وصلنا نحن الأربعة: السيد يوكوياما، والسيد ميتسوتشي، ومساعد السيد يوكوياما، وكاتب هذه السطور (ناكانو) إلى مدينة جدة، صباح يوم 26 مارس 1939م، كانت الحرارة 32.3 درجة مئوية، وعند نقطة تقع على بعد ميل من الشاطئ كان علينا أن ننتقل إلى "يخت " صغير تاركين السفينة التي أقلتنا إلى الميناء، نظرا لوجود شعب مرجانية كثيرة تكونت في البحر الأحمر منذ القدم، ودفعني الفضول إلى أن أسأل الرجل الذي كان يقود "اليخت "الصغير عن سبب ترك هذه الشعب المرجانية في البحر هكذا، سألته: لماذا لا تنظفون المنطقة، وتقيمون ميناء طيبا هنا يخلو من المخاطر التي قد تتعرض لها السفن؟ فأجاب قائلا: "إنها الرغبة في الحفاظ على البلاد من خطر السفن المعادية التي لا يمكنها أن تمر من فوق هذه الشعب المرجانية؛ لأن العمق لا يتجاوز المتر وربع المتر تقريبا.. ".
واقتربنا من مبنى الجمرك، وكان " اليخت " الذي نركبه يديره رجل عربي يرتدي "العقال " و "الغترة"، وكان هناك بعض الأمتعة القليلة ومساعد واحد، ونادرا ما كان الرجلان يتبادلان الحديث معا، ولم نكن نشعر بأية ضوضاء بل هدوء، وهدوء، وتعجبت: أهذه هي الشخصية العربية البدوية!
استقبلنا قائمقام مدينة جدة، ورئيس الشرطة، ومدير شركة مصر (للملاحة)، واستعرضنا حرس الشرف ورحب بنا الجنود، ولأنني عشت في مصر حوالي سبع سنوات فقد كان انطباعي الأول عن مدينة جدة طيبا. كانت المدينة هادئة بعد انتهاء موسم الحج، وفيها شاهدنا مكتب الجمارك، ومقر فرع وزارة المالية، ووزارة الخارجية، وتقع كلها وسط المدينة. كما شاهدنا مكتب البريد والسوق. ولفتت انتباهنا البيوت العالية التي شيدث من الحجارة والخشب، واصطفت على جنبات الطريق الذي كنا نمر به.
رأينا في مكتب الجمارك ما يقرب من خمسين آو ستين موظفا وعاملا، يحملون الملابس والبضائع والحاجات اليومية وما شابه ذلك، إلى منطقة نجد، وكان الفندق الذي أقمنا فيه - ويسمى فندق مصر- رائعا وممتازا.
شعرنا بارتفاع نسبة الرطوبة في الجو، وسمعنا أن أمراضا عديدة مثل الملاريا والدوسنتاريا، والكوليرا قد تفشت في موسم الحج، وقد خضعنا قبل ذلك لفحص دقيق جدا، لإثبات خلونا من هذه الأمراض، وذلك في الحجر الصحي في جبل الطور في شبه جزيرة سيناء.
وعدد السكان في جدة 35 ألف نسمة، بمن فيها من أجانب، ويقال: إن عدد الأجانب فيها ستون أوربيا وأمريكيا، وخمس أو ست من النساء، بينما يكثر وجود الأجانب المسلمين من الشام وتركيا وتتاريا. وجدة هي المكان الوحيد في هذه المنطقة الذي يسمح فيه بوجود الأجانب.
وقيل لنا: إن قبر "حواء" يقع هنا بالقرب من منزل فيلبي، لكن لم نعثر له على أثر يذكر، وشعرنا أن المكان قد تعرض لتقلبات الزمان، وتغير فيه كل شيء وسط هذه المنطقة الصحراوية، وكان من الصعب الاعتقاد بأن هذه المنطقة كانت من أكثر مناطق العالم تقدما وازدحاما بالسكان في العصر الجليدي الرابع.
