كان حُنَين شاعراً مـُغـَنـِّيـاً فحلاً من فحول المغنِّين. وكان نصرانيـّا يسكن الحِيرة، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه في عصره وقَدِم ابنُ مُحْرِز المـُغنـِّي إلى الكوفة، فبلغ خبرُه حُنَيْنـاً، فخشيَ أن يعرفه الناسُ فَيَسْتَحْلُوه ويستولـيَ على البلد فيسقُطَ هو. فتلطّف له حتى دعاه، فغنّاه ابنُ مُحرز لحنـاً، فسمع ما هاله وحيّره. فقال له حنين: كم مَنَّتْك نفسُك من العراق؟ قال:ألفَ دينار. فقال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة، فخُذها وانصرف، واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق. وكان ابنُ مُحْرِز صغير الهمـّة، لا يحبّ عِشرة الملوك، ولا يُؤْثر على الخَلْوة شيئـاً. فأخذها وانصرف. ثم قدم الحِيرة ابن سُرَيج المـُغنـِّي ومعه ثلاثمائة دينار. فأتى بها منزل حُنين، وقال: أنا رجل من أهل الحجاز، بلغني طِيبُ الحيرة وجَودة خمرها، وحُسن غنائك، فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك وعندك، ونتعاشر حتى تنفد وأنصرف. فسأله حنين عن اسمه ونَسَبه، فَغَيـَّرهما، وانتمى إلى بني مخزوم. فأخذ حنين المال منه وقال: مُوَفَّر مالُك عليك، ولك عندنا كلُّ ما يحتاج إليه مثلُك ما نَشِطْتَ للمُقام عندنا، فإذا دَعَتْكَ نفسُك إلى بلدك جَهَّزناك إليه، ورددنا عليك مالك. وأسكنه داراً كان ينفرد فيها، فمكث عنده شهرين لا يعلم حنين ولا أحد من أهله أنه يُغَنّي، حتى انصرف حنين من دار الوالي في يوم صائف مع قيام الظَّهيرة، فصار إلى باب الدار التي كان أَنزل ابنَ سُريج فيها، فوجده مغلقـاً. فارتاب بذلك، ودقَّ الباب فلم يُفتح له ولم يُجبه أحد. فصار إلى منازل الحُرَم فلم يجد فيها ابنته ولا جواريها، ورأى ما بين الدار التي فيها الحُرَم ودار ابن سُرَيج مفتوحـاً. فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته، فلما دخلها رأى ابنته وجواريها وقوفـاً على باب السرداب وهنَّ يُومِئْنَ إليه بالسكوت وتخفيف الوطء. فلم يلتفت إلى إشارتهن لِمَا تداخله، إلى أن سمع تَرَنُّمَ ابن سريج. فألقى السيف من يده، وصاح به - وقد عرفه من غير أن يكون رآه، ولكن بالنَّعْت والحِذْق: أبا يحيى، جـُعلتُ فداءك، أتيتنا بثلاثمائة دينار لتنفقها عندنا في حـِيرتنا! فوحقِّ المسيح لا خرجتَ منها إلا ومعك ثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار، سوى ما جئت به معك! ثم دخل عليه فعانقه ورحّب به، ثم صار معه إلى الوالي فوصَلَه بعشرين ألف درهم. وكان المغنون في ذلك العصر أربعة نفر: ثلاثة بالحجاز هم ابن سريج والغَرِيض ومَعْبَد، وحُنين وحده بالعراق. فاجتمع الثلاثة بالحجاز فتذاكروا أمر حنين، فقالوا: ما في الدنيا أهلُ صناعة شرّ منا؛ لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز، لا نزوره ولا نستزيره؟ فكتبوا إليه، ووجّهوا إليه نفقة. وكتبوا يقولون: نحن ثلاثة وأنت وحدَك، فأنت أولى بزيارتنا. فَشَخَص إليهم . فلما كان على مرحلة من المدينة بَلَغَهم خبرُه، فخرجوا يتلقَّونه، ودخلوا المدينة، فلما صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: صِيروا إليَّ. فقال له ابن سريج: إن كان لك من الشرف مثلُ ما لمولاتي صِرنا إليك، فقال الغريض: إن كان لكما من الشرف والمروءة مثلُ ما لمولاتي سُكَينة بنت الحسين عَطَفْنا إليك. فقال: ما لي من ذلك شيء. وعَدَلوا إلى منزل سكينة. فلما دخلوا إليها أَذِنَت للناس إِذْنـاً عامـاً، فَغَصَّت الدارُ بهم يسمعوه، وصعِدوا فوق السطح وازدحموا عليه، فسقط الرِّواق على مَن تحته فمات حنينٌ تحت الهدم.
من كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني.