اشتباك في جلسة اليوم الأخير لملتقى المثقفين حول الموسيقى والجمهور يغادر القاعة احتجاجا
الرياض: ميرزا الخويلدي
انفضت الجلسة الثانية في اليوم الاخير لملتقى المثقفين السعوديين بـ«اشتباك فكري»، أعقبه هرج ولغط بين تيارين يختلفان حول الموسيقى وموقف الدين منها. وكادت الجلسة تختتم بعراك بين جمهور المثقفين الذين احتشدوا في ندوة «الموسيقى والفنون الشعبية» وعدد من المتداخلين الذين أصروا على تسجيل اعتراضهم بشأن الموسيقى مطالبين بتحريمها ومنعها.
وشارك في الجلسة الموسيقار السعودي طارق عبد الحكيم، والفنان عبد الرب ادريس والفنان سراج عمر، والملحن عبد الله الجار الله، وأدارها الدكتور عبد الله المعيقل.
وكانت اجواء الجلسة قد بدأت ملبدة بمواقف سابقة حول دور الفنون الموسيقية، أعادت من جديد الجدل الفقهي بشأنها، بيد أن أحداً لم يتوقع أن يستميت المهاجمون في التصدي للآراء المخالفة. وأثار حماسة الناقمين على الموسيقى مطالبة احدى المتداخلات بضرورة الاعتراف بهذا الفن وتطوير ادواته، وجعله مادة دراسية ضمن مناهج التعليم، مما شكل صدمة عنيفة للمعترضين.
وبالرغم من أن رئيس الجلسة لم يتح المجال لأي صخب، إلا أن المعترضين أصروا على إيصال صوتهم بالشكل الذي يرونه (واجباً شرعياً) مما أدى إلى مواجهة بينهم وبين الجمهور الذي فضل أغلبه مغادرة الجلسة. وتدخل الموسيقار والملحن محمد شفيق في الجدل مطالباً المعارضين بالتحلي بسعة الصدر والتخلي عن إطلاق الأحكام من دون براهين شرعية، قائلاً: «هل أنتم وحدكم من يحق له الفتوى في الدين». وانفض السامر على خلاف وصخب ودعوات بنبذ الموسيقى وتحريمها.
وعقب الجلسة تحدث لـ«الشرق الأوسط» محمد شفيق معتبراً أن الفتوى في الموسيقى تخضع لاجتهادات فقهية وهي محل خلاف، وبالتالي فهو يرى أن البت في الأمور الشرعية مرهون بالمختصين.
وقال شفيق: «من الصعب القبول بوجود «وصاية» من أي كان على الفنون وأذواق الناس»، مضيفاً أن «التصدي لمحاولة تكوين مناخات للفن الراقي وإعادة الاعتبار للفنون الشعبية والفولكلور فتح المجال أمام الشباب للتوجه للفن الهابط، والوقوع في اسر الصرعات الفنية المبتذلة»، ومعتبراً أن أغاني الفيديو الكليب بشكلها الراهن تمثل جانباً من أشكال الفن الهابط.
وقال شفيق الذي دخل في مواجهة مع معارضي الفنون والموسيقى في الندوة، إنه يقبل بما يقبل به الشرع، ولو كانت الموسيقى حراماً لأجمع على ذلك العلماء.
وأضاف: «لقد اشتغلت مسبقاً بإنتاج عدد من الأعمال الدينية كالأناشيد والاغاني الدينية وبعضها تم تسجيله مرتين واحدة بموسيقى وأخرى بدونها للبث في القنوات الدينية مثل المجد وإقرأ».
وقال إن دافعه في إنتاج الأعمال الدينية كـ(دروب النفس)، و(استغفار)، و(لعبة الشيطان)، وغيرها ليس ممالأة لأحد وإنما مساهمة في تخليص الفن من سقوطه في الاسفاف، وإنه أمام موجة الفن الهابط ليس أمامه سوى تقديم أعمال تنسجم مع قناعته وتخدم مجتمعه أو الانسحاب.
وأحدثت هذه المواجهة جدلاً بين المثقفين، وكان واضحاً أن النقاش حول الفن والموسيقى من القضايا التي لم تحسم في التفكير الجمعي للمثقفين السعوديين، وبدا واضحاً أن الفريقين كليهما يحاولان اثبات وجهات النظر حول الفن والموسيقى ليس باعتباره قضية فكرية أو حتى فقهية وإنما باعتباره يمثل مناخاً مختلفاً للتعبير عن الذات وتصنيف الآخر.
وجاء الصراع حول الموقف من الفن متزامناً مع جدل قديم يعاد تأسيسه وتجديده باستمرار حول قضايا الحداثة والأصالة والتجديد والنقد وموقف الدين من الحياة. ويمثل هذا الجدال بين المثقفين اتجاهاً فكرياً أكثر من كونه نقاشاَ مجرداً، فالهجوم على الفن يأتي متزامناً مع اتهام رواده واصحابه بالمروق، والدفاع عن الفن والموسيقى يأتي في سياق المطالبة بالتحديث ونبذ التشدد.
* ماذا قالوا عن الملتقى
* عبد العزيز القاسم: أين الدعاة وعلماء الدين؟
لاحظ الكاتب عبد العزيز القاسم، المشرف على ملحقي الرسالة والاربعاء في جريدة «المدينة» السعودية، أن توصيات الملتقى كانت بحاجة الى وجود لجنة مكونة من عدد من المثقفين لبلورتها وصياغتها، مضيفاً أنه لاحظ أن الفترة التي منحت للمتحدثين والمداخلين كانت قصيرة ولا تفي بالفكرة.
وقال: «أود أن أشير بكثير من الاحتجاج الى عدم دعوة شريحة مهمة كان من الواجب حضورها وهم الدعاة وعلماء الدين، فحينما نناقش ثقافة الوطن فلا أتصور أبداً غياب هؤلاء، فهم شريحة اصيلة في المجتمع ولا بد من مشاركتهم. وأتمنى في السنوات المقبلة تكوين لجنة استشارية للاختيار كي تؤخذ في الحساب كل شرائح المجتمع وطوائفه وتكون هناك معايير معلنة وواضحة للاختيار سواء للضيوف او مقدمي الاوراق». ووصف القاسم الاوراق المقدمة بأنها «خطابات تتسربل بالعاطفية أكثر من العلمية».