السلام عليكم
من أجمل ماقرأت
لاتطوفكم
لأن زوجتي محترمة جدا ، فذلك يعني أني غير محترم .. فالزوجة المحترمة جدا ، فقط هي التي تحتمل زوجا مثلي ..
وحين أقول زوجا مثلي ، فهذا يعني أني رجل استثنائي ، ليس له شبيه .
وبأن زوجتي أيضا امرأة استثنائية .. ليس لها شبيه .
فأنا لست ك : سامي أو جمال أو كمال أو حتى طرزان .. وهي على الطرف الآخر تفوق كثيرا شهرزاد : جمالا وذكاء وحكمة وأنوثة ورجاحة عقل ، وما كانت لتحاكي ماري منيب في فيلم : نكد العقارب إلا لأنها لم تتزوج شهريار .
وشهريار هذا ملك متواضع تقدم لخطبة زوجتي قبل أن يتعثر حظها ، فرفضته على أمل أن تجد رجلا ملائما .. يمتلك خزائن الأرض والسماء .. ويعرف قيمة امرأة ولا كل النساء .
ولأن الدنيا تخون .. تعثر الحظ .. وكنت أنا .. نعم أنا بلحمي ودمي وشحمي الزوج الموعود .
طبعا أنا لست شهريار ، ولست حتى سامي أو جمال أو طرزان .. بل إن جميع المختبرات التي قصدتها زوجتي تؤكد أنني حلقة وسطى بين القرد والإنسان .
ليست الخيبة أن تتزوج المرأة رجلا أقل من عادي ، لكن الخيبة أن ترفض فرسان وملوك وعباقرة الأرض .. ثم بعد ذلك تجد نفسها زوجة قرد .
تعرضت زوجتي لصدمة عاطفية .. جعلتها تسرد حكاية ألف ليلة وليلة بطريقة أخرى ..
كان في قديم الزمان : امرأة فائقة الجمال ، تسرق الشمس صبيحة كل يوم باقة من ضيائها تنشرها في بقاع الأرض .. وتتنسم نفحة من شذاها تبثها في الآفاق .. وكان الأباطرة والملوك والقياصرة يبحثون عن ذلك السر .. لكن الشمس خشيت أن تفقد حسنها وضياءها ، فأهدت المرأة إلى قرد أسكنها الظلام والأدغال ... ورغم أنه حان الصباح .. لكن لم تسكت شهرزاد عن الكلام المباح .. ، ولم تمنح زوجها فرصة للراحة أو السكون أو هدوء البال .
ثم استمر الحال .. امرأة تندب حظها ، تقارن بينها وبين زينب وهدى ودلال .. فزينب كما تراها ، وكما يحلو لها أن تصفها امرأة تفتقد الأنوثة ، تشبه كثيرا الجوكر البستوني ، لكنها تحظى بزوج نبيل كريم عطوف ودود عاشق ولهان ... لا يبخل عليها بالفساتين والجواهر والحلي والماس ... وحسبه أنه ندي المبسم ، جياش الإحساس .
أما هدى فقد كانت صديقتها في المرحلة الابتدائية ، وكانت فتاة لا تجد من تشاركها المقعد بسبب رائحتها النتنة .. وملامحها المنفرة . وإن كانت تبدو الآن مختلفة تماما . فما ذلك إلا لأن زوجها أغدق عليها الكثير من المال ، فأصبحت مختلفة المظهر بعد سلسلة من عمليات التجميل ..
ودلال : كانت فتاة متشردة يتيمة الأبوين .. لا مال ولا جمال ولا عنوان ...
لكنها بعد أن تزوجت ، أصبحت سيدة الحسن وأميرة الزمان .
ليس هذا ما يعذب زوجتي وحسب .. لكن ما يعذبها أن أزواج زينب وهدى ودلال ، كانوا قد تقدموا لخطبتها .. لكنها رفضتهم تماما كما رفضت شهريار ... وكان حظها كما حدثتكم مع تلك الحلقة الوسطى بين القرد والإنسان .. يعني : أنا .
والامر يا سادتي لا يقف عند هذا الحد . فزوجتي برغم كل نقائصي ، وكل حزنها وتعاستها وعذابها وجنونها من هذا الواقع . ما زالت تبقي على زواجنا .. وما ذلك إلا لفضائلها ونبل أخلاقها . فالأطفال عندها أهم من أن تخلع زوجا مثلي ، في سبيل مجد أو متعة أو نزوة أو حتى كنوز الأرض .
وهكذا تستمر الحياة كسائر الأشياء : امرأة نبيلة عظيمة يرضيها مالا يرضي سائر النساء .. وزوجا لا يشبه البشر وضعه القدر حجر عثرة في طريق الحياة .
من المفارقات العجيبة ، أن الرجل لسبب نعلمه أو لا نعلمه .. قد اكتسب حقوقا وأنجز مكتسبات على حساب المرأة . فكان قواما عليها ، له الحق في هجرها كأحد الأساليب في إعادتها إلى جادة الصواب .. أما إن تعذر الأمر واستحال الأمل ، فقد منح الرجل حقا آخر .. يضع حدا للمعاناة : ذلك هو الطلاق ..
والرجل بطبعه مخلوق أخرق ، يثق في عقله ونبوغه وذكائه بما لا يتفق مع الواقع .
