اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > المنتديات الـعامــه > :: المنتدى الاسلامـــي ::

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18-04-2007, 01:23 PM
آل خضير آل خضير غير متواجد حالياً
 عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 28
Exclamation ترجمة لشيخ الإسلام إبن تيمية

:


هو الشيخ الإمام الرباني ، إمام الأئمة ، ومفتي الأمة ، وبحر العلوم ، سيد الحفاظ وفارس المعاني والألفاظ ، فريد عصره ، وقريع الدهر ، شيخ الإسلام بركة الأنام وعلامة الزمان ، وترجمان القرآن ، علم الزهاد وأوحد العباد ، قامع المبتدعين ، وآخر المجتهدين ، تقي الدين أبو العباس :

أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين ، أبي المحاسن عبدالحليم ، ابن الشيخ الإمام العلامة ، شيخ الإسلام ، مجد الدين أبي البركات بن علي ابن عبدالله بن تيمية الحراني نزيل دمشق ، وصاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها .

ولد شيخنا بحران يوم الإثنين عاشر ــ وقيل ثاني عشر ــ شهر ربيع الأول ( 661هـ ) إحدى وستين وستمائة ، وسافر به والده وبإخوانه إلى الشام عن جَور التتار ، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة ، لعدم الدواب ، فكاد العدو يلحقهم ، فوقفت العجلة فابتهلوا لله واستغاثوا به فنجوا وسلموا .

قدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين وستمائة ، فسمعوا من الشيخ زين الدين أحمد بن عبدالدائم بن نعمة المقدسي جزء بن عرفة كله ، ثم سمع شيخنا الكثير من ابن أبي اليسر والكمال بن عبد ، والمجد بن عساكر وأصحاب الخشوعي ، وجماعة .

وسمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات .

وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء ، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير .

وعنى بالحديث وقرأ ونسخ ، وتعلم الخط والحساب في المكتب ، وحفظ القرآن وأقبل على الفقه وقرأ العربية على ابن عبدالقوي ثم فهمها وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو ، وأقبل على التفسير إقبالا كليا ، حتى حاز فيه قصب السبق ، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك .

هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة .

فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه ، وسيلان ذهنه ، وقوة حافظته ، وسرعة إدراكه .


:

نشأ رحمه الله في تصون تام وعفاف وتألُّه وتعبد ، واقتصاد في الملبس والمأكل وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره ، ويناظر ويفحم الكبار ، ويأتي بما يتحير منه اعيان البلد في العلم .

فأفتى وله تسع عشرة سنة ، بل أقل وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت ، وأكب على الإشتغال ، ومات والده وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ، فدرس بعده بوظائفه ، وله إحدى وعشرون سنة ، واشتهر أمره ، وبعد صيته في العالم ، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجمع على كرسي من حفظه ، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم ، وكذا كان الدرس بتؤدة وصوت جَهُوري فصيح .

كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك ، رأسا في عرفة الكتاب والسنة والإختلاف ، بحرا في النقليات ، هو في زمانه فريد عصره علما وزهدا وشجاعة وسخاء ، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ، وكثرة تصانيف . تقدم في علم التفسير والأصول وجميع علوم الإسلام : أصولها وفروعها ، ودقها وجلها ، سوى علم القراءات .

فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه ، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق ، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا ، وسرد وأبلسوا ، واستغنى وأفلسوا .

وإن سمي المتكلمون فهو فردهم ، وإليه مرجعهم .

وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيّسهم ، وهتك استارهم وكشف عوارهم .

وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة ، وهو أعظم من أن يصفه كلمي ، أو ينبه على شأوه قلمي ، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ، ومحنه وتنقلاته ، تحتمل أن ترصع في مجلدتين ، وهو بشر من البشر ، له ذنوب ، فالله تعالى يغفر له ويسكنه أعلى جنته ، فإنه كان رباني الأمة ، وفريد الزمان ، وحامل لواء الشريعة ، وصاحب معضلات المسلمين ، وكان رأسا في العلم .

له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ، ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل ، وبالصحيح والسقيم ، مع حفظه لمتونه الذي انفرد به ، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ، ولا يقاربه .

وهو عجب في استحضاره ، واستخراج الحجج منه ، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند ، بحيث يصدق عليه أن يقال : " كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث " . ولكن الإحاطة لله ، غير أنه يغترف من بحر ، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي .

وله في استحضار الآيات من القرآن ــ وقت اقامة الدليل بها على المسألة ــ قوة عجيبة . ولفرط امامته في التفسير وعظمة اطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين ، ويوهي أقوالا عديدة ، وينصر قولا واحدا موافقا لما دل عليه القرآن والحديث .

وله أيضا باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين ، وقل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة . وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة ، وصنف فيها ، واحتج لها بالكتاب والسنة .

وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين ، بل بما قام عليد الدليل عنده .

ولقد نصر السنة المحضة ، والطريقة السلفية ، واحتج لها ببراهين ومقدمات وامور لم يسبق إليها . وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون ، وهابوا ، وجسر هو عليها ، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشأم ، قيام لا مزيد عليه ، وبدَّعوه ، وناظروه ، وكابروه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي ، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده ، وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال .

مع ما اشتهر عنه من الورع وكمال الفكرة وسرعة الإدراك والخوف من الله ، والتعظيم لحرمات الله . فجرى بينه وبينهم حملات حربية ، ووقائع شامية مصرية ، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة فينجيه الله .

فإنه دائم الإبتهال ، كثير الإستغاثة قويُّ التوكل ثابت الجأش ، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجَعِيّة .

وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء ، ومن الجند والأمراء ، ومن التجار والكبراء ، وسائر العامة تحبه ، لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا بلسانه وقلمه .

وأما شجاعته فبها تضرب الامثال ، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال . فلقد اقامه الله في نوبة غازان ، والتقى أعباء الامر بنفسه ، وقام وقعد وطلع وخرج ، واجتمع بالملك مرتين ، وبقطلو شاه ، وببولاي ، وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجراته على المغول .

وله حدة قوية تعتريه في البحث ، حتى كأنه ليث حرب .

وهو أكبر من ان ينبه مثلي على نعوته . فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت اني ما رأيت بعيني مثله . ولا والله ما رأي هو مثل نفسه في العلم .


:

ما فعله الشيخ رحمه الله في نوبة غازان من جميع أنواع الجهاد ، وسائر أنواع الخير : من إنفاق الأموال ، وإطعام الطعام ، ودفن الموتى ، وغير ذلك : معروف مشهور .

ثم بعد ذلك بعام ، سنة سبعمائة لما قدم التتار إلى أطراف البلاد ، وبقى الخلق في شدة عظيمة ، وغلب على ظنهم أن عسكر مصر قد تخلوا عن الشأم ، ركب الشيخ ، وسار على البريد إلى الجيش المصري في سبعة أيام .

ودخل القاهرة في اليوم الثامن : يوم الإثنين حادي عشر جمادي الأولى ، وأطلاب المصريين داخلة ، وقد دخل الملك الناصر . فاجتمع بأركان الدولة ، واستصرخ بهم وحضهم على الجهاد ، وتلا عليهم الآيات والأحاديث ، وأخبرهم بما اعد الله للمجاهدين من الثواب . فاستفاقوا وقويت هممهم ، وأبدوا له العذر في رجوعهم ، مما قاسوا من المطر والبرد منذ عشرين . ونودي بالغزاة ، وقوي العزم ، وعظموه ، واكرموه ، وتردد الأعيان إلى زيارته .

واجتمع في هذه السنة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ، وسمع كلامه ، وذكر انهم سألوه بعد انقضاء المجلس فقال : هو رجل حُفظة .

وقيل له : فهلا تكلمت معه ؟ ، فقال : هذا رجل يحب الكلام ، وأنا أحب السكوت .

ولقد أخبرني الذهبي عن الشيخ رحمه الله أنه أخبره أن ابن دقيق العيد قال له بعد سماع كلامه : ما كنت أظن ان الله بقى يخلق مثلك .

وفي اليوم السابع والعشرين من شهر جمادي المذكور وصل الشيخ إلى دمشق على البريد .



:

كنت إذا اجتمعت به في ختم أو مجلس ذكر خاص مع أحد المشائخ المذكورين ، وتذاكروا وتكلم مع حداثة سنه أجد لكلامه صولة في القلب ، وتأثيرا في النفوس ، وهيبة مقبولة ، ونفعا يظهر أثره وتنفعل له النفوس التي سمعته أياما كثيرة بعقبه ، حتى كان مقاله بلسان حاله ، وحاله ظاهر في مقاله . شهدت ذلك منه غير مرة .