اليوم السابع والعشرون من مارس
الساعة الثالثة عصرا
انطلقنا متجهين إلى الرياض؛ وبرعاية كريمة من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود وضع تحت تصرفنا سيارتي ركوب، سيارة لنا، وأخرى للمرشد ورئيس الحرس، كما زودنا أيضا بسيارتين: سيارة نقل واحدة لحمل الخيام والطعام، وأخرى بها ثلاثون من الرجال، وأهدانا الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بعض الملابس العربية: أعطانا غترة ومشلحا وعقالا، وقمنا بالتقاط صورة جماعية بعد أن ارتديناها. لقد أخبرنا بأن نرتدي هذه الملابس العربية، دون إبداء السبب، لكنني أعتقد أنهم لم يرغبوا في أن يشاهد الأهالي الملك يستقبل ضيوفا يرتدون ملابس على الطراز الغربي. غير أنني كنت في غاية السعادة، وأنا أرتدي الغترة والمشلح والعقال، وأصبحنا نبدو أقرب للعرب مما إلى الأوروبيين. كانت أشجار النخيل تنتشر في كل مكان على جانب الطريق، لكننا لم نشاهد زهورا على الإطلاق.
الساعة الخامسة مساء
وصلنا إلى استراحة صغيرة في "بحرة"، كان هناك حوالي 15 أو 16 بيتا، ومخفر صغير ومبنى عام، توقفنا لأخذ قسط من الراحة، واحتسينا الشاي بالنعناع في أكواب من الزجاج، ثم شربنا القهوة أيضا، وكانت هناك " الشيشة"، وعلى حائط الاستراحة كتبت عبارات مثل "لا إله إلا الله " بخط الثلث الجميل، وأعتقد أن كاتبها خطاط محترف.
لم نشعر بوجود التأثير الوهابي الذي سمعنا عنه هنا. والمسافة من جدة إلى بحرة حوالي 30 كيلا، وقد شاهدنا العلم السعودي على أسطح المنازل، ورغم أننا رأيناه في جدة إلا أننا حين شاهدناه في هذا المكان من الصحراء شعرنا بأننا داخل البلاد العربية، رغم أننا لم نشعر بالعالم من حولنا، ولم نشعر بملامح حضارية هنا، إلا من خلال الأكواب المصنوعة في اليابان التي شربنا فيها الشاي والقهوة، ومن خلال أسلاك الكهرباء الممتدة من جدة إلى هذا المكان.
وفي بحرة زودنا السيارات بالوقود، إذ ينبغي لنا أن ننطلق إلى منطقة الوادي، والوصول إلى هناك يتطلب السير إلى الناحية الغربية، غير أن هذا كان طريق الحج الذي لا يمكن أن يمضي فيه إلا المسلم، ومن هنا كان علينا أن نأخذ الطريق من الناحية الشمالية، وهو ليس بطريق بمعنى الكلمة، بل هو ممر ضيق، وعلى الرغم من أننا ضيوف جلالة الملك فإنه لم يكن مسموحا لنا بالسير في هذا الطريق الذي يسلكه الحجاج إلى مكة، وقد سمعت أن اثنين من عائلة أثلون الملكية البريطانية حضرا إلى هذا المكان قبل عامين، ولم يسمح لهما بعبور طريق الحج المؤدي إلى مكة، ولو حتى بطريقة سرية، مما جعلهما يسيران على الممر الضيق نفسه الذي سلكناه نحن أيضا؛ لأن حكم الشريعة الإسلامية واضح، وقوانينها صارمة لا تفرق بين الناس، مهما كانت منزلتهم.
غرز في الرمال
وصلنا إلى طريق ضيق تحفه أشجار السنط البرية المزهرة (الطلح)، ولم نكد نمضي على هذا الطريق حتى اختلفت الطرق التي كانت السيارات تتبعها في سيرها. لم تعد السيارات تمضي معا، وبينها المسافة المعهودة، كان ذلك بسبب الرمال والأحجار الصغيرة، كانت هناك هضاب ومرتفعات بعضها مغطى بالجرانيت، وبعضها ذو أشكال عجيبة، بينما يميل لونها للون البني القاتم. استمرت سيارتنا تمضي بسرعة عشرين كيلا في الساعة.