فالمرأة في واقع الحال هي التي تهجر ، وتخضع الرجل لسلسلة من اختبارات الطاعة والاستقامة والاستجابة لكل ما خطر في بالها أو سيخطر.. وإذا باء الأمر بالفشل ، فبيدها الخلع ، أو بيدك الطلاق الذي ستلبيه لها متى شاءت ، حين تقرر أنك أصبحت زوجا عصبيا عير سوي لا يرجى منك شفاء . . وأنت في كلتا الحالتين ما زلت قواما على النساء ، تحتفظ بكامل رجولتك . وقد تسقط من عينيك دمعة أحيانا على اعتبار أنك ظالم أثيم .. بحق امرأة رقيقة كسيرة القلب ، ضعيفة النفس .. مغلوب على أمرها .
لا أكتمكم سرا بأني كنت أهجر زوجتي على سبيل أن يصلح حالها .. لكنها كانت تجد في ذلك فرصة كي تلقنني درسا لا أنساه . وتكشف لي حقيقتي التي كانت تغيب عن نفسي .. وتبدي أسفها وندمها على تلك الأيام التي كانت تجمعنا فيها غرفة واحدة .. فتستغفر الله ، وتعوذ به من الشيطان الرجيم . وتحمد الله على أن أحق الحق ، وأصلح الباطل .. فأنا زنديق كافر .. وهي امرأة مؤمنة صالحة .. وفي أحسن الأحوال تراني منافقا لا يليق بصاحبة خلق ودين وأدب .. بل تكتشف أيضا أنني عبدا لنزوتي ، مطواعا لغريزتي . آثما بطبعي . وهكذا كانت تجد في الهجر ما يبعدها عني وعن الشيطان ، ويقربها من الله وعباده الصالحين .
ثم بدأت تصارحني بإعجابها بالشيوخ .. حتى أنها نسيت أمر شهريار ، وكسرى أنو شروان .
بل بلغ بها الأمر أن أخذت تختمر بحضوري كي لا يكون بيننا فتنة – أقصد بيني أنا وليس بيننا – فقد وقاها الله هنات الخاطئين .
لم تطلب مني الطلاق ، لكنها اقتنعت تماما أن زواجها مني إحدى الكبائر .. أما شهادتي بوحدانية الله ونبوة رسوله ، فقد اعتبرتها ضربا من النفاق .. وكي تحرر نفسها من وخزات الضمير . اتصلت بالشيوخ وأصحاب الفتاوى ، حتى أكد لها أحدهم أنها على ضلال مبين ، وأن ما بيني وبينها حرام في حرام .. وإن أرادت سلامة دينها ودنياها ، عليها أن تسعى في طلب الطلاق كي تكفر عما كان من حياتها السابقة .
لم تجد زوجتي حرجا بإعلان إعجابها بالشيخ الكريم ، بل أنبأتني يوما أنه ظهر لها في الرؤيا : وسمعت هاتفا يدعوها قائلا : هذا من أولياء الله الصالحين .
وذات يوم قبل صلاة الظهر مر بمنزلي شيخ جليل ، يشع وجهه ضوءا وبهاء .. وما أن ألقى السلام حتى لامس شيئا في داخلي ، فدعوته إلى ضيافتي .
جلسنا أمام المنزل قليلا .. علمت من حديثه أنه يسكن حيا بعيدا ، لكنه قرر اليوم أن يذهب إلى المسجد من طريق آخر ، عله يكسب أجر المشقة والعناء .
كان الشيخ هادئا رزينا عميقا ، يفيض دفئا وإيمانا .. فطلبت منه ألا تنقطع علاقتنا ، وأن نجتمع على حب الله ما حيينا . وإمعانا مني في التعبير عن مشاعري ، رافقت الشيخ إلى المسجد ، فأدينا الصلاة سويا وافترقنا .
لم ينقطع الشيخ عن المسجد بعد ذلك .. مرورا بمنزلي الذي يجعله يقطع أضعاف المسافة طلبا لمرضاة الله ، وطمعا في الأجر والثواب ..
على غير عادتها لم تعترض زوجتي على صداقتي الجديدة ، رغم أنها تكفر بجميع صداقاتي ..لكنها احتسبتها لوجه الله . ولا أكتمكم سرا أنها أبدت لي من اللين سببا .. كأن تقربي من الشيخ تقربا من الدين ومن طاعة الله عز وجلّ ، مما يتيح لها أن تقطف ثمار الأجر والثواب .. وربما استجاب الله لها دعاء عزيزا .. فأذهب عنها غم من كرهت .. وأدناها ممن تحب في الدنيا والآخرة ..
اعتاد الشيخ أن يتردد على منزلي أثناء إيابه من المسجد . واعتدت أن أستقبله ، لما كنت أجد من من راحة في الإنصات لحديثة ومتابعة نصائحه ، والشعور بالطمأنينة لهذا النور الغامر الذي يفيض من وجهه .
ورغم ما كنت أحاول من إضفاء ابتسامة باهتة على وجهي .. وتكلفٍ أحاول من خلاله أن أخفي بؤسي .. لكن الشيخ تنبه لأمري .. .. فقال : أنت مهموم يا عمر .. ثم نكس رأسه نحو الأرض ..