:

ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال ، وبث العلم ونشره ، والاجتهاد في سبل الخير ، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل ، والزهد والورع ، والشجاعة والكرم والتواضع والحلم والإنابة والجلالة والمهابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسائر أنواع الجهاد ، مع الصدق والعفة والصيانة ، وحسن القصد والإخلاص ، والإبتهال إلى الله وكثرة الخوف منه ، وكثر المراقبة له وشدة التمسك بالأثر ، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق ، ونفع الخلق والإحسان إليهم والصبر على من آذاه ، والصفح عنه والدعاء له ، وسائر أنواع الخير .

وكان رحمه الله سيفاً مسلولا على المخالفين ، وشجى في حلوق الأهواء المبتدعين ، وإماما قائما ببيان الحق ونصرة الدين ، وكان بحرا لا تكدره الدلاء وحبرا يقتدي به الأخيار الألباء ، طَنَّـت بذكره الأمصار ، وضَنَّـت بمثله الأعصار .

:

ما رأيت مثله ، ولا رأى هو مثل نفسه ، وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ، ولا أتبع لهما منه .


:

كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله . وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه ، ولا تكلم في علم من العلوم ، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه اهله والمنسوبين إليه . وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين .

وعلق الزملكاني على كتاب ابن تيمية " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " :



ماذا يقول الواصفون له * * * وصفاته جلَّـت عن الحصر
هو حجة لله قاهـــــــرة * * * هو بيننا أُعجوبة الدهــر
هو آية للخلق ظاهــــرة * * * أنوارها أرْبت على الفجر


:

سمع جميع هذا الكتاب على مؤلفه شيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد شيخ الإسلام ، مفتي الفرق قدوة الأمة أعجوبة الزمان بحر العلوم ، حبر القرآن تقي الدين سيد العباد : أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني رضي الله عنه .

:

ألفيته ممن أدرك من العلوم حظأً ، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظا .

إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته ، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته ، أو ذكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته ، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم يُـر أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته .

برز في كل فن على أبناء جنسه ، ولم ترى عين من رآه مثله ، ولا رأت عينه مثل نفسه . كان يتكلم بالتفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير ، ويردون عن بحر علمه العذب النمير ، ويرتعون من ربيع فضله في روضه وغدير ، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد ، وألَّـب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليه في حنبليته من امور المعتقد فحفظوا عنه في ذلك كلاما ، أوسعوه بسببه ملاما ، وفوقوا لتبديعه سهاما ، وزعموا أنه خالف طريقهم ، وفرق فريقهم ، فنازعهم ونازعوه ، وقاطع بعضهم وقاطعوه ، ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة ، ويزعمون أنهم على ادق باطن منها وأحلى حقيقة ، فكشف تلك الطرائق وذكر لها ــ على ما زعم ــ بوائق ، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه ، واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه ، فوصلوا بالأمراء أمره ، وأعمل كل منهم في كفره فكره ، فكتبوا محاضر ، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر ، وسعوا في نقله إلى حاضرة المملكة بالديار المصرية ، فنقل وأودع السجن ساعة حضوره ، واعتقل .

وعقدوا لإراقة دمه مجالس ، وحشدوا لذلك قوما من عمَّار الزوايا وسكان المدراس من محامل في المنازعة ، مخاتل بالمخادعة ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة ، يسمونه ريب المنون﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ﴾ وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالا من المخاتل ، وقد دبَّت إليه عقارب مكره ، فرد الله كيد كل في نحره ، فنجاه على من اصطفاه والله غالب على أمره .

ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة ، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلى محنة ، إلى أن فُوِّض أمره لبعض القضاة فقلد ما تقلد من اعتقاله ، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله ، وإلى الله ترجع الأمور وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

وكان يومه مشهودا ضاقت بجنازته الطريق وانتابها المسلمون من كل فج عميق ، يتبركون بمشهده يوم يقوم الأشهاد ، ويتمسكون بشرجعه حتى كسروا تلك الأعواد ، وذلك في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ( 728 ) ثمان وعشرين وسبعمائة بقلعة دمشق المحروسة اهـ .


