تاريخ قبيلة العجمان إبان حكم الدولة السعودية الثانية
أولاً : وصول العجمان إلى الاحساء واستقرارهم بها :
من الجدير بالذكر أن اشتراك العجمان في هذه الفتوحات التي شملت الشرق والغرب والشمال والجنوب جعلتهم يتطلعون إلى اختيار المكان المناسب للإقامة الدائمة ويبدوا أن منطقة الأحساء لموقعها الممتاز وقع اختيار العجمان عليها , ومنذ ذلك الوقت أخذوا يتطلعون للسيطرة على هذه المنطقة التي تتمتع بموقع استراتيجي علاوة على المميزات الاقتصادية من ثروة زراعية ووجود مواني بحرية . لذلك أخذت قبائل العجمان في الزحف نحو الأحساء والاستقرار في باديتها .
ويبدو أن قبيلة بني خالد لم ترتاح لظهور طلائع العجمان بينهم ويتضح ذلك من قصة رواها سادلير أثناء رحلته المشهورة سنة 1819م من القطيف في الخليج العربي إلى ينبع على البحر الأحمر قال : ( وفي صباح اليوم التالي قمت برد زيارة الشيخ محمد والشيخ ماجد لذكرهم بشكل خاص بشان الإسراع في رحيلي الذي كان محدداً مساء اليوم , وكم كانوا أكثر سخاء في تقديم أجمل الوعود وأقوى الانطباعات عن الصداقة وقد بدا كلا الشيخين ضليعين في فن الخداع حتى رأيت من الصعب إدراك الحافز الذي دفعهم إلى تأخير تزويدي بالدواب عندما تحدثا عن رؤية مجموعات من قبيلة العجمان بالقرب من الأحساء , كما حاولا أن يبرزا إشاعات عديدة عن المخاطر التي يتوقع أن تواجهنا خلال المسير , ولم يقصدا من ذلك كله إلا وضع ذريعة لرفع أجور الدواب على أن أعدهما بهدية ثمينة ) .
كما أورد سادلير في رحلته في 24 أغسطس 1819م ذكر قبيلة العجمان ضمن القبائل الموجودة في الاحساء قال : وتمتد إلى جهة الخليج سلطان بني خالد الذي يستمر إلى أقصى الجنوب حتى يصل إلى الأحساء والى جنوب هذه المنطقة الرئيسية قبيلة العجمان المنيعة التي لا تعتبر على حال ذات قوة تكفي لمواجهة قبيلة بني خالد . وبعد حلول العجمان في المنطقة الشرقية كان لابد لها الاصطدام بالقبائل الأخرى وعلى رأسها قبيلة ( بني خالد ) التي كانت تهيمن على هذه المنطقة هيمنة تامة , ووقع التصادم بين العجمان وبني خالد في عام 1238هـ في معركة مناخ الرضيمة التي كانت بين العجمان وحلفاؤهم من القبائل الأخرى مثل مطير والدواسر وغيرهم من ناحية وكان من ناحية أخرى بين ماجد بن عريعر واتباعه من بني خالد وعنزة وسبيع وغيرهم فوقع القتال فانهزمت بني خالد ومن تبعهم , وتركوا مكان إقامتهم وأثاثهم وأغنامهم وغالب إبلهم .
ثانياً : معركة ( مناخ الرضيمة )
ملخص معركة ( مناخ الرضيمة ) وبيان أسباب وقوعها :-
وتتلخص أحداث معركة مناخ الرضيمة في قدوم غزو من العجمان من الجنوب قاصدين الاحساء وتمكنت قوات ابن عريعر من القبض على بعضهم وأودعوا السجن , وكان منهم ابن للشيخ عامر بن جفن من أمراء آل سفران , وقدم الأخير إلى ابن عريعر وأضافه وفك اسر ابنه ومن معه , وعقد معهم صلحا , وعند رجوع عامر بن جفن ومن معه إلى بقية العجمان أخبرهم بما جرى من الصلح مع ابن عريعر , وكان زعيم العجمان يومئذ الأمير ( مانع بن حثلين ) فأقرهم على الصلح ونزح العجمان باتجاه مناطق الاحساء واستقروا فيها , وحدث أن قتل أحد أبناء عريعر عامر بن جفن مما أدى إلى نقض الصلح بين القبيلتين , وبدأت ملامح الاستعداد للقتال واستعان بن عريعر بقبائله من بني خالد وارسل إلى مغيليث بن هذال وبرجس بن مجلاد من أمراء عنزه ولمسلم بن مجفل أمير الصمله من سبيع , وتقابل العجمان مع ابن عريعر وحلفائه في الرضيمه , واستمر القتال مدة شهر لم يكن مع العجمان أي حليف , ثم أرسل العجمان إلى الإمام تركي بن عبد الله يستعينون به , فاعتذر الإمام عن المشاركة بجيشه ولكنه أخبرهم بأنه سيكتب إلى أمراء القبائل الموالية ليه لكي ينصروا العجمان , فكتب إلى الدويش أمير مطير الذي وافق العجمان بشرط أن يأخذ مربط كروش وإبل الودائع ووافق العجمان على شرطه , وانضم إلى العجمان الأمير سلطان بن قويد م أمراء الدواسر ومعه جميع قبيلة الدواسر واشترط أخذ الريشة ( راية الأمير ابن عريعر ) ومعه ابن وثيلة من شيوخ الوادي وكذلك قبيلة السهول , والتقت الجيوش انتهت المعركة بانتصار العجمان حلفائهم .