كنت كمن وقع في شرك لم يضع خطة للخروج منه ، ولم يجد لديه من الوقت ما يتيح له أن يخرج من هذه الورطة .. فقلت باستسلام : أجل يا شيخ .
قال : أنت على خلاف مع زوجتك ... زوجتك سلمى .. أنت محروم من علاقتك الزوجية ، ومحروم من أن تشاركها حتى غرفة النوم ..
النساء يا عمر كالإعصار : حين تبدأ بوادره قد يكون الهروب أسلم الحلول .
قلت : أجل .. لكن ...
---- : لا تقل شيئا .. فأنا أعلم كل شيء .. وما علمي إلا من الله العلي القدير .. دعها يا صديقي .
قلت : لكن يا شيخنا ... ما مصير الأبناء .. بل ما مصيرها هي ؟ كيف أتركها وأتركهم ؟
قال : عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لهم . أنت رجل ميسور الحال : أتركها تعيش في المنزل .. وانتقل أنت إلى الدور السفلي ، ولن يضيع الله أجر المحسنين .
مضى الشيخ ولم يمكث طويلا .
جلست وحيدا أمضغ أفكاري .. حتى جاءت زوجتي ، فقرأت ملامحي بنظرة مقتحمة عميقة .. ثم قالت : ماذا ؟
قلت : لا شيء .
قالت : كعادتك ... تكذب .
قلت : أتعلمين ما قال لي الشيخ ؟ كأنه مرفوع عنه الحجاب ، وكأنه يعلم ما يدور في بيتنا .. المهم ...
___ : المهم !!!
---- : نصحني بالفراق .. أقصد فراقك ..
---- : هذه أمنيتك أنت ، وليست نصيحة الشيخ .. وماذا بعد ؟
----- : وماذا بعد ؟
سأسكن في الدور السفلي . وأترك لك هذا المنزل ..
------ : إسمع : أنت تعلم أنه غير مأسوف عليك في كل الأحوال ..
طلقني .. لكن إذا فكرت في الزواج يوما .. فسوف أتزوج أنا الأخرى .
أما صاحبك الشيخ ، فلا أريد أن أرى وجهه مرة أخرى في هذا المنزل .. بل لا أريد أن أراه في هذا الشارع .. أرجو أن تخبره ذلك ..
قلت : دعك من الشيخ ، فربما كان قصده خيرا .. لا نريد أن نقحم الآخرين في خلافاتنا ..
---- : قلت لك : لست آسفة عليك ، طلقني حالا ... فحسبي ما قضيته معك من شباب كاد أن يذوب فتيله . ومصير مظلم أسود لا أريد له أن يستمر.
أطرقت برأسي قليلا : ثم قلت بصوت خفيض : أنت طالق .
انتقلت إلى الدور السفلي ، وقد تركت لها المنزل ، شعرت بخواء روحي فقد اعتادت نفسي العذاب .. وهذا ما جعلني أبحث عما يشغل وقتي ..
أكثرت من التردد على المسجد .. لكني حزنت لغياب صاحبي الشيخ طه .. فقد هجر الشارع والمسجد ، كأنه عرف ما تضمر زوجتي له من كراهية ونفور .
لم تقتنع زوجتي طبعا بهذه التقوى التي غزتني بغتة ، فلم تتردد في أن تبلغني بأني منافق كبير . بل اعتبرت صلاتي في المسجد لأرب لن يخفى على رب العباد الذي سيمهلني قليلا ، لكن لا بد أن يقتص مني . ويشفي صدور قوم مؤمنين .
لم تمض عدة شهور حتى بدأت سلمى تسرب لصديقاتها خبرا لم أفهم مبرراته . فأنا سوف أتزوج قريبا .. وما ذهابي إلى المسجد إلا لتحقيق هذه الغاية .. أما الزوجة المنتظرة فهي أرملة تقيم قرب المسجد ، مات زوجها منذ عام مضى .
لم أعبأ للنبأ في البداية ... لكني لم أمنع نفسي من التفكير فيه لاحقا . ولا أكتمكم أن الفكرة لامست في نفسي صدى ... ولا أدري لماذا وجدت في هذه المرأة ما يقنعني رغم عدم معرفتي الوثيقة بها .
حين صفعتني سلمى بتلك التهمة ، قلت كمن يخفي خنجرا مسموما في نبراته : وهل يعنيك الأمر ؟
ضحكت كأنها تسبر أعماق غبائي ، وقالت : مبروك يا عريس .
انتشر النبأ سريعا . وتلقيت التهاني والتبريكات ممن أعرف وممن لا أعرف .. حتى كدت أحلق فوق جناح السعادة ..
متى يكون الفرح يا عمر ؟ أم تراك ستلعبها بصمت وهدوء ؟
وجدت في الأمر تسلية قد تستحق المجاراة ، فقلت : بل سيكون فرحا مكتمل الشروط .. ولن يتأخر الأمر بإذن الله .
لا أكتمكم سرا بأني أردت أن يصل النبأ زوجتي السابقة ، سلمى .. فهيأت نفسي أن أقابلها بكل برود إذا انفجرت في وجهي بالشتيمة والسباب ..
بيد أن شيئا من ذلك لم يحدث .. بل على النقيض تماما ، قابلتني بضحكة ، انبثقت من زاوية فمها المغرور ، وغاضت في تقاسيم وجهها الجامد .
