[size=4ا
اليوم الثالث
متاهة في الصحراء
التاسع والعشرون من مارس
الساعة السادسة والنصف صباحاً
استيقظت من النوم، كانت درجة الحرارة تسع درجات مئوية، والبئر في هذه المنطقة ليست كالبئر في عشيرة أو الجعرانة، إذ لا يوجد حولها جدار، فهي لا تخرج عن كونها حفرة بسيطة، ولاشيء غير ذلك، والماء المستخرج منها طعمه مالح، وهناك بئر أخرى، لكن لا يوجد فيها ماء، ربما أنها جفت، لا أحد يعرف السبب.
الساعة الثامنة والربع
غادرنا المكان والطريق الذي سارت عليه السيارات صار رخواً، وطبقا لما قاله شاكر السائق:
أمطرت السماء مرتين خلال شهر شعبان ورمضان، وبدت هذه المنطقة بعد هطول الأمطار كأنها بحر واسع، لذا لا تزال بقع الماء تنتشر هنا وهناك، والأمر بالنسبة للسيارات كان صعبا. لأن العجلات كانت تغوص أحيانا في الرمال، نتيجة لليونة التربة، وكان هذا يحدث كل خمس دقائق أو ست، بينما كانت السرعة نحو 30 أو 40 كيلاً في الساعة.
بعد ساعة تقريبا عبرنا هذه المنطقة الصعبة بسلام، ولكن فجأة تحرك السائق تجاهنا، وقال لنا شيئا عجيباً، قال إنه يشعر بأنه لا يمضي في الطريق المعهود، وبالنسبة لنا أيضاً كان الأمر عجيبا، لأننا لم نلاحظ أي أثر لعجلات سيارات، أو أي أثر لأحد يكون قد مضى من هنا، كانت معنا بوصلة، لكنها لم تنفعنا بشيء، وحتى الخريطة الجيدة التي أحضرناها معنا من القاهرة - وطبعت في إنجلترا- لم تكن لها فائدة، فلم نكن نعرف في أي مكان نحن وسط صحراء الجزيرة العربية، لقد ضللنا الطريق بكل تأكيد!!
تحاورنا وتناقشنا مدة خمس دقائق أو أكثر عما يجب أن نفعله: إذا اتجهنا شرقا مرة بعد مرة ربما وصلنا إلى الرياض، أو إلى أية قرية في الطريق إلى الرياض، ويمكن أن نسأل أحداً هناك، وحتى هذا الأمر لم يكن مؤكدا لنا، ولحسن الحظ لم تكن الحرارة مرتفعة، وكان النسيم يهب عليلاً، ولكني أعتقد أن هذا الجو اللطيف لم يستمر إلا يوما واحدا فقط.
وحينما كنا في حوار ومناقشة كان المهندس ميتسوتشي مشغولاً بفحص الرمال والصخور، وكان شاكر السائق يبحث وينظر هنا وهناك، يستطلع الطريق الصحيح، وإذا به يصيح فجأة: يا أخي ! يا أخي! ونظرنا فشاهدنا من بعد رجلين يتجهان نحونا، اعتقدنا أنهما جن من الصحراء، أو أنهما اثنان من قطاع الطرق، فشعرنا بالخوف الشديد.
قدما إلينا، وهما يمشيان الهوينى.. وأدركنا أنهما من رعاة الغنم، فقد كانا يرتديان (المشلح)، وعرفنا من مظهرهما أنهما من الرعاة الأثرياء، لأن الرعاة العاديين يلبسون عادة ملابس صنعت من فرو الغنم، تعاملا معنا بود، وتحدث شاكر معهما بلهجة نجدية، لكنهما لم يتكلما كثيرا، أو ربما كان يتكلمان بلهجة مختلفة، ذكر لنا أن الطريق إلى الرياض من جهة الشمال، وأن الطريق الذي نسلكه الآن يؤدي إلى الجنوب.
