادم قائلاً :
- لقد قلت لي مرة .. اتق الله واجتنب المعاصي .
والتفت يسار ، ليرى مدى الصدق في سؤاله ، فلم يستطع أن يتبين من معالم وجهه . ولكن نبرات صوته أوحت بأكثر مما يستطيع وجهه الملفوف بالظلام أن يوحي . وكان الرذاذ الخفيف اللطيف ينزل متمهلاً وكأن السماء تداعب به وجه الأرض .
وأجاب يسار بعد أن سار خطوات وقال :
- اترك ما أنت فيه ..
وقبل أن يسأله الخادم ، وقف وأضاف :
- إن أرض الله واسعة .
كانت الفوانيس تبدو باسمة مستسلمة مسرورة بما ترسل السماء من رذاذ ، وكان بعضها يبدو خائفًا وجلاً قد انخنس نوره مترقبًا لما قد تأتي به بعد ذلك ، ولاسيما في هذا الموسم من آخر الشتاء .
ولما اقتربا من بيت الجارية ، قال يسار :
- لا تتركني وحدي ..
ولم يفهم الخادم ما يريد .. فأضاف موضحًا :
- لا يجوز لرجل أن يختلي بامرأة غريبة عنه .
عندما فتح الخادم باب الغرفة التي ترقد فيها الفتاة ، طارت إلى أنف يسار رائحة مسك فتيق ، وبدت الغرفة في تأثيث فاخر ، وفي صدرها سرير قرطبي ، يتدلى فوقه سراجان يقال أن حكيم بن محمود قد أتى بهما من بلاد الفرنك ، في آخر سفرة له إلى تلك البقاع . وقد تمددت الجارية على ذلك السرير القرطبي بعد أن وصل الغطاء الأبيض الموشى بخيط الموصلين إلى صدرها .. وارتاح شعرها الأسود الطويل على ترائبها .
كانت الجارية تئن وتتأوه ، وتتلوى من الألم . ولم يصدق يسار أول الأمر ، وقد تسمرت قدماه في أول الغرفة ، وظن أنه قد خدع ! ولكن تردده لم يطل .. فقد التفتت إليه بعينيها المتضرعتين ، فخفق فؤاده وانجذب إليها كالمسحور ، حتى إذا صار قريبًا منها قال بصوت اجتهد أن يكون خافتًا كأنه من دنيا الأحلام :
- سرشير ..
وأجابته بعينيها ، وهي تصغي إليه ، تستمع لألحان صوته العذب ، وصدرها الذي يغطي بعضه شعرها الطويل الأسود اللامع ، يعلو ويهبط .. وراح يسار يردد كالنائم :
- كيف حالك يا سرشير ؟
وتبسمت وهي تغالب دمعة متألمة ، وقالت بصوت يشبه الأنين :
- لقد خشيت أن أموت ولا أسمع اسمي يتردد على لسانك ..
فهتف كالمأخوذ :
- سرشير ..
وأجابته وقد نسيت أنها مريضة :
- يسار ..
قال :
- أنت ملء القلب يا سرشير .
وتحرجت الدمعة على خدها طربًا ، وقالت والابتسامة تشرق على وجهها :
- يسار .. أنا ..
وهتف مرة أخرى :
- أنت يا سرشير .. أنت ملء القلب .
وانتقلت على أنغام صوته ، إلى عالم مملوء بالرياحين ، فتحركت في مكانها وأرادت أن تجلس ، ولكن الألم عاودها .. فتأوَّهت ، وتلوت في فراشها وأخذت تئن أنينًا يشبه النحيب . وكان ينظر إليها ، ويحس بقلبه الغض يتلوى معها ، ويئن ، ويتمنى لو زال عنها الألم .
كانت جدران الغرفة مصبوغة باللون الوردي الفاتح والسراجان المتدليان فوق السرير يضيفان على الغرفة بهاءً ورونقًا ، والموقد الصيني في جانب الغرفة يشيع الدفء .
وعندما خفَّت عنها وطأة الألم ، نظرت إليه بعينين تنطق بالندم وقالت :
- إنني ..
وتطلَّع إليها ، إلى شفتيها القرمزيتين ، إلى حبات العرق التي تصببت على جبينها نتيجة الحمى ، يريد أن يسمع ما تقول ..
ولكن الدموع غلبتها ..
لقد أرادت أن تخبره بكل شيء ، بكل ما جرى ، أرادت أن تعتذر .. أن تقول له إنها لم تكن تدري أنها ستواجه فتى من نور ينهزم أمامه الظلام ، لو أراد أن يسلك فجًا لسلك الشيطان فجًا غيره ..