قالت : الشيخ طه يهديك السلام .
قلت : حقا ؟ أين هو ؟
قالت : ها هو داخل المنزل .. يدعوك لتناول الغداء معه ...
قلت : وماذا يفعل في المنزل ؟
قالت : إنه زوجي ، ألم تعلم أننا تزوجنا ؟
قلت : صدقيني إني سعيد بهذا النبأ .. فالطيبون للطيبات : هنيئا لكما .
قالت : كم تغيرت يا عمر . على أي حال ، تفضل .. فالشيخ طه في انتظارك .
صافحت الشيخ طه ، وأنا أتكلف الدهشة والاستهجان .. ضغطت على يده ، ثم جلسنا على مائدة الصمت ، وسلمى تحدجني بنظرة تحاول من خلالها أن تستقصي شظايا هزيمتي ووقع الصفعة على نفس بائسة معذبة ..
قال الشيخ طه وهو يبتسم : ما أخبارك يا عمر ؟ سمعت أنك تزوجت ؟
قلت : لم يكتب لي الله ذلك بعد ..
---- : ولماذا تخفي الأمر يا عمر ؟ أنت تزوجت ، وزوجتك تقيم في الدور السفلي .. أقصد في هذا المنزل .
قال ذلك وهو يغمزني بطرف عينه ، بينما كانت سلمى في غفلة من فضولها .
لم أفهم ما يعنيه الشيخ طه ... لكنه نهض .. ثم تناول يدي وقادني إلى الدور السفلي .. وما أن دخلنا حتى سمعنا صوتا نسائيا يرحب بنا .
علياء ! أجل علياء ، تلك الأرملة التي كانت تراود خيالي في الفترة الأخيرة ..
قال الشيخ طه : وتنكر أنك تزوجت ؟
قالت علياء : قررنا أن يكون الزواج هادئا . ولم نعلم أحدا سوى كاتب عقد الزواج ، وشاهدين .
قلت : عقد زواج .. وشاهدين ؟
افترضت أنني أعيش حلما ، أو تجربة خارج حدود الذاكرة .. تفحصت عقد الزواج ، وسألت الله أن يكون خاليا من كل تزوير ..
أحيانا لا يجد المرء سببا قويا كي يفهم الأشياء ، لكنه يندمج فيها بشعور أقرب إلى الإيمان..
وهكذا أصبحت علياء زوجتي : بموجب عقد زواج شرعي غير قابل للطعن والتزوير ... بل إن تاريخ العقد يشير إلى أن زواجي تم قبل زواج سلمى والشيخ ...
أي أن سلمى على غير سوء ظني بها ، كانت صادقة فيما وعدت .
أثناء انصرافه من منزلي همس لي الشيخ طه : لا تقلق يا عمر .. سوف تتغير حياتك بعد اليوم تماما .. وسوف تدرك أني كنت لك من الناصحين .
أقام الشيخ طه وسلمى في الدور العلوي ، بينما أقمت مع علياء في الدور السفلي . أما الأبناء فكان لهم حرية التنقل كما يشاءون ، بل لعلهم وجدوا في الوضع الجديد ما يستحق الفضول والاستكشاف ..
كفت سلمى عن التذمر والشكوى .. وانكبت على قراءة القرآن ، ونوافل الصلاة ، والتحليق مع الشيخ طه في عالم من الدفء والإيمان . بل إن ابني الصغير أحمد – في العاشرة من عمره – تأثر كثيرا بالشيخ . وبهذا العالم الآخر الذي كان يسهب في الحديث عنه ، وينسجه كحلم أثيري لا يقاوم .
قال لي أحمد : أتعلم يا أبي ؟ لقد تغيرت أمي .. تغيرت كثيرا ، أصبحت هادئة مطمئنة النفس ، تحمد الله على ما أتاها من نعيم ومحبة وهناء .
تحرص على خدمة الشيخ وراحته ... بل إنها أقلعت عن عادة النوم حتى وقت متأخر ، فأصبحت ترافق الشيخ في نومه وصحوه ورغباته وأمانيه .. بل إنها تقدم له أحيانا رزما من الأموال ، كي ينفقها في سبيل الله .
رزما من المال ؟ قلت أهمس لنفسي .. لكن ما شأني بذلك ؟ ثم إن المال مالها ... لتصنع به ما تشاء .
قطع أحمد حبل أفكاري .. فقال : ما بك يا أبي ؟ قلت لك إن أمي تغيرت .. توقعت أن يسعدك ذلك .
قلت : أتمنى يا أبي أن تدوم سعادتها ... أنا أيضا أشعر بالراحة مع خالتك علياء .
قال أحمد : هل أنت مؤمن يا أبي ؟
--- : طبعا يا ولدي .
---- : لكن الشيخ طه أكثر إيمانا .. إنه ينفق أموال أمي في سبيل الله ، ويشتري لها قصورا في الجنة . يقول بأنه اشترى لها آلاف القصور ..
---- : قلت : وماذا ستفعل أمك بكل هذه القصور ؟
قال : لا أدري .. لكن أمي تتمنى أن تكون لها جميع قصور الجنة .
بدأ الشيطان يوسوس لي .. وافترضت لسبب ما أن الشيخ ربما سيتخلى عن المرأة بعد أن تنضب ثروتها ..