عم الظلام، ولم تكن للبوصلة أية فائدة هنا، لكننا كنا نتجه ناحية الشرق، وفي حلكة الليل الشديدة كانت سيارتنا فقط هي المزودة بالأضواء الأمامية، وهي الأضواء الوحيدة التي يمكن مشاهدتها من حولنا، بينما كان الغبار يرتفع من حولنا أيضا، وعلى الرغم من أننا أغلقنا كل النوافذ، فإن الرمال كانت تنفذ إلينا داخل السيارة، وانخفضت درجة الحرارة- ربما تدنت إلى 12 أو 13 درجة مئوية- لكن الجو على كل حال كان معتدلا، يميل إلى البرودة المريحة المنشطة.
وفجأة اهتزت سيارتنا، وغاصت عجلاتها في الرمال، كان سائقنا ذا خبرة، وتبدو خبرته أكثر في مثل هذه الحوادث التي تقع عادة في الطريق الصحراوي (كان سائقا لسيارة الملك)، حاول عدة مرات أن يفلت من الرمال، لكن الأمر أصبح أكثر سوءا.
انتظرنا السيارات تأتي من ورائنا، ولكنها لم تصل كما توقعنا، فأوقفنا محرك سيارتنا وقنعنا بالانتظار، وساد الصمت الذي لم يكن يقطعه سوى صوت بعض الحشرات، وبعد فترة قدمت إحدى السيارات، كان فيها المرشد ورئيس الحرس وبعض المساعدين، فترجلوا من سيارتهم، وحاولوا مساعدة سيارتنا، واخراجها من الرمال، وأخبرونا بأن الناقلتين قد تعرضتا للمصير نفسه. خرجنا جميعا من السيارة، ثم رفعناها من الرمال، وأخذ رئيس الحرس يشكرنا، ويمتدح ما قمنا به من عمل، ويثني على تعاوننا هذا !
وطبقا لما قاله لنا رئيس الحرس، فقد كان يحرس الملك ويلازمه طوال الوقت، أما الآن فهو الحارس الخاص لعبد الله السليمان وزير المالية، كان الرجل مهذبا مؤدبا معنا إلى أقصى درجة، وكان وزير المالية قد عينه لحراستنا بصفة خاصة، ونشاهده دائما يحمل بندقية طويلة على كتفه ويتمنطق بخنجر، ويبدو لنا رجلا شجاعا لا يهاب أحدا.
بعد عشرين دقيقة تمكنت عربتنا من الخروج من الرمال، وتابعنا المسير من جديد، وحاولنا أن نسير بسياراتنا في طرق متقاربة حتى لا يتعرض أحد منا للضياع أو للعطل، كان الطريق معوجا يرتفع وينخفض، وأصابنا جميعا التعب والإرهاق.
أخبرنا سائقنا أنه سبق له قيادة السـيارة بين جدة والرياض مرات عديدة، لكنه كان دائما يسلك الطريق المسمى "السكة السلطانية" والطريق الذي سلكناه نحن يسمى "السكة الذهبية"، وكانت القوافل قديما تستخدم هذا الطريق، ويبدو طريق "السكة السلطانية" أفضل كثيرا، وأكثر أمنا وأمانا.