تفصيل معركة ( مناخ الرضيمة ) كما أوردها ابن فردوس في ديوانه :
بعدما استمرت الحرب بين قبيلة العجمان وحلفائهم وبالمقابل قبيلة بني خالد وحلفائهم ثلاثة أشهر أرسل العجمان برسول يستنجد بقبائل نجران وهي مذكر ويام حضروا وتم لهم النصر بحضورهم ومن القبائل التي معه وقبيلة سبيع و أميرهم مسلم بن مجفل والمستشار لـه سلطان الأدغم ويوجد شخص يدعى بن نوال وهو رجل طيب وفارس مشهور واحب أن يشير على بن مجفل وينفصل عن بن عريعر ويذهبون إلى ديارهم في الجنوب واتاهم في نصف الليل على جواده والناس نيام ونادى مسلم بن مجفل على الدلال فلباه وحضر له وقال ما تريد يا بن نوال فقال لـه عندي لك رأى فماذا تقول فان هذا بن عريعر وقد جمع الناس جميعهم وهؤلاء العجمان واستنجدوا ببعض القبائل و أرسلوا إلى أهل الجنوب ونحن أصبحنا بينهم وذبحت رجالنا وأخذت أموالنا وسلبت نسائنا فما هو صلاحنا جراء ذلك فالرأي أن نذهب إلى ديارنا ونترك تلك الحرب الطاحنة فقام شخص نائم في البيت لم يعلم عنه وهو سلطان الادغم فقال أنت بن نوال فقال له نعم هو ذاك وهل هذا هو الرأي الذي عندك قال نعم , قال أنت مكفى من ذلك ولولا حشمت صاحب البيت لأهنتك إهانة تنزل بقدرك فقال أرجو المعذرة إذا لم يصلح هذا الرأي فركب جواده ورجع من حيث أتى فجاءت الافزاع من نجران صابغين جميع الخيل بالنيل الأسود فرجعت خيل بن عريعر مهزومة فسألهم ماذا حصل لكم ذلك اليوم فقالوا لقد أتانا قوم خيلهم سود ويرتدون الملابس السوداء وهم غرباء فصفق بكف على كف فقالوا ما بك فقالوا ما بك أيها الأمير فقال لقد جاءوا أهل نجران وفي الصباح سارت الجموع عليهم وهجمت على بن عريعر هجوم هزم فيه جنود بن عريعر من سناد للحكم الذي قام قديما وذبح سلطان الادغم وعدد من فرسان سبيع ولما صفوا سبيع لحالهم اجتمعوا إلى أميرهم مسلم بن مجفل فاتاهم بن نوال على جواده فقال له الأمير مسلم تفضل يا بن نوال واسمعنا ما عندك من القصائد فقال سأسمعكم هذه الأبيات :
قصيدة بن نوال:
ولو سبيع التمر ماحداكـم لـوم
ولا عندكـم غـرس تسقـا بماهـا
طحتوا بنار صلوها يطرح الحوم
والي ورا نجران قـاده سناهـا
مشروبكم شري يذوب على الصوم
وعيونكم بالشب زيـن دواهـا
أشقر يدور الحرب كأنه من الروم
وحرث السيات الخطر لين جاها
وهذا ما حصلنا عليه من قصيدة بن نوال وهي أطول من ذلك فصفق دلاله بن مجفل ونثرها على الضو وقال لا عادت جيتك للنا يا بن نوال لقد أردنا منك أن تسلينا فجمعت علينا همومنا ونعود إلى قصيدة الحفيف حيث قال:-
قصيدة الحفيف في مناخ الرضيمة:
العجمان في عهد الامام تركي :
من الجدير بالذكر أن قوة العجمان أخذت في الظهور بشكل واضح بعد معركة مناخ الرضيمة عام 1238هـ والتي انتصروا فيها على بنى خالد أصحاب المنطقة الشرقية في ذلك الوقت , وكان هذا الانتصار متزامنا مع بداية ظهور الدولة السعودية الثانية .
ولقد وقف العجمان إلى جانب الامام تركي بن عبد الله في الفترة ما بين أفول نجم السعودية الأولى وميلاد الدولة السعودية الثانية فعندما هزمت القوات المصرية جيش الدرعية تركها الامام تركي بن عبد الله وقصد آل شامر من بادية العجمان وأقام عندهم وتزوج بنت غيدان بن جازع بن علي فولدت له ولد أسماه جلوي لأنه ولد في جلوته من بلده . وقام العجمان بمناصرة الامام تركي حتى استعاد حكم آبائه وأجداده . في جلوته من بلده . وقام العجمان بمناصرة الامام تركي حتى استعاد حكم آبائه وأجداده . وتشير اقدم الوثائق العثمانية عن العجمان عن هذه العلاقة بين ” الامام تركي وقبيلة العجمان ” وهي نص رسالة كتبها ( أحمد بك ) محافظ مكة المكرمة إلى محمد علي باشا في تاريخ 3 جمادي الأول عام 1236 هـ الموافق فبراير عام 1820م ثم قام محمد علي باشا بنقل هذه الرسالة إلى استانبول .
