فيصل بن علي البعداني
كان النبي شديد الزهد في الدنيا عظيم الرغبة فيما عند الله – تعالى – والدار الآخرة ، ولذا اشتد فرحه وسروره بإقبال الطاعات وكثرة الجود وتوالي نزول الرحمات ، امتثالاً لأمر مولاه – عز وجل - : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ يونس : 58] .
وأزمنة القربات ومواسم الخيرات تسرع بالإنسان في سيرة إلى ربه ، وتعجل في رفعته وقربه من رضى خالقه ، وتنقله مراحل إلى الأمام .. إذا هو أحسن استثمارها وشمر عن ساعد الحد في استغلالها في مرضاة ربه تعالى .
وخير دليل على ذلك قيامه – عملياً – بالاستعداد للأمر وتهيئته النفس لاستقبال رمضان مقبلة على الخير نشيطة في الطاعات لتغتنم الفرصة كاملة وتهتبل الموسم كله .
هكذا كان هدي سيد الورى مع رمضان ، إذ قام بالعديد من الأمور قبله ، لعل من أبرزها :
إكثاره من الصيام في شعبان ؛ توطئة للنفس على رمضان ([1]) :
يدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، فما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان ، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان ) ([2]) ، وفي رواية : ( ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كله ،كان يصوم شعبان إلا قليلا ) ([3]) .
تبشيره أصحابه رضي الله عنهم بقدومه وتهيئتهم للاجتهاد فيه بذكر بعض خصائصه وتضاعف الأجور فيه :
والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ، منها : قوله : ( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء ، وغلقت أبواب جهنم ، وسلسلت الشياطين ) ([4]) ، وقوله : ( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادي مناد : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة ) ([5]) ، وقوله ( أتاكم رمضان شهر مبارك ، فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم ) ([6]) .
بيانه لأصحابه الكرام بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالصيام :
ومن النصوص النبوية التي ورد فيها ذلك : قوله - آمراً باعتماد الرؤية لا الحساب لدخول الشهر وانصرامه - : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، وانسكوا لها ، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين ، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا ) ([7]) ، وقوله ناهيا عن الاحتياط لرمضان وصوم يوم الشك : ( لا تصوموا قبل رمضان ، صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية ، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين ) ([8]) ، وقوله : ( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه ) ([9]) .
عدم دخوله في صيام رمضان إلا برؤية شاهد أو إتمام عدة شعبان ثلاثين :
ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه ) ([10]) ، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : (جاء أعرابي إلى النبي فقال : إني رأيت الهلال - يعني رمضان - فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم ، قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم قال : يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا ) ([11]) .
فأين أنت من التهيؤ لرمضان قبل نزوله ، فهو ضيف غنيمة لهذه الأمة ، ينزل عليهم فيذكر غافلهم ، ويعين ذاكرهم ، وينشِّط عالمهم ، ويشحذ همهم للطاعات ، فتمتلئ مساجدهم ، وتجود نفوسهم ، وينتصر مجاهدهم .. فما أحقه بأن تعدّ العدة لاستقباله ؟
([1]) اختلف أهل العلم في الحكمة من إكثاره من صيام شعبان ، فقيل ما ذكر ، وقيل :لأنه كان يشتغل عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر فيقضيها فيه ، وقيل : لأن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان ، فيصوم معهن ، قال ابن حجر في الفتح : 4/253 ( والأولى في ذلك ما جاء ... عن أسامة بن زيد قال : قلت : يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال : ذلك شهر يغفل الناس عنه ، بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ) ، والحديث أخرجه النسائي ( 2357) ، وحسنه الألباني في صحيح السنن ( 2221 ) ، والأمر كما ترى محتمل لذلك ولغيره ، والله أعلم .
([2] ) البخاري ( 1969 ) .
([3] ) مسلم ( 1156 ) .
([4]) البخاري ( 1899) .
([5]) الترمذي ( 682 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ( 549 ) .
([6]) النسائي ( 2106 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ( 1992 ) .
([7])النسائي ( 2116 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (1997 ) .
([8])النسائي ( 2130 ) ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (2011 ) .
([9]) مسلم ( 1082 ) .
([10]) أبو داود ( 2342) ، وقال محقق الزاد : 2/38 ( وسنده قوي ) .
([11])أبو داود ( 2340 ) ، وهو من رواية سماك عن عكرمة ، وفيها اضطراب ، لكن قال محقق الزاد : 2/38 : ( لكن يشهد له حديث ابن عمر المتقدم فيتقوى به ) .