:

قرأ الفقه وبرع فيه والعربية والأصول ، ومهر في علمي التفسير والحديث . وكان إماما لا يلحق غباره في كل شيء ، وبلغ رتبة الإجتهاد واجتمعت فيه شروط المجتهدين ، وكان إذا ذكر التفسير بُهت الناس من كثرة محفوظه وحسن إيراده ، وإعطائه كل قول ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال ، وخوضه في كل علم كان الحاضرون يقضون منه العجب ، هذا مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة والإشتغال بالله تعالى والتجرد من أسباب الدنيا ، ودعاء الخلق إلى الله تعالى .

وكان يجلس في صبيحة كل جمعه على الناس يفسر القرآن العظيم فانتفع بمجلسه وبركة دعائه وطهارة أنفاسه وصدق نيته ، وصفاء ظاهره وباطنه ، وموافقة قوله لعمله ، وأناب إلى الله خلق كثير .ــ قال الذهبي : وفسر كتاب الله مدة سنتين من صدره أيام الجمع وكان يتوقد ذكاء ــ

وجرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر والتقلل من الدنيا رحمه الله تعالى ، ورد ما يفتح به عليه .

[1]

هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، الشيخ الإمام العالم العلامة المفسّر المحدّث المجتهد الحافظ شيخ الإسلام ، نادرة العصر فريد الدهر تقي الدين أبو العباس ابن الشيخ شهاب الدين ابن الإمام مجد الدين أبي البركات بن تيمية .

سمع من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر والكمال ابن عبد وابن أبي الخير وابن الصيرفي والشيخ شمس الدين والقاسم الأربيلي وابن علان وخلق كثير .

بالغَ وأكثر وقرأ بنفسه على جماعة .

وانتخب ونسخ عدة أجزاء وسنن أبي داود .

ونظر في الرجال والعلل وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التدين والتألُّه.

ثم أقبل على الفقه ودقائقه وغاص على مباحثه.

تحوّل به أبوه من حرّان إلى دمشق سنه سبع وستين وستمائة .

ويتيمة لقب لجده الأعلى .

تمذهب للإمام أحمد ابن حنبل فلم يكن أحد في مذهبه أنبه ولا أنبل ، وجادل وجالد شجعان أقرانه ، وجَدَّ لخصومه في وسط ميدانه ، وفرج مضايق البحث بأدلة قاطعة ، ونصر أقواله في ظلمات الشكوك بالبراهين الساطعة.

كانت السُّنَّة على رأس لسانه، وعلوم الأثر مساقة في حواصل وجدانه، وأقوال العلماء مجلوّة نصب عيانه.

لم أرَ أنا ولا غيري مثل استحضاره ، ولا مثل سبقه إلى الشواهد وسرعة إحضاره ، ولا مثل عزوّه الحديث إلى أصله الذي فيه نقطة مداره .

وأما علم الأصلين فقهاً وكلاماً، وفهماً وإعلاماً، فكان عجباً لمن يسمعه، ومعجزاً لمن يعد ما يأتي به أو يجمعه.

ينزل الفروع منازلها من أصولها، ويردّ القياسات إلى مآخذها من محصولها.

وأما الملل و النحل، ومقالات أرباب البدع الأُوَل، ومعرفة أرباب المذاهب، وما خُصُّوا به من الفتوحات والمواهب، فكان في ذلك بحراً يتموّج ، وسهماً ينفد على السواء ولا يتعوّج.

وأما المذاهب الأربعة، فإليه في ذاك الإشارة ، وعلى ما ينقله الإحاطة والإدارة .

وأما نقل مذاهب السلف، وما حدث بعدهم من الخلف ، فذلك فنه ، وهو في وقت الحرب مجنّه ، قَلَّ أن قطعه خصمُه الذي تصدّى له وانتصب ، أو خلص منه مناظره إلا وهو يشكو من الأين والنصب .

وأما التفسير فيده فيه طولى ، وسرْده فيه يجعل العيون إليه حولا ، إلاَّ أنه انفرد بمسائل غريبة ، ورجح فيها أقوالاً ضعيفة عند الجمهور مُعيبة ، كاد منها يقع في هُوّه ، ويسلم منها لما عنده من النيّة المرجُوّة ، واللَّه يعلم قصده ، وما يترجّح من الأدلة عنده .

وما دمّر عليه شيء كمسألة الزيارة ، ولا شنَّ عليه مثلها إغارة . دخل منها إلى القلعة معتقَلا ، وجفاه صاحبه وقلا ، وما خرج منها إلا على الآلة الحدباء ، ولا درج منها إلا إلى البقعة الجدباء ، والتحق باللطيف الخبير ، وولّى والثناء عليه كنشر العبير .

وكان ذا قلم يسابق البرق إذا لمع ، والودق إذا همع ، يملي على المسألة الواحدة ما شاء من رأس القلم، ويكتب الكراسين والثلاثة في قعدة .

وحدّ ذهنه ما كلّ ولا انثلم.

قد تحلّى بالمحلّى ، وتولى من تقليده ما تولى ، فلو شاء أورده عن ظهر قلب ، وأتى بجملة ما فيه من الشناع والثلب. وضيَّع الزمان في ردِّه على النصارى والرافضة ، ومن عاند الدين أو ناقضه ، ولو تصدّى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم ، لَقَلَّدَ أعناق أهل العلوم بِدرِّ كلامه النظيم [2] .

وكان من صغره حريصاً على الطلب مجداً على التحصيل والدأب، لا يؤثر على الاشتغال لذّة ، ولا يرى أن تضيع لحظة منه في البطالة فذة . يذهَل عن نفسه ويغيب في لذة العلم عن حسِّه ، لا يطلب أكْلاً إلا إذا حضر لديه ، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرد به .

قيل إن أباه وأخاه وأهله وآخرين ممن يلوذون بظله ، سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج ، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرّج ، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلُّفه ، وترْكه لتباعهم وما في انفراده من تكلفه ، فقال : أنتم ما تزيّد لكم شيء ولا تجدَّد ، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد، وكان ذلك كتاب «جنّة الناظر وجنة المناظر» وهو مجلد صغير ؛ وأمره شهير ، لا شك أنه كان في أرض العلوم حارثاً وهو همّام ، وعلومه كما يقول الناس تدخل معه الحمام .

هذا إلى كرم يضحك البرق منه على غمائمه ، وجود ما يصلح حاتم أن يكون في فصّ خاتمه ، وشجاعة يفر منها قسورة ، واقدام يتأخر عنه عنترة .

دخل على محمود غازان وكلّمه كلاماً غليظاً بقوة ، وأسمعه مقالاً لا تحمله الأبوّة من البُنُوّة .

وكان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة قد قام عليه جماعة من الشافعية وأنكروا عليه كلاماً في الصفات وأخذوا فتياه الحموبة وردّوا عليه فيها وعملوا له مجلساً فدافع الأفرمُ عنه ولم يبلغهم فيه أرباً ، ونودي في دمشق بإبطال العقيدة الحموية ، فانتصر له جماعات المشد ، وكان قد مُنِع من الكلام ثم أنه جلس على عادته يوم الجمعة وتكلم ثم حضر عنده قاضي القضاة إمام الدين وبحثوا معه وطال الأمر بينهم ثم رجع القاضي إمام الدين وأخوه جلال الدين وقالا : من قال عن الشيخ تقي الدين شيئاً عزّرناه .

ثم إنه طُلِب إلى مصر هو والقاضي نجم الدين ابن صصرى وتوجها إلى مصر في ثاني عشر شهر رمضان سنة خمس وسبع مائة فانتصر له الأمير سيف الدين سلاّر وحطّ الجاشنكير عليه وعقدوا له مجلساً انفصل على حبسه فحُبِسَ في خزانة البنود ، ثم نُقل إلى الإسكندرية في صفر سنة تسع وسبع مائة ، ولم يمكن أحد من أصحابه من التوجه معه ، ثم أفرِج عنه وأقام بالقاهرة مدة ثم اعتُقِل أيضاً ثم أفرِج عنه في ثامن من شوال سنة تسع وسبعمائة ، أخرجه الناصر لمّا ورد من الكرك، وحضر إلى دمشق فلما كان في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير سيف الدين تنكز وقرأ عليهم كتاب السلطان وفيه فصل يتعلّق بالشيخ تقي الدين بسبب فتياه في مسألة الطلاق وعوتب على فتياه بعد المنع وانفصل المجلس على توكيد المنع ، ثم إنه في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب المفرد سنة عشرين وسبعمائة عقد له مجلس بدار السعادة وعاودوه في فتيا الطلاق عليها وعاتبوه لأجلها ثم أنه حُبِس بقلعة دمشق فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشور سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، فأخرج من القلعة بعد العصر سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة في أيام قاضي القضاة جلال الدين القزويني تكلموا معه في مسألة الزيارة وكُتِب في ذلك إلى مصر، فورد مرسوم السلطان باعتقاله في القلعة ، فلم يزل بها إلى أن مات، رحمه اللَّه تعالى في ليلة الاثنين عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقلعة دمشق في القاعة التي كان بها محبوساً. ومولده بحران سنة إحدى وستين وستمائة .