وتساءل السائق: لماذا كان علينا أن نسلك الطريق الأصعب ؟ لم يكن يعرف أن غير المسلمين لا يمكنهم المضي في الطريق الآخر، أي طريق "السكة السلطانية" الذي يؤدي إلى "مكة"، وذكر السائق أنه كثيرا ما كان يسوق سيارة الملك عبد العزيز بن سعود، وكانت إذ ا "غرزت " السيارة بهم في الرمال، هب الملك لمساعدته في رفع عجلات السيارة من الرمال، وقال: إن الناس اعتادوا على مناداة الملك بالحاج عبد العزيز، دون ذكر لقبه الملكي. واستمر الحديث على هذا المنوال بينما كانت السيارة تغوص في الرمال مرة بعد مرة، ولم يكن المرافقون والحراس يبدون تذمرا من هذا الأمر أو يتململون. حقا إنها طبيعة الصحراء الصعبة، التي لا يمكن للإنسان أن يتدخل فيها أو يغيرها، ولهذا فلا ينبغي أن يشكو الإنسان قسوة هذه الطبيعة، وهؤلاء العرب الذين معنا عرب أقحاح أصلاء، عاشوا هنا منذ مئات السنين بل آلافها، أجسادهم مغطاة بالرمال والعرق، وجلودهم صارت كلون أشجار الصنوبر.
هكذا سنحت لنا الفرصة لنشاهد الأجساد العربية الأصيلة، وكنا كلما سرنا ثلاثة أو أربعة أمتار نزلنا لنحرك العجلات التي غاصت في الرمال، وتعبنا جميعا، وأخذ منا التعب مأخذه، ولكننا كنا أقوياء؛ ولذلك تحملنا المشقة نفسها التي تحملها رفاقنا العرب، إلا أن برودة الهواء في الليل جعلتنا نصاب بالسعال والزكام.
حفل الشاي العربي
بعد مضي فترة من الزمن، وعلى بعد حوالي ستين كيلا تقريبا من مدينة جدة- كان عداد السرعة بالسيارة معطلا- وصلنا إلى قرية صغيرة يقال لها (الجعرانة)، فاستقبلنا أميرها وأشعل النار، وأعد لنا الشاي، وحين تحلقنا حول النار كان هناك حوالي خمسة عشر أو ستة عشر رجلا عربيا من كبار القرية يجلسون معنا، وقد رحبوا بنا ترحيبا عربيا حارا، وحيانا الأمير بلهجة حجازية، فقام عبد السلام- رئيس الحرس- يشرح ما قاله الأمير بلغة عربية فصحى، عرفنا أنه أمير القرية، وأن الملك عينه مباشرة أميرا عليها.
وحول النار دارت فناجين القهوة العربية والشاي المعد على الطريقة العربية، كانت هذه أول مرة ننال فيها هذا الشرف، ونجلس مع مثل هؤلاء الناس، منذ وصولنا إلى المملكة العربية السعودية.
كانت القهوة مرة جد ا، ولكن كانت أفواهنا مليئة بالرمال والأتربة، ولذلك بد ا هذا الطعم المر للقهوة العربية لذيذا جدا، لقد شربتا القهوة العربية في سفارة المملكة العربية السعودية في القاهرة، وفي بغداد، ولكن لم تكن مثل هذه القهوة التي أشربها الآن. لقد شعرت أن هذه هي القهوة العربية الحقيقية بلا منازع.
كان الذين يقدمون القهوة يدورون حولنا مرة بعد الأخرى، وعرفنا أننا لو حركنا الفنجان في يدنا مرتين أو ثلاثا فهذا يعني أننا لا نرغب في شرب المزيد من القهوة. بعد ذلك تحدثنا مع الأمير وبقية كبار القرية مدة نصف ساعة أو أكثر قليلا، في بداية الحديث قال الأمير: إنه مسرور بلقاء وفد ياباني هنا لأول مرة! وجرى الحديث في موضوعات كثيرة، فذكر الأمير أنه خلال حكم الحسين بن علي لهذه المنطقة كان العديد من البدو قطاع الطرق يهاجمون الناس المتوجهين للحج، ويغيرون على قوافل التجارة، وكانت المنطقة في خطر نتيجة تهديد هؤلاء البدو الذين لم تكن عساكر الحسين بقادرة على مواجهتهم والقضاء عليهم، ولكن بعد قدوم الملك عبد العزيز آل سعود استتب الأمن، وتمكن من السيطرة على المنطقة جيدا. وهكذا أصبح الطريق أكثر أمنا، والناس الذين يأتون للحج لم يعودوا يخافون شيئا.
