كانت جالسة أمام منضدة القراءة تقرأ الكتاب بانسجام. منضدة القراءة مستندة على جدار النافذة المغطاة بستار شبه معتم. و لكن الستار مشرع الآن ليعم ضوء شمس الضحى أرجاء المكان. دخل عليها والدها بعد أن طرق الباب طرقة خفيفة . ربت على كتفيها بحنان ثم قبل رأسها و اتجه نحو النافذة و أسدل الستار قائلاً: -يا ابنتي الستر زين. أثق فيك ثقة تامة و لكني أخاف عليك أيضاً و أريد أن أبري ذمتي أمام الله في شأن تربيتكم و الحفاظ عليكم. فهمتي؟ لا أريد أن يمسكي أي سوء من بعيد أو قريب.أشعلي المصابيح الكهربائية فنورها أقوى..اتفقنا؟ -(أومأت برأسها): لك ما أردت. - و الآن ماذا تقرئين؟ -سيرةٌ ذاتية. -جيد..بل جميل فهي تكسب من يقرأها خبراتٍ عظيمة من تجارب الآخرين. أحبك هكذا دائما يا ابنتي. خرج من عندها مسروراً منشرحاً..أما هي فلم تقتنع بفكرة إسدال الستار لم يكن أمام النافذة غير أرض ملساءٍ لم تشتر. و الأهم من ذلك أن شجرة السدر في فناء البيت تعانق زجاج نافذتها و تمنع كل شيء عنها إلا بعضاً من خيوط الشمس..و حتى هذه تتقطع بظلال فروعها. ياه كم تحب رائحة السدر و طعم ثماره . عشقتها مذ بدأت تدرك معاني الأشياء وكانت الشجرة حينها ناضجة و مستوية في مكانها. شيء واحد كان و مازال ينغص عليها و هو تسلق القطط على أغصانها و موائها القبيح ليلاً ،فأحيانا يوقظها ذلك من لذة السكون في غمرة الليل…… على أي حال لن تعصي له أمراً فهو قدوتها و مثالها الحي الذي تزداد إعجابا به يوماً بعد آخر ،كما أنه يجمع بين الشخصية المحترمة و الحنان الأبوي المتدفق….هو محق لا محالة لذا لم تر أي داعي للاستمرار في أفكار كهذه اعتبرتها وساوس شيطانية لأنها أتت بمثابة مبررات تافهة لمجرد إثبات الرأي و اختلاق مجال للعناد الطفولي الذي مازال يأسرها!! استحضرت جو القراءة من جديد . أغمضت عينيها برهةً و أخذت نفساً عميقا امتلأت به جنبات رئتيها. ثم أمسكت دفتيه بإحكام و تابعت قراءة الكتاب الذي استغرقها بقية ساعات اليوم فحياة بطل السيرة كانت عبارة عن سلسلة من المغامرات الحياتية الشيقة و الشاقة و التي قادته أخيراً إلى مرفأ الاستقرار و السعادة. كان الكتاب يستحق في نظرها جلستها المتتابعة تلك لأن نهاية السيرة وافقت رغبتها العارمة بأن تكون النهاية سعيدة و مرضية هذه المرة . و في صبيحة اليوم التالي لم يدخل أحد حجرتها و لم يدر بخلدها أن تلمس الستار. شغلتها فكرة أخرى حول أن تفعل شيئا مختلفا صباح يوم العطلة هذا تكسر به الروتين قبل أن يستفحل و يغدو قاتلاً! خطر لها أن تخرج إلى فناء المنزل، لكن حافية القدمين حتى لا تزعج النائمين و سكينة روحها. و ما أن خطت خطوتها الأولى خارجا حتى خيل لها أنها تمشي أثناء النوم، فقد رأت كابوسا مزعجاً…ربما كان ذلك من تأثير مواء البارحة؟! عضت شفتها السفلى و قرصت ساعدها الأيسر بيدها اليمنى الأقوى غير أنها تألمت بشدة و كادت تبكي..إذا ليس حلماً؟!! بدايةً التقطت أذناها همسات.. و ضحكات بشعة. فتسمرت في مكانها و ازدادت برودة البلاط من تحت قدميها العاريتين حتى سرى البرد رعشة قويةً في جهازها العصبي. أتبعتها نظرات وجلى ندمت على فضولها فيما بعد لأن ما رأته بهما كان هائلا و مفزعاً. خيال مآتى برأسي قشي كان يلتصق هناك بسوار المنزل من الداخل!!كانت عيناه محشوتين قطنا مغلفا بقماش قديم غامق و تتجهان إلى السماء..لا لا بل إلى…… هناك حيث يطل عليه الصوت الضاحك بقناع أسود و شعر أشعث و لباس فتاة من..من.. أعلى سطح الجار !! هل ما رأته فعلا جسد قشي أجوف..أم لحم و دم؟! ارتعدت خوفاً كقطعة معدن يُدَقُ بها مسمار.جف الدم فجأة في مسارات عروقها. شفتاها صارتا بلمحة برق كشفتي سيدة أرملة لتوّ قد فجعت!!كادت تصرخ إلا أن تيار هواءٍ قوي أبكمها. تقهقرت أدراجها ..أصابها دوار و غثيان. حدثتها نفسها بالنوم من جديد فقد يكون أنجع دواء للدوار..و قد تصحو! تراجعت خطواتها منكسرة إلى الخلف حتى عادت إلى الغرفة أخيراً . استلقت على سريرها كجثة في تابوت خشبي مصمت. غفت واستيقظت بعد وهلة قصيرة.. لم تبد الأشياء مختلفة من حولها. نظرت إلى الستار بصمت ممعن ثم استنشقت هواء المكان المكتوم. وثبت من السرير لتخرج ثانية ..هذه المرة بدت أكثر انشراحا حيث استلهمت من غفوتها تلك بعض الأشياء المفرحة على ما يبدو، أمسكت بورقة و قلم لتدون ما استوحته أو رأته كي لا تنسى تنفيذه حرفيا:أولها أن تمشي في الحال رأساً على عقب لترى الأشياء بالمقلوب!ثانيها أن تؤجل قراءة الكتب إلى وقت العصر لتتقافز أثناء قراءتها مع إخوتها و هم يلعبون !! و أقواها: أن مواء القطط لن يوقظها بعد اليوم، بل سيشكل لها ألحانا عذبة ترقص معها في الأحلام ..هذا ما استقته أفكارها من قريحة الغفوة فربما ترتاح و يعود القدوة……