لقد تساقط حولها كثيرون ..
انهالوا على أقدامها ..
تمنى الواحد منهم لو يحظى منها بنظرة ، بابتسامة ، بكلمة ..
أية كلمة تنطق بها ..
أمَّا هو ..
هذا الفتى الراهب ..
وعادت تنظر إلى وجهه الجميل الذي تحتضنه بكل حنان لحية دافئة تزيده جاذبية وجمالاً .. وأخذت تشتار لذيذ الشهد من عينيه التي تومض ببريقٍ يخطف القلوب ..
وكان لا يزال يتطلع إلى شفتيها القرمزيتين يريد أن يسمع ما تقول ..
عندما قال لها بصوته المتألم :
- أنتِ تبكين يا سرشير .
قالت وهي تنظر إليه متشبثة :
- إنني أخشى أن أموت .
وهتف دون وعي :
- عافاك الله يا سرشير .
ثم أضاف يطمئنها :
- إن صحتك جيدة .
قالت ، وقد سرها أن تنظر إلى عينيه اللتين روَّعهما كلامها :
- هل تريدني أن أعيش ؟
قال :
- إنها إرادة الله ..
وبقلب ينبض بالإيمان والتقوى أضاف :
- والحياة ليست بأيدينا .. إنه مالكنا .
قالت وهي تتألم :
- ولكني مثقلة بالذنوب .
فهتف من صميم قلبه الموجع :
- توبي إلى الله .. اسأليه أن يغفر لك .
ونظرت إليه بضراعة ، وقالت :
- لماذا لا تدعو لي يا يسار ..
وقبل أن يحرك شفتيه قالت :
- أنت مستجاب الدعاء ..
وهزَّ رأسه وهو يجب ، بأسلوب العارف :
- إن الله يجيب المضطر إذا دعاه .
وأدارت رأسها إلى الناحية الأخرى ، وهي تبكي بصمت فلما رأى الدموع تنساب على خدِّها ، تحطمت جميع الأقفال التي أقامها على قلبه ، وفتحت الأبواب كلها دفعة واحدة .. وهتف كالمجنون :
- سرشير ..
وأضاف متضرعًا :
- كفكفي دموعك يا عزيزتي .. ارحمي قلبي .
والتفتت إليه وقالت :
- أنت تحبني .. أليس كذلك ؟
وتولَّت العيون الجواب ، وسكتت لغة الكلام ، من أين للألسن أن تفهم لغة العيون ؟!
وأرادت مرة أخرى أن تبوح له بما في نفسها ، أن تخبره بكل ما جرى .. ولكن في اللحظة التي فتحت فيها فمها لتتكلم ، دخل الخادم يحمل الدواء في قدح .
- هذا الدواء يفيد يا سيدتي ..
وكانت لا تزال تنظر إلى يسار .. فأسرع يتناول الدواء من الخادم ، واعتدلت في الفراش ، وتمنت لو يسقيها الدواء بيده ..
وقرب يده بالقدح ، وانتظر أن تمد يدها لتأخذه وقال :
- خذي .. بسم الله المشافي ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم .
- وتناولت القدح ، وشربته على دفعات .. ثم بقيت لحظات رافعة رأسها ، تنظر إلى سطر منقوش على حائط الغرفة لم تتبين معالم كلماته ، ثم عادت فتمددت ، وسحبت الغطاء ، وأخذ صدرها يعلو ويهبط ، وسمعها تئن أنينًا خافتًا وتتوجع ..
ثم هدأ صدرها ، واستسلمت للنوم ..
وبقي يسار ينظر إليها وكأنه في حلم .. ثم التفت إلى الخادم ، وسأله بصوت خافت :
- منذ متى وهي على هذه الحال ؟
فأجاب الخادم ، وكان يبدو على ضوء القناديل الخافتة فاحم السواد :
- منذ يومين يا سيدي .
قال يسار :
- وهل تناولت دواء خلال اليومين ؟
فهز رأسه قائلاً :
- هذه أول مرة تتناول فيها الدواء .. من يدك .
وسكت مريد قليلاً ثم أضاف :
- لقد كانت تلح علي أن أدعوك .. منذ اليوم الأول لمرضها ، كانت تقول : لابد أن يعلم .. أريد أن أحدثه بكل شيء .
ونهض يسار ، وهو يلقي عليها نظرة عطف وحنان ، وقال :
- سأعودها غدًا .. إن شاء الله .