تعوذت من الشيطان عدة مرات ... ولعنت سوء ظني ، واستكبرت أمرا كهذا على الشيخ طه .. بل اعتبرت ذلك نوعا من دفاعات النفس غير الشعورية . فقلت لنفسي : لا تزعم أنك رحيم ب سلمى ، أو أنك حريص على ثروتها ومستقبلها ... لتذهب إلى الجحيم .. هي وأموالها .
اختفى الشيخ طه فجأة .. لكن سلمى تظاهرت بعدم الاكتراث على اعتبار ، أن ظرفا طارئا لا بد أن يكون قد وقع .
لكن بعد مرور عدة أيام ، تغير سلوكها ومشاعرها .. كان ذلك يظهر جليا في نظراتها المضطربة ، وملامحها المنقبضة .. ونبرات صوتها التي تترنح بالعصبية والغضب .
سألتني بنظرة متفحصة تكاد أن تفضح كل الأركان التي أودعتها خباياي : أين الشيخ طه ؟
قلت : خيرا .. ماذا حدث ؟ أتقصدين أنه ...
----- : أنت تعرف ما أقصد .. قلت لك : أين الشيخ ؟
----- : والله لم أختطفه ، ولم أشارك في جريمة قتله إن قتل لا قدر الله .
----- : أيوا أيوا ، استغبي ، دمك خفيف ، ما شاء الله .
استكثرت عليّ أن أعيش بقية حياتي في أمن وطمأنينة وود ووئام .. ماذا فعلت بالشيخ ؟
انصرفت دون أن أجيب .. لكني شعرت بأنها ستحيل حياتي جحيما ، وبأني لن أصمد أمامها طويلا .. وأن من مقتضيات المنطق والرأي السديد أن أتفرغ للبحث عن سيدنا الشيخ .
مضت عدة أيام قبل أن أعثر عليه ... كان يعتكف في مسجد ناء ، وقد تفرغ للعبادة وشئون الدين .
أخبرت الشيخ أن سلمى قلقة بشأنه . وبأنها لن تسكت طويلا إذا تأخر غيابه .
قال الشيخ : أو تظنني أترك سلمى ؟ كلا يا صديقي . لكني الآن معتكف لشهر واحد فقط .. وبعد ذلك أعود .
قلت وهواجسي تشتعل في صدري : لن تكون العواقب سليمة مع امرأة كسلمى .. أرجو أن تتذكر ذلك .
ضحك ضحكة مكتومة خشية أن ينتهك حرمة المسجد .. ثم قال : أعلم ذلك .. لكن حين يتعلق الأمر بالشيخ طه .. فالأمر يختلف ..
هل تعلم يا عمر ؟ زوجتك كاذبة ؟
قلت : تقصد علياء ؟
قال : بل أقصد سلمى .
قلت : سلمى ليست زوجتي ، بل زوجتك .. تذكر ذلك جيدا .. ثم أنت تقول بأنها تكذب .. هل لك أن توضح ؟
--- : ليس الآن .. فيما بعد ..
أخفيت أمر الشيخ عن سلمى .. إلى أن قابلتني ذات صباح على مدخل المنزل .. ابتسمت وهي تنظر نحو الأفق البعيد .. وتجهمت وهي تحدثني ..
ثم قالت بنظرة يغلفها اللؤم : ألا تعلم ؟ رأيت الشيخ .
من عادتي أن أتريث قبل أن أجيبها ، وأحيانا أخرى ألتزم الصمت كي أستمع لها ،، من قبيل آداب الاستماع للحديث .. أو إن شئت : اتقاء هزيمة لا بد أن تحل بي إن قررت النزال .
تابعت حديثها قائلة : رأيت الشيخ ليلة أمس .. كانت رؤيا ، وليس حلما .
رأيته يعتكف في قصر من قصور الجنة .. لكنه عاتب عليّ ..
تنهدت بعمق ، كأنها تزجر لسانها عن متابعة الحديث لأمر ما .. ثم قالت :
سألته كيف نلتقي ، ومتى يعود ؟ فقال : --------------
صمتت فجأة ، لكن فضولي هذه المرة جعلني أسألها : آه . متى يعود ؟
قالت : بعد شهر .
قلت : لن تصدقيني إذا قلت لك إني رأيت ذات الحلم ؟
نظرت في وجهي ، وقد اتسعت حدقة عينها وانفرجت أساريرها : أحقا تقول ؟
----- : قلت لك لن تصدقيني !
----- : سوف أصدقك هذه المرة يا عمر .. ماذا رأيت أيضا ؟
----- : رأيت القصور التي اشتراها لك في الجنة .. كانت كثيرة مترامية الأرجاء .
----- : صدقت ، صدقت يا عمر ؟ وماذا أيضا ؟
----- : رأيت الحور العين يتهافتن على الشيخ .
قالت وقد تقبضت ملامحها من جديد : كذاب .. أنت كذاب .. كذب الزنادقة وإن صدقوا . فأنا رأيت الله عز وجل ، يعرض على الشيخ ما شاء من الحور .. لكنه رفضها جميعا ، وآثرني عليها ، وكنت أميرة قلبه التي ملكت عليه كل الأحاسيس .
----- : أنت لم تمهليني يا سلمى .. فأنا لم أقل لك بأن الشيخ ارتضى الحور العين .. لكنك كعادتك ، سريعة الانفعال ، سامحك الله .
