بسم الله الرحمن الرحيم
أتمنى أن يصل نقدي هذا لصاحب القصيدة لإنه مهم جدا , والواضح من الشاعر أنه مريد للخير ولكن كما قال ابن مسعود رضي الله عنه كم من مريد للخير لم يبلغه, وعليه أن يتحمل ما يواجهه من النقد , وقبل أن أبدا أنا حقيقة لم اسمع بالشاعر الاجدل من قبل , فإليك أيها القاريء:
يقول الشافعي رحمه الله:
نـعــيــب زمــانــنــا والــعــيــب فــيــنــا****ومـــــــا لـزمــانــنــا عــــيــــب ســــوانــــا
ونهجــوا ذا الزمــــــــان بغيـر ذنــــــــبٍ****ولـو نـطـــــــق الـزمـــــــــــان لـنـا هجـانـا
وليــــــــس الذئب يأكــل لحـــــم ذئبٍ****ويـأكــل بعـضــــنـا بـعـضـــــا عـــــــيــــانــا
ومن الملاحظ عند قراءة القصيدة أن الشاعر أطال وأطنب في ذكر الزمان بجميع المساؤ ,وكأن الزمان هو الفاعل أو المتسبب وهذا مفهوم خاطيء , مع ظني أن الشاعر لايعتقد هذا ولكن هي فكرة شاعر كما يقولون , وليعلم أن الشر والخير في الناس الذين في هذا أو ذاك الزمان كما جاء في حديث الزبير بن عدي الذي في البخاري قال (أَتَيْنَا أَنَسًا فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ اَلْحَجَّاجِ فَقَالَ: اِصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ؛ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم).وكذلك ماروى البخاري من حديث ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته)
فلا يجوز لوم الزمان وسبه فقد قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم : (( قَالَ الْعُلَمَاء : ... وَسَبَبه أَنَّ الْعَرَب كَانَ شَأْنهَا أَنْ تَسُبّ الدَّهْر عِنْد النَّوَازِل وَالْحَوَادِث وَالْمَصَائِب النَّازِلَة بِهَا مِنْ مَوْت أَوْ هَرَم أَوْ تَلَف مَال أَوْ غَيْر ذَلِكَ ، فَيَقُولُونَ : يَا خَيْبَة الدَّهْر ، وَنَحْو هَذَا مِنْ أَلْفَاظ سَبّ الدَّهْر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر " أَيْ لَا تَسُبُّوا فَاعِل النَّوَازِل ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلهَا وَقَعَ السَّبّ عَلَى اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ هُوَ فَاعِلهَا وَمُنْزِلهَا . وَأَمَّا الدَّهْر الَّذِي هُوَ الزَّمَان فَلَا فِعْل لَهُ ، بَلْ هُوَ مَخْلُوق مِنْ جُمْلَة خَلْق اللَّه تَعَالَى ).
هذا فيما يخص الملاحظة الاولى وهي لوم الشاعر وعتبه وسبه للزمان .
أما الملاحظة الثانية :
تهجم الشاعر على أحد علماء المسلمين تهجما سافرا يتبين لي أنه لا صلة له بالعلم والفقه لا من قريب ولا من بعيد , وهذا من المصائب أن يجني على نفسه بسب الفضلاء ويحرك مشاعر الناس الذين لايعرفون المسائل الفقهية والخلاف فيها, إلى الكلام في أهل العلم والاستخفاف بهم ,وقد يستغرب القراء كلامي هذا فأقول اليكم هذا البيت :
لو صدقتك وروحت وانت وافقت****ترضع هنود الناس في وسط غرفتك
واكتفي بذكره لإنه هو الشاهد وإلا الابيات التي سبقته فيه سب مقذع في عالم من علماء المسلمين بل كان له دور في قمع الارهابيين ومن تستر عليهم في المملكة وهذا مما أقض مضاجعهم وجعلهم يتربصون به الدوائر , فأصبحوا يشنعون على فتاواه ويوهمون الناس أنه هو من شذا بها وكأن المسألة لم يسبقه فيها احد فإنا لله وإنا اليه راجعون.
الشاعر الاجدل هداه الله تهجم في قصيدته على فضيلة الشيخ عبدالمحسن العبيكان المستشار في الديوان الملكي والفقيه قبل أن يكون مستشارا , والذي حمل الشاعر على التهجم الغيرة _ زعم_ لإن الشيخ أفتى بجواز إرضاع الكبير , ولا أدري ما الذي أغضب الشاعر حتى وصل الى التهجم والسب والغمز في هذا الشيخ.