رد مع اقتباس
  #24  
قديم 25-08-2004, 06:09 PM
جالس بن مبارك جالس بن مبارك غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Jun 2004
الدولة: كويت العز
المشاركات: 7,851

فى كل مره تزداد القصه تشويقا
شكرا لش يا السؤدد
وفى انتظار ما يستجد

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 25-08-2004, 09:51 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



مرحبا بك أخوى ( لورنس )
يسعدني حضورك المتواصل


لك تقديري
السؤدد


رد مع اقتباس
  #26  
قديم 25-08-2004, 09:55 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



( الجــــزء الســــابع )

إني صائم

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي نزيل بغداد :
لم تتساقط الأقفال كلها كما ذكر الشيخ أبو العرفان ، فقد استمر يسار يقاوم مقاومة الأبطال ، ولكن أنَّى له الثبات ، وهو الفتى الذي لم يجرب حيل النساء !!
قال أبو العرفان : وانقطع عن الذهاب إلى المسجد الذي يصلي فيه صلاة الفجر ، ولم يعد يحضر حديث الشيخ ، وتلقفه حكيم بن محمود ، وحشى أذنه بخيالات وأوهام وحكايات ، أقل ما فيها يقسي القلب ولا يذكر بالرب .
قال أبو الحسن الورَّاق : وكان أبو محمود هذا ، واسع الحيلة عظيم المكر ، شديد الدهاء ، وكان يجد في ألاعيبه هذه لذة وتسلية لا يجدها في غيرها .. ومن ألاعيبه أنه استطاع أن ينتزع سعيد بن منصور من بيته ويضمه إلى فرقته !!
فقد نشأ سعيد في بيت علم وتقى ، وأبو الشيخ رحمه الله ، كان عـالمًا فاضلاً ، تفجر ينبوع الحكمة على لسانه .. إلا أنه لم يكن به ميل إلى التأليف .
في هذا البيت الكريم نشأ سعيد ، وكان يُضرب به المثل في السلوك الحسن . وقبل سنتين أصيب بمرض ألزمه الفراش عددًا من الشهور ، فأخذ حكيم هذا يتردد عليه ، ويتودد إليه ، وصار يقص عليه حكايات أهل الفسق والمجون ، حتى توطَّدت العلاقة بينهما ، وازداد تعلق سعيد بحكيم .. وعندما نفض عن ثوب المرض ، صار لا يخرج إلا معه ، ولا يجد الراحة إلا بمجالسته .
قال : وظني الذي أكاد أقطع به ، أنه لا يستمر معه طويلاً وسيأتي اليوم الذي يحن فيه إلى منازله الأولى ، وقد ترك له أبوه رحمه الله وصية ، ولكنه لم يلق عليها نظرة إلى يومنا هذا .!
قال أبو العرفان : ولم يذهب يسار إلى بيت الجارية كما وعد ، فقد استيقظ في اليوم التالي بعد أذان الفجر بمدة طويلة .. وسابق قرص الشمس في الصلاة ، فاعتبر هذا دليل الهبوط في إيمانه ، وجعله يعيد النظر في نفسه ..
أتكون الجارية قد خدعته ؟!
ربما .. بل من المحتمل جدًا .
ولكنه سمعها تئن .. وتتأوه .
لقد رآها تتلوى من الألم ..
تتساقط الدموع على خديها .
وتمثلت له كأنها تنظر في عينيه وتقول :
- هل تريدني أن أعيش ..
ثم وهي تقول :
- أنت تحبني أليس كذلك ؟
لاشك أنه تسرع ، وتسرع كثيرًا ..
أيكون قد كتب عليه أن يمتحن بهذه الجارية ؟!
وعادت قصة يوسف الصديق تتمثل أمامه .. كما سمعها من فم الشيخ .. شاب ، في عز قوته وفتوته وجماله ..
تدعوه امرأة .. نبيلة عزيزة جميلة ..
فيقول لها بكل إباء :
- لا ..
ويسجل القرآن موقفه هذا بحروف من نور ، ترددها الأجيال إلى قيام الساعة ، وكلما استجدت حادثة مثلها ، أو قريبً منها : } إنه كان من عبادنا المخلصين { .
وصرخ يسار وه يكاد يتمزق من الألم :
- أنا أبلغ مرتبة الإخلاص ؟!
كيف استطاع يوسف أن يصبر ..
وكل شيء .. كل شيء ..
حتى الجدران الأربعة ، والأبواب الموصدة ، المرأة العاشقة ، تبذل له كل شيء ..
تتودد إليه .. تتوسل ..
تتمرغ على قدميه ..
ولكنه قال كلمته : لا ..
أي قوة إيمانية كان يتمتع بها ؟
لابد أن يكون ما قام في قلبه ، أعظم وأجل مما تستطيع امرأة مهما بلغت من الحسن والحيلة والدهاء ، أن تصل إليه وتنال منه !!