----- : سامحني يا عمر : أنت تعرف سلمى .. وتعرف طيبة قلبي ، رغم زلات اللسان أحيانا .
----- : أجل يا سلمى ، فالشيخ رفض الحور العين ...وآثرك عليها جميعا .
قبل أن نفترق .
عادت سلمى تخاطبني برفق : سوف تبحث عن الشيخ يا عمر ؟ أليس كذلك ؟ ولن أنسى لك هذا الجميل .. لن أنساه أبدا .
---- : توكلي على الله .. لن يطول غيابه بإذن الله .
بعد أسبوع ، التقيت سلمى على مدخل المنزل .. بادرتني بالحديث عن حلم الليلة الماضية .. كانت تتحدث بطمأنينة لا يعتريها شك .
قالت : رأيت الشيخ طه ليلة أمس ، وكنت أنت أيضا معنا .
قلت وأنا أتصنع اللامبالاة : يبدو أن الأحلام أصبحت عالمك المفضل .. لكن الفضول كان يفتك بي .. فأنا أيضا حلمت .. وكان الحلم يجمعني بالشيخ طه ، وسلمى .
قالت : أنت أيضا حلمت ... أتنكر ؟
ماذا تخفي في جيبك ؟
تحسست جيبي فعلقت بيدي ورقة ، وحين نظرت فيها وجدتها صورة ..
صورة تجمع بيننا : الشيخ طه ، وسلمى ، وأنا . ولم تكن الصورة عادية ،
إنها صورة تم التقاطها في حلم الليلة الماضية . وأنا بملابس النوم : تلك التي ارتديتها أول مرة ليلة أمس .
قلت وملامحي المضطربة تفضحني : هذه ورقة ، ما شأنك بها ؟
قالت : كعادتك يا عمر ... لا بد أن تكذب .. تلك ليست ورقة .. بل صورة ..
صورتنا نحن الثلاثة .
قلت : أتقصدين بأن ما حدث ليلة أمس لم يكن حلما .. وأنني كنت مسلوب العقل والإرادة .
----- : كلا ، بل كان حلما .
------ : لكنك لم تخبريني لماذا كان الشيخ غاضبا منك ؟ ولماذا اتهمك ب .....
----- : اتهمني بالكذب .. أليس كذلك ؟
----- : أنا لم أقل ذلك .. لكن الحلم على ما أذكر كان هكذا .
----- : ما عليك ، ما عليك يا عمر .. سيعلم الشيخ الحقيقة ، فأنا لم أكذب عليه ... مجرد أنني أخفيت عنه أمرا دون قصد .. فظن أتني خنت ذكراه ، وآثرت عليه عارضا من عوارض الحياة الفانية .
قالت وهي تهم بالانصراف وتلوح لي بعقد جميل : أتذكر هذا يا عمر ؟
قلت : وهل أنساه ؟ ،،، إنه ..
----- : لا تقل شيئا ، فأنا أعرفه كما تعرفه أنت .... هذا الطوق كان سبب تعاستي .. وكاد أن يحيلني حطاما ..
كنت أفهم تماما ما تقصده سلمى .. فاستأذنت بالانصراف .
عدت إلى الشيخ ، فوجدته معتكفا في ذات المسجد.
لم تتغير نبرات صوته ، ولا إيقاعات ابتسامته ، ولا تلك النظرات التي تكشف خبايا البسطاء .
قلت : ما قصة الحلم الذي عشناه ليلة أمس ؟ ما زلت أحتفظ لك بمكانة خاصة من التقدير والاحترام .. لكن ..
لم أكمل حديثي .. بل ربما شعرت بالتوجس والخشية والخوف .. وكتمت انفعالي في انتظار ما يقول الشيخ .
ضحك كعادته وقال : استغفر الله العظيم .
الحلم يا صديقي حالة عقلية .. تماما كما اليقظة .. والأمر لا يستدعي منك كل هذا الانفعال .
قلت : سبحان الله الذي لا يتغير .. هكذا إذا ، فالحلم حالة عقلية ، وليس أرواحا تسافر وتتنقل ثم تعود إلى منازلها .
قال الشيخ : لن نختلف في تفسير ما تشابه علينا .. إهدأ قليلا ، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم .
قل لي يا عمر : ما الذي جاء بك ؟
قلت : العقد ...
---- : قلت لك سلمى تكذب .. إذ لم تخبرني بأمر العقد .
---- : يا سيدي أنا سأخبرك بأمر العقد ... فأنا قدمته لسلمى أيام الخطوبة ، وطلبت منها أن تحتفظ به .. على سبيل الذكرى فقط .
---- : لكن المرأة المحترمة لا تحتفظ بذكرياتها القديمة ، حين تتزوج من الشيخ طه .
----- : ومن أدراك أنها تحتفظ به على سبيل الذكرى ؟ ربما احتفظت به ، كقيمة مادية فقط .. أو أنها نسيت أمره تماما .
صمت الشيخ .. شعرت بلذة غامضة .. وتمنيت لو أن سلمى احتفظت بالعقد على سبيل الذكرى ..
قال الشيخ : على أي حال ، عليها أن تختار .. إما الشيخ طه .. وإما العقد ..
لم أقل شيئا ، لكني لسبب لا أعلمه تمنيت أن تختار سلمى العقد ،،.. ربما لرغبة غامضة في بعثرة الأشياء وتكسيرها ، وحرق هشيم كاد أن يدفنني ، ويأتي على رماد روحي .
نسيت علياء والأولاد ، فسامحوني .
علياء وجه آخر وامرأة أخرى وعالم آخر .. تؤدي المشاعر الدينية باعتدال ، وتقرأ القرآن إذا سمح الوقت لها بذلك .. وتعتني بزوجها – يعني أنا – وبيتها ، بل إن أبنائي تعودوا عليها بما جعلهم يفسحون لسلمى ، وقتا أطول للنوم والصلاة وقراءة القرآن والصوم والعبادة .. ونسج الأحلام برفقة الشيخ طه في الجنة .
وعلى ذكر العبادة وقراءة القرآن ، لم أفهم لماذا كانت تنعكس على سلمى بآثار سلبية ، وعصبية تناطح الريح ..
كنت أتخيل أحيانا أنها ستفقد عقلها لو لم تنغمس في العبادة .. كأنها تهرب من جنون محتّم .
لم تتدخل علياء في أمر سلمى واختفاء الشيخ .. ولم تلحف عليّ في تقصي الأمر . لكني كنت أشعر بها أحيانا ، خصوصا حين أقف مع سلمى .
كانت تشعر بالخشية والخوف وأحيانا تطبق عيناها بصمت فيه بعض الاستسلام .
قلت لها : يبدو أن رأسك يضطرب بالتوجس وتتنازعه الأفكار !
قالت وهي تبتسم : أبدا .. فقط أنا أفكر في مصير سلمى ، أتمنى أن يعود لها الشيخ طه .. وأن نعيش نحن في أمن وسلام .
قلت وأنا أشعر بإحساس غامض ... إحساس من يثير غيرة امرأة أو يشعر بخوفها عليه : اطمئني يا علياء .. فأنت لي كل النساء .
لم أخبر سلمى حتى الآن بأمر الشيخ .. ولا المسجد الذي يعتكف فيه ..
ولم أخبرها بأنه أصبح على علاقة بريئة بأرملة ثرية ، حيث يقوم على رعايتها ، وتلبية احتياجاتها ، طلبا لمرضاة الله عز وجل ..
كانت الأفكار تختمر في رأسي بما جعلني أفكر في أن أمتطي الأمواج وابتعد عن الشاطيء الهاديء ..
أريد أن أحرق شيئا .. أي شيء .. حتى لو كانت أصابعي .
ماذا يريد الشيخ من العقد ؟ هل يشعر بالغيرة على ذكرى تعتبرها سلمى خارج ناقوس الحياة ؟ هل يريد من سلمى أن تبصق العقد في وجهي كي تؤكد له عشقها وهيامها ؟ وتؤكد لي للمرة الألف بأني لست أكثر من حشرة في أحسن الأحوال ؟
هل يريد أن يلفظ سلمى ... ويتركها في وجهي مرة أخرى نارا لا يهدأ أوارها ؟
لم تهدأ نفسي إلا حين قررت أن أقابل الشيخ مرة أخرى .. فمضيت في سبيلي .
قلت له كمن عزم أن يفجر قنبلة : سأخبر سلمى بمكانك يا شيخ .
قال : دعك من ذلك حتى ينقضي الشهر يا عمر ..
قلت : بل اليوم ... اليوم يا شيخ ..
---- : وما مصلحتك في كل ذلك ؟
----- : ليس لي مصلحة .. مجرد تضامن مع امرأة هرب منها زوجها .
----- : أراك تطلق لحيتك يا عمر !
----- : وماذا في ذلك ... أليست لحيتك تلامس بطنك ما شاء الله !
----- : آه .. فهمت ... هيا يا بطل .. اذهب ، وأخبرها .
عرفت مكان الشيخ .. الشيخ طه يا سلمى : قلت لها .
أحدقت عينها في وجهي .. ثم تراجعت نظراتها كأنها وقعت بين براثن الشك ، وجحيم اليقين .
لم تقل شيئا ، لكنها كانت تنتظر بقية حديثي ..
تعمدت أن أقطع حديثي ، في انتظار رد فعلها .
قالت : أنت لئيم .
----- : وماذا أيضا ؟
----- : أنت تشعل فضولي ، وتحرق أعصابي ... لم أعد أحتمل .
----- : الشيخ طه يتردد على امرأة أرمل ، ويعتكف في مسجد قريب منها .
توقعت أن تصفعني بكلمة نابية .. لكنها صمتت ... صمتت طويلا : ثم قالت : لي طلب عندك .. بل رجاء .
----- : تريدين أن تعرفي مكان الشيخ ؟ يسرني أن أقودك إليه .
----- : سنذهب إلى الشيخ سويا ... أنا وأنت وعلياء .
قلت : كلا ، بل تذهبين أنت وحدك .
---- : قالت : لا تخف ، لا تخف يا عمر .. لا بد أن نذهب ثلاثتنا ... اعتبر ذلك رجاء مني .. من قلب محطم ، وامرأة بائسة .
----- : دعك من علياء يا سلمى .. قضيتك أنت مع الشيخ .. والأفضل أن تكوني وحدك .
----- : لكن قضيتي تحتاج إلى شهادتكما : أنت وعلياء .. وإلا فإنها ستبقى سرا ولغزا غامضا .