وأول ما اجتمعت أنا به كان في سنة ثمان عشرة أو سبع عشرة وهو بمدرسته في القصاعين بدمشق المحروسة ، وسألته مسألة مشكلة في التفسير ومسألة مشكلة في الإعراب ومسألة مشكلة في الكنى ، والحاجب في الحنبلية ، فكنت أرى منه عجباً من عجائب البر والبحر ، نوعاً فرداً وشكلاً غريباً.

وكان ما ينشد قول ابن صردر :


تموت النفوس بأوصابها * ولم تشكُ عوّادُها ما بها

وما أنصفت مهجة تشتكي* أذاها إلى غير أحبابها


وينشد أيضاً :


مَنْ لم يُقَد ويُدَسّ في خَيْشومه * رَهْجُ الخميس فَلَنْ يَقود خميسا


رأيته في المنام بعد موته رحمه الله تعالى كأنه في جامع بني أمية ، وأنا في يدي صورة عقيدة ابن حزم الظاهري التي ذكرها في أول كتاب « المحلّى » وقد كتبتها بخطي وكتبتُ في آخرها :

وهذا نَصّ ديني واعتقادي * وغيري ما يرى هذا يجوز

وقد أوقفته على ذلك فتأملها ورآها وما تكلم بشيء » .

وقال الصفدي : على الجملة فكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم ولم يكن في الزمان مثلهم ، بل ولا قبلهم من مائة سنة ، وهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي ! . وقلت في ذلك :


ثلاثة ليس لهم رابع * فلا تكن من ذاك في شكِّ
وكلُّهم منتسبٌ للتُّقى* يقصُر عنهم وصفُ من يحكي
فإن تشأْ قلت ابن تيمية * وابن دقيق العيد والسبكي




-------------------------

هذا هو رأي الصفدي رحمه الله، حيث أن علماء زمانه كانت همة كثير منهم وضع الشروحات والحواشي والاختصارات.. ولم يتصدَّ كثير منهم للضلالات والبدع والصوفيات والفرق المنحرفة التي ضعضعت كيان الأمة. فكلام ابن تيمية -رحمه الله- وجهاده ومناظراته وردوده على اليهود والنصارى والشيعة والفلاسفة والباطنية وغيرهم، مع إثباته لعقيدة السلف الصالح، إنما ردَّ للسنة ومنهج أهلها مكانتهم الحقيقة، وجدد للأمة دينها؛ فرحمة الله عليه من عالم عامل مجاهد.


((وفقنا الله وأياكم لما يحب ويرضى))

__________________

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19-04-2007, 10:57 PM
الوحش الحر الوحش الحر غير متواجد حالياً
 عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
المشاركات: 752

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة::

رحم الله والديك ,,آل خضير

وجزيت خير الجزاء,,,والشيخ رحمة الله مدرسة بذاتة,,

مقال متميز وأختيار موفق%

__________________

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-04-2007, 12:30 AM
آل خضير آل خضير غير متواجد حالياً
 عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 28
Post

مرحبا الف
يا ((( الوحش الحر )))
والله يجزيك خيرا
ويغفر لوالديك
ولاهنت على المرور والتعليق

__________________

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20-04-2007, 02:22 AM
الباشا الباشا غير متواجد حالياً
 إدارة الشبكة
 
تاريخ التسجيل: May 2004
المشاركات: 14,265

رحم الله شيخ الإسلام إبن تيمية

الأخ القدير
آل خضير

جزاك الله خير على هذه النبذه المختصرة
لشيخ الأسلام رحمه الله

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20-04-2007, 03:21 PM
آل خضير آل خضير غير متواجد حالياً
 عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 28

[align=center]مرحباً
يا ((الباشا))
والله يجزيك خيرا على مرورك وتعليقك ودعائك [/align
]

__________________

رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 08:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com