لقد غسل قلبه من هذه المرأة .. وملأه بمعان أخرى ، مادتها من نور ، ومصدرها السماء ، فهو دائم التحليق عاليًا عاليًا ولا ينزل إلى الأرض إلا بمقدار ما يتناول منها ما يعينه على الصعود والصمود ..
وتنهَّد يسار وهو يردد بصوت مسموع :
- ذلك مثل ضربه الله للفتية المؤمنين : } إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين { .
إن المؤمن ليمتحن بالغنى والفقر والمرض والسجن ..
ولكن هذا الامتحان ..
آه يا ربي ..
لا أستطيع .. لا أستطيع يا رب .
ومر يوم ، ويوم ، ويوم .. وبعد صلاة العصر من أحد الأيام ، رأى يسار أن يذهب إلى المقبرة ، يستمد من صمت القبور حديثًا بليغًا يعينه على مواصلة السير ..
كيف وصل العارفون إلى ما وصلوا إليه ؟
إنه يتذكر عندما ذهب مرة ، وقرأ بعض ما كتب على القبور ، لقد أمدته تلك الزيارة بطاقة إيمانية دفعته إلى مضاعفة الجهد ومواصلة السير .. لاسيما عندما التفت إلى صاحبه يسأله :
- لماذا ترتفع المقبرة عن الأرض المحيطة بها ؟
فأجابه أبو الحسين وهو يتنهَّد :
- رب قبر قد صار قبرًا مرارًا ..
مستشهدًا بقول الشاعر ، دون أن يأتي على الشطر الثاني من البيت .
ليذهب هذا اليوم .. فلعل هذه الزيارة تستطيع أن تغسل من قلبه صورة الفتاة ..
الفتاة ..
الفتاة ..
المريضة المسكينة التي كانت تتألم ، تتوجع ، تئن ..
وعادت الصور تعرض في مخيلته ..
لم تكن تقوى على النهوض ، كانت تنظر إليه بعينيها الجميلتين وكأنها تستغيث ودمعة متوسلة من عصارة القلب تدحرجت على خدها ..
لقد أحب تلك الليلة .. أحب كل ما فيها ..
أحب الرذاذ المتساقط الذي أرسلته السماء برفق كأنها تخشى أن توقظ الأرض النائمة ..
والخادم الذي لم يرد أن يغادر دون أن يصحبه إليها ..
حتى جدران الغرفة ، والسرير القرطبي الذي يقال أن أميرات الأندلس يستعملنه ، والقناديل المتألقة .. والقدح الذي تناولت منه الدواء ..
ولم يشعر إلا وهو يقف على باب بيتها في نهاية سوق الخبازين ، وكان الوقت قد قارب المغرب ..
ورفع يده يهم بطرق الباب ..
ولكنه توقف ..
وأخذت يده تهبط بهدوء ، حتى استقرت إلى جانبه .
ثم استدار عائدًا .. من حيث أتى ..
ومشى خطوات ..
بطيئة ، ثقيلة ، متمهلة ..
ثم وقف ..
لقد شعر بشيء خفي يشده إلى الخلف .. إلى بيت الجارية ، فالتفت ينظر إلى الدار ..
هذه نخلة باسقة تقف أمام الباب باعتزاز ، وقد تعلَّقت الشمس بجدائلها .. كيـف لم يرهـا من قبل ؟!
وهناك أطفال يلعبون بكرات من الصوف يتقاذفون بها بأرجلهم .. وصبية صغيرة ترتدي ثوبًا أزرق تنتشر عليه خطوط بيضاء ، تسير إلى جانب أمها وهي تنظر إلى الأطفال وتضحك .
وطفل أشقر أطل من النافذة وقد أرسل تفاحة ربطها بخيط وأخذ يؤرجحها فهو يتسلى بهذه اللعبة ..
السماء تبدو صافية ..
كان كل شيء في هذه المحلة يبدو لعينيه جميلاً ومحببًا ..
البيوت المتلاصقة على الجانبين ..
والزهور التي تطل من الشرفات ..
والدكان القديم الذي يقع في نهاية الشارع .
وأطفال المحلة ..
والناس الذين يتكلمون بهمس .
وبيت الجارية ..
إنه يضم أجمل فتاة في الدنيا ..
وعاد مرة أخرى ، وقد عزم على أن يطرق الباب ، لقد أيقظت هذه الأحلام مشاعره ، وازدادت رغبته ، وملأت حواسه فأقبل ملهوفًا يريد أن يطرق الباب ..
ولكنه قبل أن يتقدم إلى الخطوة الثالثة تذكر ..
تذكر حديث الشيخ في آخر مرة حضر فيها إلى المسجد ، كان يتحدث وعيناه تتألقان بالنور ، ونظراته تنفذ إلى الأعماق .. وعبدالله بن الشيخ إبراهيم ، ومحمد الذهب ، وأبو الحسن علي بن حسين ، وعبود وسلمان النجدي ، وغيرهم . كلهم يستمعون إليه .. أما هو فقد استطاع أن يتحاشى النظر إلى الشيخ طول الوقت لئلا يفتضح ..
وتذكر كيف ضرب الشيخ مثلاً للسائرين إلى الله ..
