كانت غابة الشمال تعيش آمنة مطمئنة، يتقاسم الخراف فيها العيش والأكل بحب وتفاهم مع بقية مخلوقات الغابة من غزلان وحمام وأسود، ماعدا أحد تلك الخرفان الذي كان متمرداً على القطيع، ولم يكن راضياً عن وضعه كخروف، بل كان يؤكد دائماً أنه أسد هصور وقائد للغابة.
اجتمع الخروف مع رفاقه الذين أقنعهم بنظريته وأكد لهم أنهم يستحقون أكثر من كونهم خراف، فبدأوا يثيرون القلاقل في الغابة حتى استطاعوا أن يغدروا بالأسد الأمين الذي كان يحكم الغابة ويقتلوه، ولكنهم بعد ذلك وقعوا في حيرة، فكيف لهم أن يقنعوا وحوش الغابة بل وخرافها بقوتهم وقدرتهم على إدارة الغابة ويقمعوا أي تهديد لحكمهم؟ وبعد تفكير طويل قرر أعضاء الحزب أن يستعينوا بالغابة المجاورة القوية والتي كانت على عداء شديد مع غابة الشمال.
رحب قادة الغابة المجاورة بهم وأتفقوا معهم على أن يفتعل الطرفين حرباً ليشغلوا سكان غابة الشمال ويوهموهم بقوتهم، ووعدهم قادة الغابة المجاورة من أسود ونمور أن يثبّتوا ركائز حكمهم شريطة أن يعطيهم الخروف القائد جزءاً كبيراً من أرض غابة الشمال، فوافق دون تردد، ولكن قبل ذلك، أعطوه رأس أسد ميت ليلبسه ويوهم الناس أنه الأسد الهصور والقائد المهاب لغابة الشمال!
وبعد انتهاء الحرب وتقاسم الغنائم بين الطرفين، وصل الخروف المستأسد سريعاً لسدة الحكم وافتعل حرباً أخرى مع نفس الغابة المعادية ليرضي شعبه المحبط من نتائج الحرب الأولى، فانتصر الأسد المقنع في حربه الوهمية، ولكن ما أثار حيرة شعبه الطيب أنه لم يستعد سوى جزءاً لا يذكر من أرضه المغتصبة، التي أهداها فعلياً للقرية المعادية، فرضوا على مضض!
وبعد أن بدأت إذاعات الغابة تقنع الجميع أنه قائد الأمة العظيم، لم يكن غريباً أن يستمر في الحكم مدة طويلة بدون أي تهديد من خراف ووحوش الغابة المسالمين الذين لم يكشفوا شخصيته الحقيقية، بل كان يأكل برسيمهم ويأخذ حظائرهم ويقتل أبنائهم وهم يرتعدون خوفاً منه، وبلغ تجبر الخروف الحاكم أن جهز ابنه الخروف الصغير ليقود الغابة بعد أن يموت، فملأ صوفه الرقيق بالنياشين واشترى له رأس أسد ميت وألبسه إياه، وأعطاه أعلى المناصب حتى صدق الخروف الصغير نفسه وظن أنه أسد آخر!
وبعد أن نفق الخروف القائد وحزن عليه القليل من شعبه، تسلم الخروف الصغير الحكم وأكمل مسيرة والده في الظلم والسرقة والنهب، فكان سكان الغابة بالكاد يعيشون بينما يسكن هو وحاشيته أفخر الحظائر ويأكلون أجود أنواع البرسيم، وفي يوم من الأيام كان الغضب قد وصل مداه بأهل الغابة، فقرروا أن يثوروا على قائدهم ليطالبوا فقط بحقوقهم المسلوبة، فنظموا المسيرات الحاشدة في كل أنحاء الغابة. وحين سمع الخروف الصغير بذلك جن جنونه، فقد توهّم أن ما يفعله بالغابة هو الصواب، وحتى إن سرق، فقد سرق أبٌ له من قبل!
أصدر القائد الأسد أوامره فبدأت حاشيته من الضباع تقتل شعب الغابة ولم تفرق بين أسد ولبوة ولا خروف ونعجة لكن صمود سكان الغابة كان أقوى من الآلات التدميرية لملك الغابة، فاستمروا في عصيانهم حتى أحس الخروف المهاب بالخطر وقرر التنازل عن كبرياءه والظهور ليستعطف أهل الغابة ويعدهم بالإصلاحات.
وفي اليوم المشهود، لم ترض الأسود الغاضبة بوعوده فهجموا عليه ليبطشوا به
وهنا حدثت المفاجأة حيث أزال أحدهم قناعه المزيف، واكتشف الجميع أن قائدهم الأسد وأبوه ليسا سوى خروفين محتالين، يدّعيان أنهما قادة الأمة وحماتها من بطش الغابة المجاورة المعادية!
أسقط أخيراً في يد الخروف فصرخ في الحشود: لست أنا الوحيد الذي يرتدي قناعاً، أنظروا إلى أنفسكم، فأنتم أيضاً قد ارتديتم قناع الجبن وأصبحتم خرافاً ونسيتم أنكم أسود وقادة الغابة الحقيقيين، بل انظروا إلى جميع الغابات المجاورة، بماذا يختلفون عن بعض؟
ماتت أسطورة الأسد ، حين وُلدت إرادة شعبه!