ترجمة نص الرسالة ( الوثيقة ) :
” معروض العبد هي أن حامل عريضتي ابن عريفان وحامية رفقائه قدم الينا أوراق من طرف كل من فيصل الدويش ومحمد بن ربيعان فاتضح أن تركي الذي هو من مدة طويلة في حالة الفرار , قد جاء إلى الدرعية بغتة بعد أن جمع حوله من وافقه من قبائل العجمان وقحطان والعارض السبيعي مع عدد من العربان بغرض إنقاذ مشاري المفسد الذي تم القاء القبض عليه في الدرعية قبل ذلك , وبعد أن اسروا ابن معمر وأبنه في الرياض , حرروا أوراقاً من ابن معمر إلى الذين يحرسون مشاري في سدوس , وبينما كانت ترتيبات إطلاق سراح مشاري من السجن على وشك الإتمام كان خليل أغا وفيصل الدويش ومحمد بن ربيعان وفي جماعة من يقال له ( سرجشمه ) حسين بك بالقرب من الدرعية فسارعوا في التوجه إلى منطقة سدوس وتم إلقاء القبض دون قتال على كل من مشاري وخدام بن معمر , وقد بلغ إلى تركي الأمر من خلال أتباعه الذين جاءوا إلى سدوس وقد تخلى عن هدف تخليص مشاري المفسد وفر من معه من العربان إلى أطراف الرياض بعد أن قتل ذو الوجهين ابن معمر وابنه . هذا ماورد في تقرير المذكور ابن عريفان وعلى ما اتضح من عرائض حامية الشيخين المذكورين . فقد تجاسرنا بمنة الله تعالى على تحرير عريضتنا هذه في هذا الباب ..” .
ويتضح من هذه الوثيقة النفيسة عدة أمور :
• أن العجمان وقحطان وسبيع كانت من القبائل المؤيدة للإمام تركي في حربه ضد العدو المصري كما ثبت أن الدويش وقبيلة مطير وأبن ربيعان وقبيلته عتيبة في ذلك الوقت كانوا مع القوات المصرية .
• تثبت هذه الوثيقة أن قتل الإمام تركي لمحمد بن معمر وابنه مشاري كان سنة 1236هـ , وذلك تأكيد لما ذكره المؤرخ العثيمين , بخلاف ما ذكره خطأ ابن بشر من أن هذه الحوادث وقعت سنة 1234هـ وخلافا ما أورده الدكتور عبد الفتاح أبو عليه م أن الإمام تركي قتل ابن معمر خصمه في عام 1235هـ معتمدا على رواية ابن بشر .
وبعد قيام الدولة السعودية على يد الإمام تركي كان العجمان ضمن جيشه الذي قاتل به القوات التركية . ولما ضمن الإمام تركي مساندة القبائل له وأراد أن يوطد حكمه في جميع أنحاء الجزيرة العربية وذلك للقضاء على حكم آل عريعر أمراء بني خالد المسيطرة على الاحساء , والتي مازالت تعاني من الهزيمة التي تلقتها من العجمان في معركة مناخ الرضيمة عام 1238هـ , فأراد أن يجهز عليها قبل أن يلتئم الجرح , مستغلاً قوة العجمان والقبائل الأخرى التي جاءت لمساندته , فبعد مبايعة هذه القبائل له ارسل في عام ( 1244/هـ ) محمد بن عفيصان في غزوة على الاحساء فاستولى على قافلة محملة بالبضائع الوفيرة وهي في طريقها من العقير إلى الهفوف , ويبدو أن الهدف من هذه الغزوة مضايقة آل عريعر حكام بني خالد ـ وفي عام ( 1245/هـ ) خرج محمد بن عريعر وأخاه ماجد بن عريعر من الاحساء باتباعهم وقبائلهم من بني خالد وقصدوا نجد لمحاربة الامام تركي , فلما علم الإمام تركي بذلك سار بجيشه مع ابنه فيصل ومعهم من البوادي سبيع والعجمان ـ وغيرهم , ودارت معركة ” السبية ” وانتصر الإمام تركي ثم دخلوا الاحساء وهرب بني خالد وخاصة الرؤساء . وأقام الإمام تركي وابنه فيصل في الاحساء أكثر من أربعين يوماً ورتب رجالاً في الثغور والقصور وعلق بن جمران على هذه المعركة بقوله : اشترك العجمان مع الإمام تركي بن عبد الله وابنه فيصل في معركة السبية ضد بني خالد وأسفرت هذه المعركة التاريخية الحاسمة على انتصار تركي واستيلائهم على الاحساء والقطيف وتوابعها ولجوء الأمير محمد بن عريعر وأتباعه إلى المنتفق بالعراق ولم تقم لآل عريعر دولة بعد ذلك التاريخ .