ترى أين مكانه ؟
هل هو في حال المتحرج من الجبل ؟!
وإلى أين وصل ؟
أتقف هذه المرأة في طريقه ؟
وغضب يسار وهو يرى أنه قد أهين بجره إلى هذا الطريق .. وعزم على أن يقابل الجارية ليرى ماذا كانت تريد أن تقوله .. ولكي يصرخ في وجهها ، سيقول لها صراحة :
- أنا أكرهك .
سوف يتخلص منها بلا ريب ..
وأسرع الخطو ..
وطرق الباب ..
وانتظر ..
انتظر طويلاً .. فلم يفتح الباب !
وطرق مرة أخرى .. وتمنى لو سمع صوتًا .. أي صوت .. فلم يسمع إلا شقشقة العصافير على النخلة الباسقة التي تجاوزت في ارتفاعها سطح الدار .. وأراد أن يعود .. ولكن ..
وتذكر أن الطرق المسموح به ثلاث مرات ، وقد طرق مرتين .. ورفع يده ..
قال أبو العرفان : أخبرني من أثق به ، أن الجارية كانت قد أبصرت بيسار عندما أقبل ، وإنها كنت تقف وراء الباب تنظر إليه من ثقب صغير .. قال : فلما طرق الثالثة ، انتظرت حتى هم بالانصراف ، ثم فتحت الباب .. وبدت له بشعرها الطويل الأسود اللامع الذي أرسلته على كتفيها ، وعينيها الكحيلتين ، وأنفها الصغير المستقيم ، ووجهها الذي عادت إليه العافية فأكسبته بهاءً ورواءً .
ورحبت به بابتسامة غمرت كل أعضائها ، وبصوت كالهمس قالت :
- تفضل ..
وقبل أن يتعذر ، رآها تترك الباب مفتوحًا ، وتتقدمه إلى غرفة الاستقبال .. ولم يشعر إلا وهو هناك ، والجارية تشير إليه بكل رقة وتدعوه للجلوس . ثم تركت الغرفة ، وعادت بعد قليل وقد زيَّنت شعرها بوردة بيضاء ، وحلمت إليه في صينية مستديرة قدحًا من عصير الرمان .
وأمام هذا نسي حديث الشيخ ونسي نفسه ، ونسي كل شيء وعاد لا يعيش إلا هذه اللحظة .. ولا يدري كيف امتدت يده إلى القدح الذي يحاكي لونه لون شفتيها ، وهل كان ينظر إلى القدح أم إليها ! كان ينظر إليها كالمسحور ، ولم ينتبه إلا على صوتها وهي تصبح :
- انتبه يا سيدي .. العصير ..
كانت يده قد مالت بالقدح ، وكاد العصير يتبدد على ثوبه .
ونسي يسار الغرض الذي جاء من أجله .. ولم يشعر إلا وهو يقول لها بصوت خافت متقطع :
- كيف حالك ؟
قالت وهي تنظر في عينيه ، وكأنها تريد أن تنفذ إلى قلبه :
- الحمد لله .
قال :
- أنت أحسن حالاً .. أليس كذلك ؟
فاهتزت الوردة التي تزين شعرها ، وقالت :
- بفضلك يا سيدي .
قال وكأنه يهمس في أذنها التي يزينها القرط اللؤلؤي :
- الفضل لله وحده .
قالت وابتسامة السرور تملأ وجهها :
- أنت ناولتني الدواء .. وكان فيه الشفاء .
وغض بصره .. وبقي صامتًا لحظات .. والقلوب تتحدث بدقَّاتها الرتيبة .. ثم نظر إليها كالولهان وقال :
- لم أعد أصبر يا سرشير ..
وأجابته وعطر أنفاسها يلامس وجهه :
- ولا أنا ..
وكان لا يزال يحمل القدح بيده عندما قالت :
- لقد صنعته لك ..
قال بنفس الصوت الخافت الحالم :
- وما يدريك أنني سأجيء ؟
قالت وهي تشير بأطراف أناملها الخضبة :
- قلبي حدثني ..
ورفع القدح إلى فمه ..
والتقت العيون في عناق طويل ..
وأدنت كرسيها وهي تقول :
- اشرب .. أنا صنعته .. بيدي ..
ومدت يدها .. تريد أن تسقيه .
واقتربت من يده ..
ولم تبق إلا مسافة قصيرة .. قصيرة ..
وارتفع صوت المؤذن لصلاة المغرب ..
الله أكبر ..
الله أكبر ..
فألقى يسار بالقدح وكأنه أصيب بلذع .. ونهض وهو يقول :
- إني صائم ..
قالت :
إنه أذان المغرب .
ولكنه أسرع نحو الباب وهو يقول :
- يجب أن أنصرف .
وخرج يسار ، والدنيا تميد به ، ولا يدري كيف قادته قدماه إلى هنا .. إلى بيت الجارية ..!
قال أبو الحسن الورَّاق : ومنذ ذلك اليوم تغيَّر يسار ..
لم يعد كما كان .. لم يعد ذلك العابد الزاهد الذي تملأ عليه العبادة أقطار حياته .
قال الشيخ جواد : قد يعزف الرجل عن نساء الدنيا كلها ، ولكن امرأة واحدة تستطيع أن تتسلل إلى قلبه وتحتل مكانًا فيه فلا تغادره .