سألناهما أين يعيشان؟ فأشارا نحو الجنوب، فرأينا قرابة ثلاثين جملاً، وقال: لديهما المزيد من الجمال، وشكرناهما على مساعدتهما إيانا، وتابعنا رحلتنا ثانية بسرعة 80 أو 90 كيلاً في الساعة، كانت المنطقة سهلة منبسطة يسهل على العربات اجتيازها، فمضينا في الطريق مسرعين.
خيال السحاب الأسود وبحيرة الأحلام
بعد ثلاثين دقيقة أمكننا مشاهدة ثلاث عربات تتحرك، وبعدها بلحظات قليلة رأينا سحابا أسود يبدو في جزء بسيط من الأفق، وحين اقتربنا منه أدركنا أنه ليس بسحاب بل صخرة صغيرة، وما جعلنا نظن أنه كذلك، هي تلك الصخور التي يقال لها "حرة" والتي سبق ذكرها.
الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً
شاهدنا أمامنا بحيرة كبيرة من الماء، ومضينا نحاول الوصول إليها، أو الاقتراب منها، إلا أننا أدركنا أننا نمضي خلف سراب خادع، السراب المعروف في الصحراء، السراب الذي يخدع من يمضي وسط الصحراء، كانت هذه أول مرة بالنسبة لي أخوض هذه التجربة، أي المضي خلف السراب. والأمر الآن يختلف عن ذي قبل، فنحن نسير بالسيارة، تلك الآلة التي صنعتها يد الحضارة، وحين شاهدنا هذا السراب، أمكننا في الحال أن ندرك أن ما نراه ليس بحيرة ماء، بل هو سراب، لأن السيارة بسرعتها تجعلنا ندرك الزمن سريعا، لكن إذا كنا نسافر في الزمن القديم على البعير حاملين قربة ماء وتمراً، ومضينا تحت أشعة الشمس المحرقة؛ ورأينا هذا السراب فهل يا ترى كنا نظن أنه فعلاً سراب؟! ربما كنا سنمضي ونمضي تجاه هذه البحيرة الخيالية بحيرة الأحلام. التي مهما حاول المسافر الوصول إليها فلن يصل أبداً، لأن ما يشاهده ليس إلا السراب، وعندئذ ستنتابه مشاعر الحزن والغم والبؤس. ويمكنني الآن أن أتخيل قسوة الحياة التي عاشها العرب. ونحن الآن في حاجة إلى قوة نفسية، وقوة جسدية، وقوة ذهنية، وسط هذه الصحراء.
الصحراء العربية (عفيف)
الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً
بعد تجربة هذا السراب الخادع، وصلنا إلى عفيف، وبسبب هذا الجو الممطر كنا نرى حشائش خضراء منتشرة من حولنا، وشاهدنا في وسط هذه المنطقة خمسة رجال أو ستة من البدو، يسقون عشرين أو ثلاثين رأساً من الغنم، في ذلك المكان الذي يقع على بعد 25 كيلاً من الدفينة، وقد قضى "داوتي" هنا ليلة مع رجال القوافل العربية، وكتب في كتابه (الجزيرة العربية) تفصيل ذلك، والحقيقة أن معلوماته مهمة للتعرف على كيفية حياة العرب في تلك الأيام، ولا أريد أن أنقل هنا كل ما كتب، ولكن سأكتفي بذكر السطور التالية:
"وصلنا عفيف قبل غروب الشمس بساعتين، وكانت هناك بئر محاطة بأحجار بركانية (من صخور الحرار)، تتسابق القوافل في الوصول إلى هذه البئر بأسرع ما يمكن، وحين وصلنا إلى هناك رأينا قافلة تحيط بها، وكان رجالها منهمكين في سحب الماء (بالحبال والمحال)، ولديهم عدد كبير من الجمال تريد أن ترتوي، لهذا كان رجال القافلة مشغولين بعملهم، وحول هذه البئر كانت الأرض صلبة وملساء، يتزحلق الإنسان من فوقها، وحركة رجال القافلة صعبة وخطرة، وفجأة تزحلق أحد الرجال وسقط في البئر، وأسرع إليه رفاقه وأنقذوه، والعرب متعاونون تماما في مثل هذه الظروف، وهم منذ الصغر يعرفون كيف يردون الآبار، وكيف ينزلون إلى البئر، وكيف يتعاملون معها، والرجل الذي أنقذ تحطم عموده الفقري، وقبل أن ترحل القافلة كان قد لقي حتفه، ثم وردت قافلة أخرى بعد مغادرة القافلة الأولى، قضت ما يقرب من ثلاث ساعات لسقي جمالها، والتزود بما يلزمها من ماء.
وقد رأيت آثار وجود الإنسان في هذه المنطقة من خلال بقايا النيران التي تركته قبيلة قديمة اشتهرت بصيد الغزلان، ورأيت بقايا عظام الغزلان، وتعجبت، كيف كان هؤلاء الصيادون يصيدون الغزلان هنا، ومن خلال مناظر الطبيعة في هذا المكان يبدو عدم وجود شيء على الإطلاق.. فكيف كان هذا يحدث، حتى بالنسبة للعرب؟ هذا أمر غريب! ثم جاءت القافلة التالية، وشاهدت الناس يشربون الماء والمريس وذلك قبل ساعتين من غروب الشمس، على أنهم لن يشربوا شيئا بعد ذلك في الطريق، ولن يتناولوا أي شيء خلال سفرهم. أريد أن أجرب هذا، لكنني بطبيعة الحال لن أستطيع!
وفي الصحراء لا يمكن أن تطلب الماء من جماعة أخرى. وذات مرة طلبت الماء من رجل من الحضر، طلبت منه أن يعطيني كوبا من الماء، مع أنني عالجت زوجته حين مرضت، إلا أنها حين رأت وجهي أبعدت قربة الماء، كما لو كان الأمر عجيبا بالنسبة لها، وحاولت مرة بعد مرة أن أطلب الماء، وأخيرا وفي النهاية أعطتني قليلا من الماء. والناس هنا لا يهتمون بالآخرين. هذه هي التقاليد هنا: كل في حال شأنه.
وأقل درجة حرارة هنا هي 72 درجة فهرنهيتية، ودرجة حرارة ماء البئر 79 درجة فهرنهيتية، بينما الارتفاع عن سطح البحر 4600 ياردة.
وعفيف محاطة بهضاب من صخور الحرة، وكثير من أشجار السلم التي شاهدت مثلها في سورية، والجو حار جدا، فرجال القوافل العربية كانوا يشتكون من حرارة الشمس ".
بعد أن أخذنا قسطا من الراحة بدأنا التحرك نحو القاعية، وهي تبعد عن مكاننا الآن بحوالي 80 كيلاً، كان الطريق سهلاً منبسطا، لكن المنظر من حولنا يتغير ويتجدد، ولهذا لم نكن نشعر بالملل.
وفي الطريق رأينا ثلاثة من البدو، فتحدثنا معهم، وقالوا لنا: إن الأمطار هذا العام هطلت بغزارة، وهذا خير كثير، كان معهم كلب، ربما كلب حراسة، وهو كلب صحراوي لونه مثل لون رمال الصحراء، ويبدو سريع الحركة، ينطلق كالسهم، وكان الثلاثة يرتدون المشالح التي تدل على مدى ثرائهم.
وشاهدنا في طريقنا بقايا جمال نفقت في الصحراء، كان أحدها قد نفق حديثا.
إذ كان جسمه لا يزال في مرحلة التحلل، بينما كان جمل آخر قد تحلل تماما، ولم يبق من جسده غير الهيكل العظمي، وحين شاهدناها شعرنا في البداية بالأسى والحزن على هذه الجمال، ولكن- وبعد أن تعودنا رؤية هذا المشهد- لم يعد ينتابنا الشعور السابق تجاهها.
القاعية
الساعة الثانية وعشر دقائق بعد الظهر
وصلنا إلى القاعية، لم يكن لدينا وقت لضرب الخيام، فجلسنا بجانب الشاحنة، وفرشنا السجادة على الأرض، وتناولنا طعام الغداء، كان الطعام كسابقه، لكن أضيف إليه (مانجو) من علب محفوظة، وكانت المانجو لذيذة جداً، ونحن الآن على ارتفاع 850 متراً من سطح البحر، ودرجة الحرارة 28 درجة مئوية، وكنا على بعد مائة متر من البئر، حيث لم نر أي بدوي حولها، وشاهدنا القمح البري، وأشجار "الطلح "، والحنظل، وحشرات منها: نمل كبير الحجم، وقنفذ، وشاهدنا أشجارا ونباتات عديدة متنوعة.
بعد تناول الطعام أردت الذهاب لقضاء الحاجة، ووجدت لهذا الغرض فجوة نصف قطرها حوالي 15 مترا وعمقها 3 أمتار، ولا يبدو أن يد إنسان قد حفرتها، وذكر المهندس ميتسوتشي أنها نتجت عن عوامل التعرية في المنطقة.
غادرنا المكان في الساعة الثالثة والثلث، قاصدين "درب الحج في الوشم " ومضينا في طريقنا، حيث كنا- طبقا للبوصلة التي معنا- في منطقة تقع شمالاً بـ 24.5 درجة، وشرقا بـ 34 درجة، وكنا قد قطعنا مسافة ستمائة كيل من جدة. وانطلقنا في طريقنا بسرعة وصلت أحيانا إلى مائة كيل في الساعة.
هضبة صخرية غريبة
كان المهندس ميتسوتشي يوقف السيارة أحيانا ليجري بعض الأبحاث الجيولوجية على صخور المنطقة، وبدأنا نشاهد أشكالاً غريبة من الصخور والهضاب التي نمر بها، فأحيانا تأخذ هذه الصخور شكل الأهرامات، وأحيانا شكل أبي الهول، وأحيانا تكون مثل الخنافس أو البقر أو النمور، ولهذا لم نشعر بالملل أبدا طوال هذا الطريق، كل هذه التشكيلات تمت بطبيعة الحال بمرور أزمان عديدة، نتيجة لعوامل التعرية المختلفة في الصحراء، فكأن الصحراء أمامنا تحولت إلى متحف للتماثيل الرائعة.
وبعد فترة اختفت الصخور والأعشاب الخضراء، وتحول المنظر من حولنا إلى مشهد لمساحات شاسعة بنية اللون، وبعد ذلك بقليل رأينا عمودين ارتفاعهما متران، وبينهما مسافة أربعين مترا، وحين اقتربنا منهما عرفنا أنهما من صنع الإنسان، وأنهما علامة على الطريق، وكما يقول عبد السلام عن هذين العمودين: هما علامة تدل على حدود الرياض، وعلى أن الطريق الرئيس هنا يؤدي إلى الرياض.
شيد العمودان بالإسمنت الخرساني، ولا توجد عليهما أي كتابة تشير إلى شيء، كما لا يوجد شيء من زخرفة، ولكن في مثل هذه الصحراء حين شاهدنا هذا الشيء الذي صنعه الإنسان، فإنه كان لنا بمثابة متنفس ومدعاة للراحة النفسية.
وبعد عشرة أكيال من هذه النقطة شاهدنا عمودا على شكل مثلث مكتوبا على إحدى جهاته: الرياض، وكتب عليه من الجهة الأخرى: عنيزة وبريدة.
وقد أقيم هذا العمود في عهد الملك عبدالعزيز.

حفل شاي في وادي الدوادمي
الساعة السادسة مساء
في الطريق رأينا جبل (كبشان)، ثم وصلنا إلى الدوادمي، وكانت الشمس قد غربت إلا أن الشفق الأحمر لا يزال ماثلا في الأفق، وبدأت درجة الحرارة تنخفض تدريجياً، وحين نزلنا من السيارة شعرنا بالبرودة، ووصلت الشاحنة التي تقل مرافقينا العرب في أعقابنا، وبدأوا فورا يضربون الخيام، ويعدون الطعام.
قال عبد السلام: كان علينا أن نستريح في مكان يلي هذا المكان بمائة كيل، ولكننا الليلة سنستريح هنا، وغدا في المساء سوف نستريح في الجبيلة التي تقع على بعد خمسين أو ستين كيلاً من الرياض، وصباح بعد الغد سوف نصل إلى الرياض، وقد أخذ عبد السلام رأينا في هذا البرنامج، فوافقناه فيما رأى.
كان المكان الذي ضربت فيه الخيام على بعد ثلاثمائة متر من استراحة الملك، والاستراحة قصر على شكل مبنى مربع، كل ضلع فيه حوالي 200 متر، والبناء من الطين واللبن، وفي كل ركن من أركانه الأربعة برج للمراقبة، ويضم القصر غرفا مبنية من الطين، وكلها على شكل مربع، اعتقدنا في البداية أن هذه قرية الدوادمي، لكن القرية كانت على بعد كيلين أو ثلاثة من هذا الموقع، وهي محاطة بأشجار النخيل، ونحن هنا خارج نطاق القرية.
شاهدنا قصر الملك في جدة، وفي الرياض فيما بعد، وكان كل قصر يقع خارج العمران، وكل القصور- ماعدا قصر جدة- مشيدة بالطين واللبن، مثلها مثل بيوت الناس العاديين،
والنوافذ والمداخل كانت قليلة جداً، ولا بد أن يفهم أن هذا أمر عام، وحول النوافذ خشب أبيض، مما يعطي شكلاً جمالياً، وتناسقا بين النوافذ والجدران المبنية من الطين واللبن. وهذا النوع من الفن المعماري، أو الزخرفة المعمارية كان مقصوراً على الملك والأسرة المالكة والأسر الثرية، وبالقرب من السقف نصب "ميزاب " ينساب منه الماء عندما يهطل المطر. وغربت الشمس، وعم الظلام، لا شيء يظهر إلا نور مصابيح القصر.

وذكر لنا عبد السلام أن للقرية أميراً كان المفروض أن يستقبلنا، إلا أننا وصلنا وقت صلاة المغرب تماماً، وهذا وقت ذهاب الأمير للصلاة في المسجد، وبعد انقضاء الصلاة سوف يأتي للترحيب بنا. وقال أيضاً: "إن في القصر جهازا لاسلكياً صغيراً، لإرسال البرقيات، وطبقا للتقاليد المتبعة يمكنكم أن ترسلوا برقية للملك لاطلاعه وإخباره بوجودكم، ووصولكم بأمان، شاكرين له ذلك، وتخبرونه بوقت وصولكم في يوم الجمعة" وهكذا قررنا إرسال برقية إلى الملك.
دخلنا القصر إلى غرفة جهاز اللاسلكي، كان هناك رجلان، أحدهما هو المسؤول عنه. رحب بنا بحرارة، والآخر يعمل على الآلة التي صنعها "ماركوني "..
أراد الوزير المفوض الياباني يوكوياما أن يرسل برقية إلى القاهرة أيضاً، إلا أن البرقية سوف ترسل أولاً إلى الرياض، ومنها إلى القاهرة. فالجهاز هنا ضعيف، ويستخدمونه عادة للاتصالات المحلية، ويبدو أن الرجل المسؤول عن جهاز اللاسلكي سوري، بينما الآخر الذي يعمل على الآلة سعودي من نجد، كلاهما هادئ ومهذب جداً، قام النجدي بإرسال البرقية إلى الملك، أرسلها بسرعة، لأنها كانت باللغة العربية، أما برقية الوزير يوكوياما فكانت بالإنجليزية، لذا قام الرجل المسؤول عن اللاسلكي بإرسالها.
وبعد أن انتهينا من إرسال البرقيتين قال المسؤول عن السيارات التي تقلنا: إنه يريد أن يدعونا لتناول الشاي، فذهبت مع الوزير.
كانت مساحة الغرفة المعدة لتناول الشاي في القصر في الطابق الثاني حوالي 20 متراً مربعاً، كان الجدار مطليا باللون الأبيض، بينما كان السقف عاليا جداً، وفرشت أرضية الغرفة بفرش بدا أنه مصنوع من الريش!! ووضعت وسائد يتكئ عليها الزائر وهو جالس.
كان في الغرفة ثمانية رجال من العرب، يرتدون المشالح، وجلسنا جلسة عربية على فرش الغرفة، وبجوار الوزير جلس مضيفنا المسؤول عن النقل، وجلس بجواري عبد السلام، وجلس بجوار عبد السلام شيخ يبلغ من العمر حوالي الستين عاما، ربما يكون شيخ هذه القرية، ثم بقية الضيوف، رحب بنا مضيفنا ثم بدءوا في تقديم القهوة، ثم الشاي بالنعناع والقرفة، شربنا في أكواب من الزجاج، ثم قدموا لنا حليب الماعز، وهو الحليب الذي تشتهر به هذه المنطقة، ويتم غلي الحليب، مضافة إليه كمية كبيرة من السكر، ويظل يغلي فترة طويلة.
فرغنا من شرب الحليب الذي كانت تنبعث منه رائحة ما، ربما تكون رائحة الماعز. وذكروا لنا أن شرب الحليب قبل تناول الطعام مفيد للصحة. ثم أعادوا علينا الشيء نفسه مرة بعد مرة: القهوة ثم الشاي ثم الحليب. في تلك الأثناء تحدثنا عن أمور كثيرة مع المسؤول عن النقل، ومع بقية الضيوف، ومن خلال طريقة حديثهم شعرت أنهم كانوا يهتمون تماماً بكل كلمة تصدر عنهم، ربما لأن هذه أول مرة يتحدثون فيها مع أجانب، وربما كان لديهم نوع من الحذر، لكن بعد مدة تغيرت طريقة حديثهم، وصاروا أكثر ألفة، أخذوا يسألوننا أسئلة شخصية كثيرة، وانبرى أحدهم يتحدث عن نفسه وعن تجاربه، تحدثنا معا عن تقاليدنا في اليابان، وعن الدين، وعن الصيد في الصحراء، والبترول في الأحساء والدمام، وعن الملك. كانوا يوجهون لنا أحيانا الأسئلة مباشرة، وأحيانا كانوا يسألوننا عن طريق عبد السلام.
كانوا يسألون بطريقة مهذبة جداً، قال أحدهم: إنه سافر إلى منطقة الأحساء، ويبدو أنه تاجر، ثم أردف قائلاً: إنه رأى عيون الماء المعدنية تنساب في جدول. وكنت أنا والمهندس ميتسوتشي قد خططنا لزيارة الأحساء والبحرين والكويت بعد زيارة الرياض، فبدت قصة الرجل عن المياه المعدنية مشوقة لنا، وكذلك بدا حديثه عن آبار البترول مشوقاً.
ذكروا لنا: أن عدد سكان القرية حوالي 300 نسمة، وفيها 120 بئر ماء. وبعد ساعة انتهى حفل العشاء.
الساعة الثامنة
جاء الأمير سعد الفيصل لتحيتنا، كان مظهره يدل على قوة جسمه وجده، وأنه لا يهاب شيئا، وبدا أمامنا بدوياً أصيلاً. كأنه في الخمسين من عمره، وذكرني مظهره هذا بسفير المملكة العربية السعودية في القاهرة الشيخ فوزان السابق.
حيانا الأمير باحترام، وتحدث بلهجته النجدية، ونقل عبد السلام ما قاله إلى الفصحى.
الساعة التاسعة إلا الربع
غادرنا القصر إلى الخيام، حيث تناولنا طعام العشاء، كان الطعام كالمعتاد. إلا أن الفاكهة الطازجة انتهت، وحلت محلها الفاكهة المعلبة.
ومن الدفينة إلى هذا المكان قطعنا 313 كيلاً، ومن القاعية 106 أكيال. كان الجو مظلما، ولكن كان من الممكن أن نشاهد نور القصر، ولا شيء غير ذلك.[/size]