----- : يمكنك أن تجدي شاهدين غيرنا ..
----- : أنت رجل نبيل يا عمر ،، لن تخيب أملي بك .
----- : سأذهب معك يا سلمى .. أما علياء ، فلن تذهب .
قالت وهي تحاول أن تتكتم على مشاعرها : اتفقنا .
كانت سلمى تتأبط حقيبة صغيرة .. لا أدري ماذا تخفي داخلها .. ومما زاد حيرتي ، صمتها المطبق ، وملامحها الجامدة ..
كنت أخشى أن تقدم على حماقة ما . وكنت أفكر في طريقة تمنعها من ذلك . ..
أي سر تخفيه سلمى ؟
قلت : عليك أن تتمالكي أعصابك تماما حين تقابلي الشيخ .. وألا ترتكبي أية حماقة ..
قالت : أنا أفكر في شيء واحد فقط . اطمئن : لن ارتكب حماقة ,
قلت لها : فيما تفكرين ؟
ندت عنها تنهيدة طويلة ، ثم قالت : عمر : أنا امرأة محطمة ، محطمة تماما .
دخلنا المسجد : كان الشيخ يعتكف في زاوية نائية .
همسنا له بالسلام فأشار علينا أن نجلس .
كانت سلمى تتفحصه بانكسار ، ثم لا تلبث أن تنقلب ملامحها بما لا يؤذن بالخير .
قال الشيخ : ما بك يا سلمى ؟
أجابت بصوت أجش .. محطم : أنت بنيت لي أحلاما جميلة ساحرة .. وحلما خالدا ، بل حياة خالدة لا تفنى ولا تزول . ثم ...
بالله عليك لماذا اختفيت ، وتخليت عني ؟
قال الشيخ : أنت كاذبة يا سلمى ، وليس الكذب من شيم المؤمن .
قالت وهي تدنو من قدميه : لم أكذب عليك يا طه حين قلت لك إن ثروتي نضبت .. فقط هو العقد الذي تبقى لي .
----- : ولماذا أخفيت أمر العقد عني ؟
----- : أنا ما أحببت قبلك ولا بعدك .. مجرد عقد ، عقد من عمر ، أيام الخطوبة .
صمتت قليلا ثم تابعت : كنت سأعيده إلى عمر ، كي أمحو كل ذكرى تربطني برجل غيرك . وكنت أفكر أحيانا أن أخبرك بأمره كي تتصرف أنت بنفسك .
قال الشيخ : لكن ذلك لا يشفع لك يا سلمى ،، أنت طعنتني ، طعنتني طعنة نجلاء ،
----- : لا تغضب مني أرجوك .. فأنت بنيت لي أحلاما ، إن تهاوت ذهب أمري إلى الأبد ...
دفنت المرأة رأسها في لحية الشيخ وأجهشت بالبكاء . ثم مسحت دموعها ، وفتحت الحقيبة .. ثم تناولت العقد .
قالت وهي تمد العقد لي : كي لا تبقى في نفس الشيخ لائمة ، أو سحابة شك ، هذا عقدك يا عمر ، يعود لك .
وثب الشيخ ونزع العقد من سلمى ، وقال بنيرة قوية قاطعة : كلا .. العقد ليس من حق عمر ..
أنت امرأة مجنونة .. أنهكها الخبل .. أنا لا أشك فيك ، ولا في محبة جمعتنا في رحاب الإيمان وحب الله ..
هذا العقد .. سننفقه يا سلمى : ننفقه في سبيل الله .. ونشتري به قصرا في الجنة..
قالت سلمى وهي تقبل قدمي الشيخ : كما تشاء .. كما تشاء يا حبيبي .
خرجت من المسجد دون أن يشعرا بي .. فقابلت علياء على مدخل المسجد .. قلت لها : ماذا تفعلين هنا ؟
قالت : أخبرني .. ماذا حدث ؟ هل اصطلح أمرهما ؟
قلت : أجل .. أجل يا علياء .. هيا بنا ..
قالت وكأنها شعرت بي : إلى أين ؟
قلت : سنرحل ... سنرحل إلى منزل آخر .. بعيدا عن الشيخ ، وسلمى .
---- : كيف ؟ الأثاث والأطفال .. و .... ماذا نفعل بكل ذلك .
---- : أتركي ذلك فيما بعد .. هيا بنا ..
في أقصى المدينة ، وجدنا منزلا متواضعا .. قلت لها : سنقيم في هذا المنزل .
قالت وهي تنظر نحو البعيد : هذا المنزل بعيدا عن المساجد ..
قلت : قررت أن تكون صلاتي في البيت ... أليست صلاة البيت جائزة ؟
قالت : لكن صلاة المسجد ب : سبعة وعشرين صلاة .. فاتق الله يا رجل .
---- : لكني لا أريد سبعة وعشرين قصرا في الجنة .. بل لا أريد حتى قصرا واحدا ... مجرد كوخ في أطراف الجنة يكفيني .
قالت : والحور العين ؟ كيف تفوز بالحور العين ؟
قلت بنبرة واثقة تفيض دفئا وطمأنينة : سأفوز بك ....
أما الحور العين ، فإنها ليست لعبتي ... ولذلك :
سأتركها ... لآخرين
دمتم في حفظ الرحمن