رد مع اقتباس
  #27  
قديم 26-08-2004, 01:32 AM
جالس بن مبارك جالس بن مبارك غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Jun 2004
الدولة: كويت العز
المشاركات: 7,851

شكرا لش يا السؤدد
وبانتظار الجزء القادم

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 26-08-2004, 05:29 AM
ابو محمد ابو محمد غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Aug 2004
الدولة: أبــوحـلــيـــفه
المشاركات: 4,550

لاهنتي يالسؤدد

__________________

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 26-08-2004, 12:36 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



ياهلا بالأخوة
( لورنس ) & ( ابن عجيم )

أسعدني حضــوركما


لكما كل التقدير
الســـؤدد


رد مع اقتباس
  #30  
قديم 26-08-2004, 12:39 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



( الجـــزء الثامن )

سر الجارية

قال محمد بن إسحاق الموصلي :
لم تمض على خروج يسار ساعة من الزمن ، حتى سمعت الجارية طرقًا قويًا على الباب اهتزت اه جنبات الدار ، فأسرعت تفتحه لترى من الطارق .
وطالعها رجل طويل عريض كبير الأنف صغير العينين ، قد كور فوق رأسه عمامة قديمة مهملة ، واشتمل برداء من الجلد مما يستعمله المسافرون . وقال الرجل بصوت جهوري ضخم :
- أين مريد ؟
وقبل أن تجيب ، ودون أن ينتظر جوابها قال :
- أخبريه بأن القافلة ستغادر غدًا ، بعد صلاة الفجر .
ثم أداره ظهره ومضى دون أن يلقي عليها نظرة، أو يحاول سماع الجواب. لكنها صاحت تقول:
- إلى أين ستغادر القافلة ؟
ودون أن يلتفت ، أو يكلف نفسه عناء الوقوف ، قال :
- إلى الشام .
قال أبو الحسن الورَّاق : واهتزت الجارية لسماع الخبر ، وقد فوجئت به .. إلى الشام ..!!
ماذا يريد مريد من الشام ؟!
أتراه يريد أن يتركها .. دون أن يخبرها أو يطلعها على موضوع سفره ؟!
هل نسي مريد يوم جاء به أبوها طريدًا شريدًا عاريًا ..
كان ذلك منذ سنين مضت ..
يوم كانت سرشير صغيرة تلعب في حديقة البيت عندما أقبل أبوها على جواد أدهم ، وأقد أردف خلفه غلامًا نحيفًا في غير هزال لا يستر جسمه البرونزي إلا خرقة تستر عورته . كان الغلام يبدو غريبًا متوحشًا ، تلمع عيناه ببريق مخيف . فلما رأته تملكها رعب مفاجئ ، فهربت صارخة إلى أحضان أمها التي طوقتها بذراعيها وهي تقول :
- لا تخافي .. لا تخافي يا بنتي .
ثم ترجل أبوها ، وأمر بأن يؤخذ الغلام إلى الحمام . وحاول أن يتمرد ، فكلمه بلطف ، وربت على رأسه ، فانصاع الغلام . ثم كساه بدلة بيضاء أضفت عليه سمتًا مقبولاً ، وأحضر له مؤدبًا علَّمه كثيرًا مما يحتاج إليه أمثاله ، وبقيت مدة لم تحاول الاقتراب منه أو الكلام معه . وكان هو أيضًا ينعزل في ركن من الحديقة الكبيرة التي تطرز حواشيها الأزهار من كل نوع ، وتنتشر في أرجائها الطيور الصغيرة الملونة ، طيور الجنة ، وعدد من البط يختال قرب حوض الماء .
ولم تمض أيام حتى تغير الغلام تمامًا .. لم يعد ذلك الغلام النحيف العري الجسم الموحش .. كانت تسترق إليه النظر وهو يأكل ، وتسترق إليه النظر وهو يجلس أمام مؤدبه . وقد كانت ترميه بكرة الصوف أحيانًا أو ببقايا التفاح ، فإذا نظر إليه شزرًا لاذت بأمها ..
وتجرأت يومًا على الاقتراب منه ، وحدثته .. فلم يرد عليها بكلمة واحدة ، وكان ينظر إليها ، وكأنه ينظر إلى طير صغير جميل .
وبعد ما يقارب الشهر على مجيئه ، أشار إليه أبوها يومًا .. فتبعه طائعًا ، بعد أن ارتدى ثوبًا جديدًا جميلاً . وفي المساء عاد الوالد يتبعه الغلام ، وكان في أشد حالات الانفعال والهياج .. وأخذ يتحدث بلا حذر . وكأنه فقد صوابه :
- لا أدري كيف يثق السلطان بهذا الرجل ؟
ومضى يخاطب أمها :
- كان هناك الوزير مندلي ، قال للسلطان إن هؤلاء لا يؤمن جانبهم يا مولاي ، لا يكن قصرك مأوى لأمثال هذا .
قلت للسلطان :
- أنا أتكفل به يا مولاي .. أنا أستطيع أن أجعل منه شخصًا آخر ، سأعلمه كل ما تريد .
ولكن الوزير الوثني استطاع أن يقنعه .. فأشار بيده يقول :
- أرى أن تضمه إليك .
وضرب كفًا بكف وهو يقول متغيضًا :
- أتذهب جهودي عبثًا ؟
وأشارت الوالدة ، وكانت جارية شقراء فاتنة ، من بلاد التركستان قالت :
- وماذا في ذلك ؟
فأجابها وهو ينفث لهيبًا من النار المتأججة في صدره :
- إن قلبي لا يطمئن إلى هذا الوزير .. إنه مخادع . إني أخشى أن يدبر مكيدة تؤدي بنا وبالسلطان وبالمملكة كلها ..
ثم سكت حتى هدأت ثائرته ، وقال بصوت متألم :
- أردت أن أجعله في خدمة السلطان .. لعله ينفعه .
لم تكن تدرك معنى لما يقوله أبوها ، ولكنها تشعر بأن هناك ما يشير إلى خطر متوقع الحدوث ، وأنا أباها كان يحذر السلطان ملك الهند من هذا الخطر ، ولكنه لم يلتفت إليه ، ولم يعره أهمية .
كيف يستطيع أبوها أن يقنع السلطان وهو لا يتقن إلا صناعة الغناء ! كان أبوها مغني السلطان ، وكان يطربه في ليالي الأعياد والمناسبات .. وكان مقربًا محظوظًا من جميع الذين يترددون على القصر .. إلا الوزير ! فلم يكن يرتاح إلى وجوده ، ولولا مكانته في الغناء ، لاستطاع إبعاده بسهولة .
ومضت سنون ، وارتاحت إلى الغلام الذي شب قويًا ذكيًا مخلصًا . وحدث ما توقعه أبوها . ففي إحدى المرَّات ، عندما خرج السلطان إلى الصيد كعادته في كل عام ، استولى الوزير مندلي على كرسي المملكة ، وطلب عون المماليك الهندية الوثنية فلبت نداءه . وأخذ يتعقب أعوان السلطان محمود الخلجي بالقتل والسجن والتعذيب .
فقتل أبوها .. وماتت أمها غمًا ..
واستطاع أن ينفذ وصية سيده ، فقد كان يوصيه في كل مرة :
- إذا وقع مكروه فلا تبق في هذه البلاد ، خذ سرشير وأمها وغادر البلاد بسرعة .
ولكن الوالدة أبت إلا أن تموت إلى جانب زوجها ، وأخذ الخادم سرشير وغادر المدينة سرًا ، بعد أن جعلها ترتدي ملابس غلام جركسي . ولما علم مندلي بهروبهم ، أمر خمسة من رجاله بأن يتبعوهما .
وعلى مسافة يومين أدركهم رجال الوزير . فوقف عربيد بانتظار القوم . وشعرت الجارية بأن نهايتها قد اقتربت .. فصرخت تقول :
- لماذا وقفت .. هل نسلم أنفسنا ؟
ولم يجب .. فقد وصل الجنود ، وترجَّلوا عن ظهور الخيل ، وتقدَّموا للقبض عليهما ..
كانت تقف قريبًا منها شجرة عظيمة ، حط عليها عدد من الطيور والعصافير ، وصاحت سرشير مرة أخرى وهي تلوذ بالشجرة :
- هل نسلم أنفسنا .. إنه الذبح ..
وحدث ما لم تتوقع ..
فقد ألقى الخادم بنفسه على الجنود ، واستولى على سيف أحدهم ، ثم أخذ يقاتلهم بشجاعة نادرة أذهلتها ، وأثارت إعجابها ، وجعلت الطيور تجفل مخلقة في السماء .. وكان خفيفًا نشيطًا ، سريع الحركة ، استطاع في أقل من ساعة واحدة أن يجندل ثلاثة منهم ، ولاذ الاثنان الآخران بالهرب .
وقف عربيد وصدره العريض يعلو ويهبط ، والسيف في يده يقطر دمًا وقد شعر بهمٍّ عظيم يزاح عن صدره .. فقد انتقم لسيده .
واحتفلت به الجارية بإعجاب وقالت :
- أنت بطل ..
ولم يرد عليها ، وإنما اتجه إلى الخيل ، فأمسك بجوادين ، امتطى أحدهما وأمرها أن تمتطي الآخر ، ثم انطلقا ينهبان الأرض ، حتى وصلا إلى بلاد فارس . فأقاما هناك سنين ، استطاعت الجارية خلالها أن تتقن اللغة الفارسية . وانقطعت عنهما أخبار الهند . ولم يصل إلى علم الخادم إلا أن السلطان محمود الخلجي قد لجأ إلى السطان عبدالحليم ، وقد وعد الأخير بنصرته ، ثم بلغه أن الوزير مندلي قد أرسل وراءهم من يتعقبهم ، وأقسم لينتقمن من عربيد شر انتقام . وأشارت عليه الجارية بالسفر إلى بغداد .. وفي هذه الرحلة أنفقوا كل ما لديهم من مال ومتاع ، حتى إذا وصلا إلى بغداد قالت الجارية :
- هل فكرت في أمرنا يا عربيد ؟
فأومأ برأسه وقال :
- إنني أعرف رجلاً تاجرًا، كان صديقًا لوالدك رحمه الله، وكان يتردد عليه عندما يزور منداو..
فانبسطت أساريرها وقالت :
- من هو .. ما اسمه ؟
ودون أن يلتفت إليها قال :
- أنسيته .
واصطحب الجارية ، وذهب يسأل ويتطلع في الوجوه في سوق التجار لعله يجده .. وهناك رآهما حكيم بن محمود ، وعلم أنهما غريبان يبحثان عن مأوى ، فرحب بهما ، وقدَّم لهما هذا الدار بكل ما فيه من أثاث ومتاع .. وكانت الجارية قد تعلَّمت اللغة العربية عندما تعلمت القرآن في منداو ، وكانت لغة الطبقة الراقية في الهند .. وتعلَّمها عربيد أيضًا لاتصاله بعدد من التجار العرب الذين كانوا يفدون على الهند لغرض التجارة .
ولم تمض في تأملاتها بعيدًا .. فقد أقبل مريد ، وكانت تبدو عليه السرعة والاهتمام .. ودخل دون أين يتلفت إليها ، وتوجه إلى غرفته .. فأسرعت في أثره . فإذا به قد أعدَّ كل شيء ، وحزم أمتعته ولم يبق إلا أن يحملها ويذهب .
فارتاعت لهذا ، ولم تصدق عينيها ، وهتفت بجنون :
- إلى أين يا مريد ؟
ودون أن ينظر إليها قال :
- سأغادر بغداد .
وهتفت به :
- وتتركني يا مريد ؟
فأجاب بكل هدوء :
- نعم .
وصرخت دون وعي :
- لماذا ؟ لماذا يا مريد .. هل آذيتك ؟
ووقف مريد وصدره العريض يعلو ويهبط ، وقد بدا قويًا رائعًا في تناسق جسمه ولون وجهه ، وقال بصوت هادئ :
- لقد قضيت ما مضى من حياتي عبدًا لك .. فأردت أن أقضي ما بقي منها عبدًا لله .
فهتفت به وهي تمسكه من يده :
- ما الذي يمنعك وأنت هنا ؟
فأبعد يدها بلطف وقال :
- أريد أن أذهب إلى بلد لا يعرفني فيه أحد .. أريد أن أهجر الماضي بكل ما فيه من تعاسة وهوان ..
واستعطفته بنظراتها وقالت :
- منذ متى وأنت تعيش في هذه الأفكار ؟
فتنهَّد وقال :
- من يوم التقيت بالشاب العابد الزاهد يسار ..
ومضى يتكلم عنه بصوت عميق يوحي بشدة تأثُّره :