أقول للجميع هنا :
إن مسألة إرضاع الكبير قد أختلف فيها أهل العلم إلى ثلاثة أقوال.طرفين وو سط
القول الأوّل:
أنَّ رضاع الكبير ليس بشيء، وأنّه لا يحصل به التحريم كما يحصل في رضاع الصغير.
وقد نقل الحافظ أبو عمر بن عبد البَرِّ في "التمهيد" (3/616 ط:العلمية تحقيق عبد القادر عطا)، أنَّ هذا القول هو مذهب جماعة فقهاء الأمصار ومنهم الأئمة الأربعة وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري. وقال به من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وسائر أمهات المؤمنين غير عائشة، وجمهور التابعين. وينظر أيضاً: "المغني" لابن قدامة (9/201 ط:العلمية)، و"بداية المجتهد" لابن رشد الحفيد (3/1311 ط:دار السلام).
القول الثاني:
أنَّ رضاع الكبير يثبت به التحريم مطلقاً كرضاع الصغير.
وهذا القول هو مذهب داود الظاهري كما نقله عنه النووي في "شرح صحيح مسلم"(5/375 ط:دار إحياء التراث، تحقيق عرفان حسونة). ونصره ابن حزم في "المحلّى" (9/202) وقال: " ورضاع الكبير محرِّمٌ ـ ولو أنّه شيخ يحرِّمُ ـ كما يحرِّ م رضاع الصغير ولا فرق" ا.هـ
وبه قال الليث بن سعد، وابن عليّة، وهو ثابت عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ ومروي عن عروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح.
القول الثالث:
وسط بين طرفين؛ وهو أنَّ الرضاع يعتبر فيه الصغر، إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها منه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثَّر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثِر إلا رضاع الصغير .
وبه قال شيخ الإسلام ابن تيميّة، وابن القيّم، ورجّحه الشوكانيّ، وصدّيق حسن خان، والألبانيُّ، وغيرهم.
وهذا القول هو الذي أختاره الشيخ العبيكان , فلماذا تهجم عليه, فمن باب أولى أنك ستهجم على الذين قالوا به وهم أئمة أعلام نصر الله بهم الاسلام والسنة , وماذا تقول عن عائشة أم المؤمنين وهي ممن يقول بالقول الثاني الذي هو أن ارضاع الكبير يثبت به التحريم مطلقا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (34/60):
"... وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنَّ إرضاع الكبير يحرم، واحتجوا بما في صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة أنَّ أمَّ سلمة قالت لعائشة: إنَّه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل عليَّ فقالت عائشة: ما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قالت: إنَّ امرأة أبي حذيفة قالت: ... الحديث... وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأخذن به؛ مع أن عائشة روت عنه قال: " الرضاعة من المجاعة " لكنَّها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية ؛ فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام، وهذا هو إرضاع عامة الناس، وأمَّا الأوَّل فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجِّه." ا.هـ
قال الصنعاني في "سبل السلام" (3/1533 ط: دار الفكر) معلّقاً على كلام شيخ الإسلام السابق:
"فإنّه جمعٌ بين الأحاديث حسن، وإعمال لها من غير مخالفة لظاهرها باختصاص، ولا نسخ، ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلّت له الأحاديث" ا.هـ
مسألة:
هل إرضاع الكبير يكون بمباشرة المص من الثدي أم أنّه يكون بواسطة أداة كالكأس مثلاً؟قال الحافظ ابن عبد البرّ في "التمهيد"(3/614):
" هكذا إرضاع الكبير على ما ذكر: يحلب له اللبن، ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل فلا؛ لأنَّ ذلك لا يحلُّ عند جماعة العلماء" ا.هـ
وفي الختام فليتق الله من يتهمون الشيخ بأنه توسع في الفتوى وقال بجواز ارضاع السائقين وغير ذلك , وليعلموا أنهم موقوفون بين يدي الله ومسؤلون عما قالوا , وعلى كل حال وعلى أي قول فأنت أيها المسلم عليك بالقول الذي تطمئن اليه أو عليك بالعالم الذي تطمئن له , ولا تقدح في علماء المسلمين الذين اجتهدوا وهم بين الاجر والاجرين .
وأتمنى من الشاعر مراجعة نفسه ومراجعة القصيدة وإعادة تنقيحها فإن الرجوع للحق خير من التمادي في الباطل.
والحمدلله رب العالمين
__________________
قال الخليفة الرابع
أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه
من كان يريد العز بلا عشيرة , والنسل بلا كثرة , والغنى بلا مال , فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
وقال:
إذا رغبت المكارم , فاجتنب المحارم.