ان اهـــم سمة للقيادات الالهـــية هــي التوجه الصادق والانقطاع الكلي والاخلاص التام لله سبحانه، فهم متوجهون اليه كلياً بالطاعة والذكر، والسعي والكدح، والتوكل والإنابة بكل احاسيسهم ومشاعرهم، بل بكل وجودهم، فهم الثمرة المباشرة لعقيدة التوحيد، وهم الحقيقة الحية لمبدأ الايمان، وهم الوجود المتحرك الذي يجسد بحق الاستسلام والخضوع لله سبحانه وهم يعملون بطاعته ويجتنبون نواهيه ويستسلمون لعبادته، خالصين في سعيهم اليه وحده، فلا يخضعون إلاّ لسلطانه، ولا يهابون أيّة قوة سواه، ولا يركنون الى أحد غيره، فهم (... يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين).
حيث يستجيبون لكل عمل خير، ويسعون لكل صلاح، وينشطون لكل هدى، ويكدحون لكل فضيلة، ويجاهدون في سبيل الحق، ويكافحون في سبيل كل معروف.
كما إنهم يدعون ربهم رغبة وولهاً اليه وشوقاً نحوه، وتعلقاً به وانشداداً بمنهجه..، ويدعونه كذلك رهباً، حيث العزة والجبروت والكبرياء والعظمة، وحيث القوة والسلطان، والمالكية والإلوهية وحيث العدل والحساب.. كما انهم خاشعون كذلك، حيث الخشوع للعظمة والهيبة والخشوع للقداسة والرهبة، والخشوع للموقف والإرادة الإلهية.. هذه صفاتهم وشمائلهم، إنهم يعبدون الله مخلصين صادقين منقطعين متوكلين.. شعارهم جميعاً
قل الله أعبد مخلصاً له ديني). ونداؤهم: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين...)وتأكيدهم: (ألا لله الدين الخالص) ومسلكهم: (قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)
ومن مصاديقهم في هذا السبيل موسى (عليه السلام) حيث يقول تعالى عنه:
(إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً).
فالاخلاص في العبادة سمتهم، والانابة اليه ديدنهم، والصدق في الطاعة والعبادة دستورهم، يصفهم القرآن الكريم: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء...)
فهم يعملون في سبيل مرضاته، ويكدحون من أجل طاعته، ويناضلون لاعلاء كلمته، ويسعون لاقامة دعائم توحيده، لا يبتغون عرضاً زائلاً من هذه الدنيا، ولا يرغبون في مال ولا جاه، ولا موقع ولا سلطان، ولم تدفعهم في ذلك مصلحة مادية أو منفعة ذاتية أو طمع في شان من شؤون الدنيا الفانية، وهذا منهج القيادات الربانية، وهذا سبيلهم وديدنهم عامة، فهم جميعاً ربانيون إلهيون عبّاد مخلصون متواصون بالحق ومتآزرون في الطاعة ومجتهدون في السعي والعمل الخالص لوجهه الكريم، شعارهم جميعاً: (وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على ربّ العالمين)
هذا الشعار الذي رددته الرسالات جميعاً على لسان نوح (عليه السلام) وعلى لسان هود (عليه السلام) وعلى لسان صالح (عليه السلام) وعلى لسان لوط (عليه السلام) وعلى لسان شعيب (عليه السلام) وهو نفسه يتردد على لسان (محمد) (صلى الله عليه وسلم):
(قل ما أسألكم عليه من أجر الاّ من شاء ان يتخذ الى ربه سبيلاً)
فالأجر المبتغى ليس هو الأجر المادي، ولا الزعامة والموقع، ولا المصلحة الذاتية، ولا نزوة لهوى، ولا طمعاً بمغنم، إنّما هو أن تتخذوا الى ربكم سبيلاً والى إلهكم طريقاً ... ولست سائلكم بشيء غير ذلك (أم تسئلهم أجراً فهم من مغرم مثقلون)
فالعمل هنا ليس تجارة أو مكسباً تتضخم به الثروات به الكروش وتكثر به الجواري والعبيد، وتزداد به الأرصدة والرساميل وتتجدد به الرياش والأثاث، وتبنى به القصور وتعظم به المواقع وتشمخ به الرغبات وتتركز به الزعامات، إنه خالص لله وحده لا يبتغي غير وجهه ومرضاته، وإلا فإن العبادة ستكون على حرف وتكون لغير الله وعند الله ذلك يحبط السعي ويتلاشى الأجر ويصح أن يقال فليها عدم الخلوص.