- أنت لا تدرين أي رجل هذا ! إنني أنظر إليه من بعيد ، فأراه كأنه ذهب إلى الآخرة ، واطَّلع على ما فيها ثم عاد إلى الدنيا ، فهو دائم الرغبة والرهبة .. لا تغادره صورة المعذبين في النار ، ولا صور المتنعمين في جنات النعيم ..
إنه رجل .. لا يعرفه كثير من الناس .
كانت تصغي إليه ، وتود لو مضى في وصفه أكثر مما وصف .. إنها تدري أي رجل هو .. فمنذ اللحظة الأولى ، منذ رأته في بيت حكيم بن محمود ، عرفت أنه لا كالرجال الذين رأتهم ، إنه نسيج وحده .. ولذلك فقد أشفقت عليه من نفسها ، وأشفقت على نفسها منه .
ومضى مريد يقول :
- منذ التقيت به لأول مرة ، وأنا أفكر في الكلمات التي قالها لي .. قال : بل أنت مريد .. المريد هو صاحب الإرادة القوية .. اتق الله واجتنب المعاصي .. وفكرت في نفسي ، وفكرت فيك ، وفكرت في يسار .. هذا الفتى الذي يملك المال والقوة والجمال .. مَنْ مِن النساء من لا ترغب في يسار ..؟
ولكنه الفتى النظيف الذي لا يدع شيئًا يلوِّث قلبه الأبيض . لا يغرنك بعض ما ترين من نزوله .. فإنه لا ينزل إلا ليعلو ، ولا يدنو إلا ليبتعد ، ولا يهبط إلا ليحلِّق .. إنه رجل يحاسب نفسه بعد كل هفوة يرتكبها .. ولا يزال بها حتى يقيمها على الجادة البيضاء .
وسكت مريد ، وظل صدره العريض يعلو ويهبط ، وكان يبدو كالبركان الذي ضاق بالنار المتأججة في صدره فأراد أن يقذفها ..
قالت :
- ولكن يا عربيد ..
فقاطعها بحدة :
- لقد سماني يسار ( مريد ) ، ولا أريد أن أستبدل به غيره حتى ولا واسمي القديم .. وقد رضيت أنت به .
وعادت تقول مرة أخرى :
- ولكن يا مريد ..
وقاطعها أيضًا :
- أريد أن تسمعي كلامي أولاً .. ماذا ينفعك هذا المدعو حكيم ، إن ألاعيبه ستعود بالشر العظيم ..
وصاحت قبل أن يستمر :
- مريد .. اسمعني ..
قال :
- لا فائدة يا سيدتي .. لقد دفعت الأجرة ، وسأغادر غدًا .
وصرخت مرة أخرى وقد اعتراها الغضب :
- اسمعني يا مريد .. اسمعني .
ثم سكتت قليلاً ، لتستعيد هدوءها .. ثم قالت بصوت اجتهدت أن يكون في غاية الرقة :
- هل تستطيع أن تنتظر لعدة أيام .. فلعلي أجيء معك .
فهزَّ رأسه بإصرار وقال :
- أبدًا .. لقد تقطَّعت العلاقة بيننا .. إنني لم أعد أصلح لك ، ابحثي عن غيري .. إنني أريد أن أسلك الطريق الذي سلكه يسار .. لقد تبت يا سيدتي . أتفهمين معنى كلمة تبت ..؟
وهمست تقول :
- أنا أيضًا سأتوب .. أقسم لك .
وحمل أمتعته وهو يقول :
- كلا .. هذا آخر لقاء بيننا ..
وقبل أن يخرج ، هتفت تقول :
- انتظر ..
وغابت قليلاً ، ثم عادت وهي تقول :
- خذ هذا .. استعن به على قضاء حوائجك .
ونظر إليها نظرة جامدة .. كانت تحمل كيسًا من النقود مدت يدها به إليه ، وظنت أنه خير ما يقدم لهذا الخادم المخلص الأمين .
ولكنه قال :
- لا يا سيدتي .. أنا لا أريد أن أصل إلى الله بالمال الحرام .. المال الحرام لا يوصل إلى الله يا سيدتي .. لقد كسبت بعض ما حصلت عليه بكدِّ يدي .. بتعبي .. ليالي طويلة مرت علي وأنا لم أذق طعم النوم .. أريد أن أقف بين يدي ربي وأنا نقي الثوب ، نقي الجسد ، نقي القلب . لا يلوثني أثر من آثار المعصية ..
أفهمت يا سيدتي ..
إني مهاجر إلى ربي ..
ومضى مريد يحمل أمتعته في حزمة كبيرة على كتفه ، وتبعته الجارية إلى الباب ، ثم وقفت تشيعه بنظراتها ، حتى احتواه الظلام الذي بدأ يزحف محتلاً مواقع النهار .. ولم تشعر إلا والدموع تنهمر على وجنتيها ..
لقد ذهب مريد ..
لقد فهم إشارة يسار عندما قال له : إن أرض الله واسعة ..
وشعرت الجارية كأن شيئًا عزيزًا قد انتزع منها .. شخص كان يشاركها آمالها وآلامها ، تقاسمت معه السرَّاء والضرَّاء ، حتى إذا كانت في أحوج اللحظات إليه .. تركها ..
تاب ..
وتنهَّدت وهي تنظر إلى الطريق الطويل الذي أخفاه ، فرأت شيخًا عجوزًا مقبلاً يتوكأ على عصا ، وسمعت طفلاً يغني فتردد الجدران صدى صوته .
وردت الباب بلطف ..
ودخلت وهي تفكر في مصيرها ..
ويسار ..
لا .. إنه لا يتزوجها .. إن فورة حبه ستنطفئ إنه كما قال مريد .. سوف يحاسب نفسه حتى يقيمها على الجادة ..
إنه ليس لها ..
إنه ليس من عالمها ..
إنها لا تستطيع أن ترتفع إلى عالمه ، فهل تستطيع أن تدنيه إلى عالمها ؟!
وخيِّل إليها كأنها تسمع صوت حبيب بن مسعود يهمس : لا تفعلي .. بالله عليك .
ثم وهو يقول :
- إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد .
لماذا تركض وراء السراب ؟
من الخير لها أن تنسحب وهي عزيزة مطلوبة مرغوبة ، قبل أن تضطر على الانسجام وهي ...!
سوف تبتعد عن طريقه .. تتهرب منه ..
لن تفتح الباب إذا أتى .
ولكن .. هل تستطيع ؟




رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 01:32 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com