الغيبة من آفات اللسان
قـــرأت و قطفــت بتصــرف ، لعل الله ينفع بــحروفي
( المرءُ – يا عبادَ اللهِ - بأصغَرَيه : قلبِهِ و لسانِه [ كما قال عمرو بن معد يكرُب ]
و على صلاحهما و فسادهما يكون صلاح الإنسان أو فساده ،
روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أنّه قال : ( من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة ) .
و قال عليه الصلاة و السلام لمعاذ بن جبل : ( و هل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) [ رواه الترمذي ، و قال : هذا حديث حسن صحيح ] .
و قد أحسن من قال في التحذير من آفات اللسان :
اِحفَظ لسانَكَ أيُّهـا الإنسـانُ *** لا يَلـدغَنَّـكَ إنَّـه ثُعبـانُ
كم في المقابِرِ من لديغِ لِسانِه *** كانت تهـابُ نِزالَهُ الشُجعانُ
عبادَ الله !
آفات اللسان كثيرة ، و مدارُها جميعاً على الاسترسال في القيل و القال ، و بَسطِ الكلام ،
و إرسال المقال ، و هذه آفةٌ مُوبِقةٌ ، حذَّر منها خير الخلق صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن الله يرضى لكم ثلاثاً و يكره لكم ثلاثاً فيرضى لكم أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئاً و أن تعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا و يكره لكم قيل و قال ، و كثرة السؤال ، و إضاعة المال ) .
و من أشنَع آفات اللسان الاستطالة في أعراض المؤمنين بغير حقٍّ ، و مَن عَرَفَ حقيقة الإسلام و مبادِئه وَقَفَ على نكيره على من استطال في عرض أخيه المسلم ، فأوسعه استنكاراً ، و توعَّدَه ناراً…
قال تعالى : ( وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَ إِثْمًا مُبِينًا ) [ الأحزاب : 58 ] .
روى الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية عن قتادة قوله : ( فإياكم و أذى المؤمن , فإن الله يحوطُه , و يغضب له . و قوله : " فقد احتملوا بهتاناً و إثماً مبيناً " يقول : فقد احتملوا زوراً و كذباً و فِريةًَ شنيعةً ; و البهتان : أفحش الكذب ، و " إثماً مبيناً " يقول : و إثما يبين لسامعه أنه إثم و زور .اهـ .
و قال سبحانه و تعالى : ( وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رحيمٌ ) [ الحجرات : 12 ] .
و روى مسلم و الترمذي و أبو داود و أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ؟ ) قَالُوا : اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ( ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ) قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ ، وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ) .
و في الإحياء أن الحسن رحمه الله قال : ( ذِكرُ الغير ثلاثة : الغيبة ، و البهتان ، و الإفك ، و كلٌ في كتاب الله عز و جل ؛ فالغيبة أن تقول ما فيه ، و البهتان أن تقول ما ليس فيه ، و الإفك أن تقول ما بلغك ) .
و روى الشيخان عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله قال في خطبة حجة الوداع : ( إنّ دماءكم و أموالكم و أعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا هل بَلَّغت ) .
و صحّ أيضاً قوله عليه الصلاة و السلام : ( إن أربى الربا استطالة الرجل في عِرْض أخيه ) [ الصحيحة : 1433 ] .
و ليت شعري ، أيُّ استطالة في عرض المسلم أشنع ، من أن يُذْكر بما يكره في غَيْبته فَيُحَطّ من قدره ، و يُنْقَص من شأنه ؟!
لقد حرم الإسلام الغيبة ، و ما كان تحريمها عبثاًً في دين قدَّم دَرْء المفاسد على جلب المصالح ، و جعل التخلية أولى من التحلية ؛ بل حُرِّمت بعد أن ثبت لذوي الألباب كونها ذريعة إلى تفكيك المجتمع ، و تمزيق شمله ، و حَلِّ عُراه .
فبالغيبة تنتعش الأحقاد ، و على مائدتها تتوالد الخصومات ، و من أفواه لائكيها تتطاير الجراثيم
و تنتشر الأَرَضة ، و تتسلط على جسد الأمة فتنخره و تُحيله كعصفٍ مأكول ٍ.
و داءٌ كداء الغيبة ، لا يُنجعه دواء ، و لا يُدْرِكُ صاحبَه شفاء ، الأمر الذي من أجله انعقد الإجماع على استئصاله من جذوره و اقتلاعه من عروشه ، فكان الحُكم الفصل تحريمَ الغيبة إجماعاً كما حُرِّمَتْ كتاباً و سنةًً ، و حكى الإجماعَ على تحريمها أئمّة أعلام كابن حزم و النووي و ابن حجر و الغزالي و القرطبي و غيرهم ، و لم يرخّصوا في شيءٍ منها سوى ستّة صُوَرٍ مستثناةٍ من التحريم للحاجة إليها في جلب المصالح و درء المفاسد ، و قد أحسَن من نظَمَها في قوله :
القدْحُ ليس بغيبة في ستة *** مـتظلمٍ و معرف و محذر
و مجاهرٍ فسقاً و مستفتٍ ومن *** طلب الإعانة في إزالة مُنكرٍ
عبادَ الله !
من آفات الألسُن أيضاً تتبّع زلاّت العلماء ، و التذرّع بها إلى الطعن في بعضهم ، و النيل من آخرين ، و اتّخاذُهم عَرَضاً ، بدعوى أنّ ذلك من النصيحة لله و لرسوله ، و من الذبّ عن شريعته الغراء المطهّرة .
رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله : ( ويلٌ للأتباع من عثرات العالِم ) . قيل : و كيف ذاك ؟ قال : ( يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله فيترك قوله ذلك ، ثم يمضي الاتباع ) [ الموافقات ، للشاطبي : 3 / 318 و الفتاوى الكبرى ، لابن تيميّة : 6 / 96 ] . و عنه رضي الله عنه ، أنّه قال : ( ويلٌ للعالم من الأتباع ) ؛ أي لما يتابعونه فيه و يتناقلونه عنه من الزلات .
و مِن آفات اللسان إساءةُ الأتباع إلى العلماء بإشاعة أقوالهم في أقرانهم ، مع أنّ المقرّر عند أهل العلم أنَّ كَلامَ الأَقْرَانِ يُطْوَى وَ لاَ يُرْوَى كما قال الإمام الذهبي رحمه الله [ في السير : 5 / 275 ] .
و ما أجمل قول الإمام السبكي رحمه الله : ( ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين ، و أن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض ، إلا ببرهان واضح ، ثم إن قدرت على التأويل و تحسين الظن فدونك و إلا فأضرب صفحاً عما جرى بينهم ، فإنك لم تخلق لهذا ، فاشتغل بما يعنيك و دع مالا يعنيك ) [ طبقات الشافعية : 2 / 39 ] .
فليتّق الله أقوام مثلهم كمَثَل الذباب لا يقعون إلا على الجِراح كما جاء في وصف
شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله بعضَ من عاشوا في زمنه .
يا ناطـحَ الجبـلِ العالي لتَكْلِمَـهُ *** أشفِق على الرأسِ لا تُشفِق على الجَبَلِ
روى مسلم و الترمذي و أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ ) قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ و لا مَتَاعَ ، فَقَالَ : ( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَ صِيَامٍ وَ زَكَاةٍ وَ يَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَ قَذَفَ هَذَا ، وَ أَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَ سَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَ ضَرَبَ هَذَا ؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْه ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار .
عباد الله !
إنّ لما ذكرناه و ما لم نذكره من آفات اللسان مرتعٌ خصبٌ في حياةٍ ملؤها الفراغ و الدعة ،
كحياة الكثيرين منّا ؛ إذْ كُفلتْ أقواتُهم ، و ما ضُبِطَت أقوالُهم ،
فاستشرَت آفاتُ ألسنتهم عن علمٍ تارةً ، و عن جهالةٍ تاراتٍ أُخَر .
إنَّ الفراغ و الشبابَ و الجِدة ** مفسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفسدة
فاتقوا الله ياعباد الله ، و اشغلوا أوقاتكم و عطّروا مجالسكم بما يرضي الله ، و يكفُّ عن الوقوع في محارمه ، و اعلموا أنّ الحرام للبركة مُمحِقة ، و أن المعاصي لأسباب السعادة مُسحقة ، و الندامة بمقترفها لاحقة .
وفّقني الله و إيّاكم لخيرَيْ القول و العمَل ، و عصمنا من الضلالة و الزلل
و صلّى الله و سلّم و بارك على نبيّّّه محمّد و آله و صحبه أجمعين )