وأثنى الجالسون على الملك عبد العزيز آل سعود، وأثنوا أيضا على نظام الإخوان الذي أسسه الملك عبد العزيز، وذكروا لنا مرة بعد مرة مقدار ما يكنونه له من حبا وتقدير. بجوار النار توجد بئر، وهي منحة من الملك لأهل القرية حفرها لهم، والملك نفسه حين يذهب إلى مكة ينزل في هذا المكان ويشرب من ماء البئر، هذه عادة يتبعها الملك دائما.
وذكر أحدهم أن هذا المكان له أهمية تاريخية، لأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة، وأراد أن يؤدي فريضة الحج أول مرة ضرب خيامه في هذا المكان، وأصبح يطلق عليه "ميقات الإحرام ".
كل هذا كان يشرحه لنا عبد السلام الذي تولى الترجمة أو الشرح بالعربية الفصحى، وهو مصري تخرج في جامعة الأزهر، ثم ارتحل إلى مكة واستقر بها، وهو يدير فندق مكة، ويثق فيه الملك كثيرا، وهو رجل ذكي جدا ومهذب، ويعمل أيضا مراسلا صحفيا للصحف المصرية،وكان يعرف جيداً كيف يتعامل مع أمثالنا.
قبل العاشرة بدأنا المسير، وكنا قدرنا الارتفاع عن سطح البحر، فكان. 300 متر، كان الطريق وعرا، وواجهنا مرة أخرى مشكلة الرمال، وتوقفنا ونزلنا من السيارة، واضطررنا لرفع السيارة مرة بعد مرة، فشعرنا بالتعب، لكن مرافقينا العرب لم يشعروا بما شعرنا به، ولا أزال أتذكر كلمات (تغريز)، (غراز)، (غرزت) وهي ترن في أذني حتى الآن.
وبعد حوالي ثلاثين كيلا التقينا بقافلة صغيرة تتكون من عشرين أو ثلاثين جملا تحمل البضائع والحاجات اليومية في أجولة من الجوت والصناديق الضخمة. وكان أحد الجمال يتقدم القافلة كأنه قائدها، وكأن الإنسان الجالس على ظهره ليس سوى زينة فقط، وتذكرت كلمات الرحالة " داوتي " عن الصحراء العربية:
" في الصحراء الإنسان تابع للجمل ".
الساعة العاشرة والنصف
مرت سيارتنا بواحة بها بيوت قليلة، أخذنا الماء وتحركنا ثانية، وكلا على ارتفاع 430 مترا عن سطح البحر، والهواء صار أكثر برودة.
شعرنا فجأة بالبرودة الشديدة، ومررنا بجانب مجرى مائي يمضي بين الصخور، ووصلنا إلى قرية تسمى (الزيمة) يبلغ سكانها 2000 أو 3000 نسمة، وفي هذا المكان تستقر قبيلة كانت تسلب وتنهب وتقطع الطريق، ويذكر أن البريطاني (داوتي) وصل إلى هذه المنطقة واستراح عند "عين الزيمة"، ويقال: إنه تعرض لهجوم هؤلاء الناس، لأنهم اكتشفوا أنه نصراني، ولهذا تملكنا الخوف ونحن نمر بهذه المنطقة، ليس معنا نقود، وكنا نرتدي على رؤوسنا الزي العربي، وأشعر الآن مقدار ما قاساه "داوتي " في هذه المنطقة من متاعب وقد استفاد " لورنس " الكثير من مذكرات "داوتي ".
لم نتمكن من البقاء هنا مدة أطول، إذ كان علينا أن نصل إلى محطتنا التالية " السيل ".
