السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حظيت مئة يومه – متابعةً وتقييماً - بما لم تحظى به مئة عامٍ من العزلة ! للأديب اللاتيني غابرييل مركيز، والتي ظفر بسببها بنوبل للآداب ! فقبل اعتلائه سدة الرئاسة، أكثر من الوعود، وأسهب في الأيمان، وسدد سهام النقد لسلفه الذي قاد إمبراطورية الشر والعالم إلى شفير الهاوية، ولم يصدق في وعوده إلا بين يدي عُصبة الإيباك اليهودية قبيل تتويجه، حينما وعدهم بعشرات المليارات على مدى سنوات، فكانت الرئاسة وكانت مئة يومٍ من التربع على العرش، محفوفة بأزيز طائراتٍ حربيةٍ أكلت الأخضر واليابس ومزقت أشلاء الأطفال على ذرى الأفغان .
تعددت الآراء حيال المجزرة الأخيرة في غرب أفغانستان واختلفت، لتتفق في النهاية على وجوب الصمت المطبق أمام لجج حضارة أنفلونزا الخنازير، وانكماش الاقتصاد العالمي، وتحليق الصواريخ الكورية الشمالية فوق الرؤوس، ما خلا اتهام خجول لرجل الغرب كرزاي للقوات الدولية - في أعقاب مقتل 25 مدنيا قبيل أشهرٍ - بالتصرف "الأرعن" وطالبها بالتنسيق مع حكومته في أية أعمال عسكرية تقوم بها في البلاد !
25 جثة مدني حصيلة مقبولة في سجلات الجيش الأمريكي ولكل حربٍ خسائرها المبررة، سرعان ما قفز هذا الرقم إلى أكثر من مئة قتيلٍ على يد جيش أبرهة العصر الحديث !
لم تتوقف طائراته يوماً – كما سلفه الأبيض - عن حرث الأرض ودك المدارس والمساجد داخل أفغانستان وفي أجواء جارتها الباكستانية، الكلأ المباح للقنابل الذكية الموجهة إلى الأكواخ وخيم اللاجئين النازحين من أهوال حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل!
ولعل ريشة الكاتب - الأسترالي - جون بلجر في كتابه الحرية في المرة القادمة، كانت صادقةً أثناء نقلها لفصول مأساويةٍ سطرت صفحاتها بمداد الدم الأفغاني المسلم، إذ يقول في إحداها : كان الوقت نهاراً حينما انشقت زرقة السماء الصافية عن طائرة f-16 الأمريكية، ملقيةً بقنبلة الدقة من نوع mk- 82 زنة 500 رطل على البيت الصغير المبني من الطين والحجارة والقش، وكانت الحفرة التي حلت محل البيت بعرض 500 قدم، كانت أوريفا – ربة المنزل – بعيدةً عن البيت تزور أقاربها، وحينما عادت قيل لها أن تذهب إلى المسجد لتجمع أشلاء جثثهم !
تقول: لم أستطع أن أتذكر ما حدث بعدها، صرت غائبةً عن الوعي من الصدمة، وحين فتحت عيني كنت في المسجد، وكانت سيارة أجرةٍ قد أوصلتني، كان زوجي مسجى على نقالة الأموات، وكان أولادي ذكوراً وإناثاً في حالةٍ مروعةٍ، أحدهم محترقاً بالكلية، والأخرى مهشمة إلى درجةٍ لم أتمكن معها من معرفتها، وإحدى الفتيات بلا رأسٍ إلخ ....
تقول أوريفا : إن جميع ممتلكاتها اختزلت في صورة زوجها الميت وأطفالها مرتبين على رفٍ بارزٍ لنافذةٍ يتيمةٍ حول زجاجةٍ فارغة تقريباً من صابون الشعر السائل ( شامبو ) زرقاء اللون .
سألها الصحفي : هل حصلت على أي تعويضٍ ؟
- حصلت على حوالي 400 دولار فقط .
- هل الأمريكان هم الذين أعطوك المال ؟
- لا، الطالبان جاؤوا وأعطوني المال في حقيبة قماش، بعد ذلك جاء أحد عشر أمريكياً وتفحصوا الحفرة التي كان بيتي مبنياً عليها، وكتبوا الأرقام على قطع الشظايا، وتحدث كل واحدٍ منهم معي ودونوا ملحوظات، وحينما غادروا أعطاني مترجمهم ظرفاً فيه خمس عشرة ورقةً نقديةً ( خمسة عشر دولاراً ) وهذا ما يساوي أقل من دولارين عن كل واحدٍ قتل من أسرتي.
قابل بلجر امرأةً أخرى فقدت كل عائلتها، كانت تقف في حقلٍ وتبكي، وقالت : إنها حملت رسالةً إلى السفارة الأمريكية في كابول تسعى فيها إلى الحصول على تعويضٍ مقابل رؤوس ذويها، أجابوها بفظاظة : ابتعدي أنت مجرد متسولة !
لن يتوقف هذا الدم النازف قريباً، في حين يرتقب العالمين الغربي والإسلامي خطاب سيء الذكر في مصر، وسيكون بمعيته أركان حكمه مع بضعةٍ من مشايخ الشعير والفراخ، النسخة المستنسخة من شيوخ الأرانب الذين كانوا بمعية الغازي نابليون قبل قرنٍ وبضعة عقود، سيُلقي - أبرهة العصر - كلمة تفسر على أنها الهدى الذي لا ضلالة بعده، والدستور الخالد للحريات الإنسانية التي وأدتها إمبراطورية الحضارة الغربية، ينتزع من خلالها تصفيق اليائسين والمتطفلين والمنتشين من خمرة الديمقراطية الأمريكية .
في حين ستكفكف العيون الحمراء دموعها على سفوح هملند وهرات ونيازي، أماكن – ربما - لم تسمعوا بها من قبل، قرى جبلية وعرة يعتريكم الخوف لمجرد التفكير فيها، وستعاود طائرات - العم طوم – قصفها ونحتها لتلك الجبال وقتلها للأطفال الأفغان الذين يشكلون في منظار الحضارة الغربية، قيمة أقل من الفضلات، الحضارة التي تدار هذه الأيام ببارك حسين أوباما، الأبرهة الأمريكي !
العم طوم : تحريف لكلمة العم توم، والذي ورد ذكره في رواية كوخ العم توم ل هارييت ستاو ( كلمة مشهورة عند زنوج أمريكا، تقال للسخرية من أي زنجي باع نفسه للرجل الأبيض )
حسن مفتي
كاتب سعودي
..........................
منقول دون تعليق
سوهاب