وفي منتصف الليل شعر سائقنا بالدوار فجأة؛ لأن الطريق أمامه كان يعلو ثم يهبط، ويتلوى أمامه كالثعبان، ولهذا قام السيد يوكوياما بقيادة السيارة، كان الأمر في غاية الصعوبة وكانت السيارة تمضي بسرعة ثلاثين كيلا في الساعة، والارتفاع عن سطح البحر وصل إلى أكثر من خمسمائة متر، شعرنا جميعا بالحاجة إلى النوم، لكن كان علينا أن نمضي كما لو أن الطريق يقودنا رغما عنا إلى الجحيم. ظلمة حالكة، وطرق وعرة ملتوية. وبعد فترة وجدنا الطريق الرئيس المؤدي إلى مكة، فأصبحنا على بعد 150 كيلا من جدة.
أولمبيا العرب. بقايا عكاظ.. السيل
الساعة الواحدة صباحا
وصلنا إلى السيل، وقد استغرق ذلك وقتا طويلا، فقد غادرنا جدة في الساعة الثالثة مساءً،
شاهدنا ناراً وحين قربنا منها وجدنا عددا قليلا من البيوت الصغيرة.
فنزلنا من السيارة، وشعرنا بالبرد الشديد، فقد كانت درجة الحرارة منخفضة جدا، وبدأ الرجال الثلاثون المرافقون لنا ينصبون الخيام، ويعدون الطعام، وبعد نصف ساعة كان الطعام معداً. وجاء عبد السلام وشرح لنا أن الخيمة الأولى ستكون من نصيب الوزير الياباني، والثانية لنا، وخيمة لتناول الطعام، وأخرى تستخدم دورة مياه.
في الخيمة المعدة لتناول الطعام وضعوا منضدة وكراسي وأطباقا، وفرشوا على المنضدة مفرشاً أبيض، لقد اهتموا فعلاً بنا اهتماما كبيرا، وحرصت الحكومة السعودية على توفير الراحة لنا، فقد جهزت الخيام المعدة للنوم بالأسرة التي كانت من النوع البسيط، الذي يستخدم في المعسكرات، إلا أنها زودت بالألحفة والمفارش، وفرشوا أرض الخيمة بسجادة يبدو أنها مصنوعة في مصر، وكان اتساع الخيمة أكثر من خمسة أمتار مربعة، وهي منسوجة من القماش السميك، ومن العجيب أن نجد عليها شريطا كتب عليه مصنوع في اليابان أوساكا made in Japan osaka كان من غير المتوقع أن نرى شيئا مصنوعا في اليابان هنا في هذه الصحراء، كنا جوعى جداً وكان الطباخ السوداني قد أعد لنا حساء طماطم من العلب الجاهزة، كما أعد لنا خبزاً عربياً ودجاجاً مشوياً وكبابا، وأرزا محمرا باللحم، ومهلبية، بالإضافة إلى البرتقال والتفاح، فكان الطعام بالنسبة لنا مليئا بالسمن، لكن بعد هذه الرحلة الطويلة كان هذا الطعام من ألذ ما أكلته في حياتي. وفي أثناء تناولنا الطعام كان مرافقونا العرب يؤدون الصلاة جماعة.
بعد تناول الطعام خرجنا من الخيمة، وأخذنا نشاهد المنظر من حولنا، كان الجو باردا جدا، وكانت البوصلة تشير إلى ناحية الشمال بدرجة قدرها 21.5 شمالا، وكنا نشاهد نجوم الشمال واضحة، وقبل النوم تناولنا"أسبرين " للتخفيف مما لحق بنا من تعب وإرهاق، وأعطينا " شاكر" السائق بعض الأسبرين، لأنه مرض في الطريق وأصيب بالدوار.. وكذلك أعطينا عبد السلام، ونام رئيس الحرس في خيمة الطعام، ونام المرافقون خارج الخيام، وقبل النوم مباشرة قمنا بجولة قصيرة حول الخيام، ثم دخلت الخيمة، وكتبت بعض المذكرات، ثم أويت إلى فراشي، ورحت في نوم عميق.